Top
Image Alt

الميزان وما يتعلق به، وما جاء في جزاء الأعمال من الثواب والعقاب

  /  الميزان وما يتعلق به، وما جاء في جزاء الأعمال من الثواب والعقاب

الميزان وما يتعلق به، وما جاء في جزاء الأعمال من الثواب والعقاب

إتمامًا للمباحث المتعلقة باليوم الآخر، نتكلم عن أمرين مهمين تتعلق بهما أيضًا شبهات بعض المخالفين، وأنكروا وجوده، ألا وهما الميزان والصراط:

أما الميزان، فإنه يجب الإيمان به كأخذ الصحف، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، والأدلة على إثبات الميزان، وبيان أوصافه كثيرة كقول الله تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقّ} [الأعراف: 8] وقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] وقوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـَئِكَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 102، 103]، وقوله: {فَأَمّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رّاضِيَةٍ (7) وَأَمّا مَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 6 – 9].

ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل يستخلص رجلًا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًّا، كل سجل مدّ البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب. فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فتُخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فيقول: أحضروه، فيقول: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظْلَم، قال: فتوضع السجلات في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء باسم الله الرحمن الرحيم)). أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه وأبو القاسم ابن حمزة في جزء البطاقة، والحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والألباني في (الصحيحة).

قال ابن أبي العز في (شرح الطحاوية): “فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات، فعلينا الإيمان بالغيب، كما أخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، فيا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع؛ لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال، وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنًا …”.

واختلف العلماء هل في يوم القيامة ميزان واحد، أو موازين متعددة؟

والأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم، ولجميع الأعمال، كِفتاه كأطباق السماوات والأرض، وقيل: إنه لكلِّ أمةٍ ميزان، وقال الحسن البصري: لكل واحد من المكلفين ميزان، ومن قال: إنه ميزانٌ واحد أجاب عن الآيات بأن المراد الموزونات، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة.

وأهل السنة يؤمنون بأن الميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق، قالوا: وله لسان وكفتان توزن بهما صحائف الأعمال، وهو ميزان حسي، وذهب بعض المبتدعة كالمعتزلة وبعض الملحدين إلى أن الميزان أمر معنوي، قالوا: والمراد به العدل.

شبهتهم: قال المعتزلة: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، ومثلها يوزن بميزان معنوي، هو العدل، وإنما يقبل الوزن الأجسام، قالوا: والله لا يحتاج إلى الميزان، ولا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال، أما الله فلا يحتاج إلى الميزان، هكذا المعتزلة حرفوا النصوص بأهوائهم.

وردّ عليهم أهل السنة بأن الله يقلب الأعراض أجسامًا، كما في حديث البراء بن عازب، أن العمل يمثل في القبر لصاحبه إنسانًا حسنًا، أو قبيحًا، مع أن العمل معنوي، وكما في حديث أبي هريرة: ((يؤتى بالموت كبشًا أغر، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة فيشرئبون، وينظرون، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبون، وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح الموت كالكبش)) وهو معنوي، فكذلك الميزان، كذلك الله -تبارك وتعالى- يقلب الأعمال أجسامًا، فتوزن، ويوزن الشخص، قال صلى الله عليه وسلم: ((يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((في دقتي ساقي ابن مسعود، إنهما في الميزان أثقل يوم القيامة من جبل أحد))، ومنشأ ضلال هؤلاء المعتزلة وغيرهم قياس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، والذي دلَّت عليه السنة أن ميزان الأعمال حسي له كفتان حسيتان مشاهدتان.

ومن ذلك حديث البطاقة: أنه يؤتى برجل، ويُخْرَجُ له تسعة وتسعون سجلًّا، كل سجل مد البصر سيئات، ثم يؤخذ له بطاقة فيها الشهادتان: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فتوضع السجلات في كفة، وتوضع البطاقة في كِفة، فطاشت السجلات من كثرة البطاقة، فنجا وسلم، وغفر الله له.

والترتيب في الميزان، والحوض، والصراط، والحساب، الصواب أن مراتب البعث والمعاد والصراط، أنها أولًا المعاد، والبعث، والنشور، ثم القيام لرب العالمين، ثم الحوض، ثم العرض، ثم تطاير الصحف وأخذها باليمين والشمال، ثم الميزان، ثم الورود على الصراط، ثم الجنة.

الميزان عند أهل الحق ميزان حسي له كفتان عظيمتان، والأدلة على إثبات الميزان منها قول الله تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقّ} [الأعراف: 8].

وقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، وقوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـَئِكَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنّمَ خَالِدُونَ} [الأعراف: 102، 103]، وقوله: {فَأَمّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رّاضِيَةٍ (7) وَأَمّا مَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 6 – 9].

واختلف العلماء هل في موقف القيامة ميزان واحد أم موازين متعددة؟ فالأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم، ولجميع الأعمال كفَّتاه كأطباق السماوات والأرض، وقيل: إنه لكل أمة ميزان. كما سبق ذكر ذلك فيما تقدم.

ومن الأدلة أيضًا على أن الميزان حسّيّ ما رواه الترمذي في سياق آخر: ((توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة)) الحديث، وفي هذا السياق فائدة جليلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله، وهو دليل على أن الميزان له كفتان حسيتان.

ومن الأدلة أيضًا: ما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناحَ بعوضة، قال: اقرءوا إن شئتم {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً})) وقال صلى الله عليه وسلم في ساقي ابن مسعود: ((والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُد)) كما تقدم.

وقد وردت الأحاديث -أيضًا- بوزن الأعمال أنفسها، منها حديث أبي مالك الأشعري في (صحيح مسلم): ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان))، ومنها في (الصحيح)، وهو خاتمة كتاب البخاري: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمدِهِ، سبحان الله العظيم)).

فهذه الأدلة السابقة تدل على وزن الأشخاص والأعمال وصحائف الأعمال بميزان حسي، له كفتان حسيتان، فثبت وزن الأعمال والعامل وصحف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان.

الحكمة في وزن الأعمال بالميزان الحسّي: قال الثعلبي: الحكمة في ذلك تعريف الله عباده ما لهم عنده من الجزاء، من خير، أو شر، وقيل: بل الحكمة في وزن الأعمال ظهور عدل الله -سبحانه- في جميعِ عبادِهِ، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسلَ مبشرين، ومنذرين. ومن الحكمة أيضًا بيان فضل الله، وأنه يزن مثاقيلَ الذر من خير، أو شر، قال تعالى: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 40]، وفيه إدخال البشر والسرور على المؤمنين، ووراء ذلك أيضًا من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه.

حصول الثواب والعقاب في الآخرة، سواء أكان الثواب والعقاب حسيًّا أم معنويًّا، من الأمور التي قررتها الشريعة، بل أمر قررته شرائع السماء، وأقرته شرائع الأرض، وقامت عليه حياة الناس في الأولى والآخرة، وهو من الأمور المعلومة بالضرورة، ولا ينكره إلا جاحد معاند؛ قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]. وقد تنوعت دلالات الكتاب والسنة على هذا الأمر العظيم، وما الميزان والعرض والحشر وغيره إلا هو لازم من لوازمه.

الترتيب في الحساب والميزان أيهما يكون قبل الآخر مع التوجيه:

قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ وذلك لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها.

الترتيب في الميزان والحوض والصراط: اعلم: أن مراتب المعاد والبعث والصراط والحساب، والحوض والميزان ما يلي: معاد وبعث ونشور، ثم القيام لرب العالمين، ثم الحوض، ثم العرض، ثم تطايرُ الصحف، وأخذها باليمين والشمال، ثم الميزَان، ثم المرورُ على الصراط، ثم الوقوف على القنطرة بين الجنة والنار، وجعل القرطبي في (التذكرة) هذه القنطرة صراطًا.

ثانيًا: للمؤمنين خاصة، ولا يسقط فيه أحد في النار، فيكون الترتيب هكذا: بعث، فقيام، فحوض، فحساب، فصحف، فميزان، فصراط، فقنطرة، فالجنة.

error: النص محمي !!