Top
Image Alt

الناقد إبراهيم عبد القادر المازني

  /  الناقد إبراهيم عبد القادر المازني

الناقد إبراهيم عبد القادر المازني

الصورة النقدية المضطربة عند المازني:

أما ثالث الثلاثة فهو إبراهيم عبد القادر المازني، والصورة النقدية عند المازني نراها مضطربة، وفيها تناقض ذلك أن المازني يبدو أنه مر بمرحلتين في حياته، وهاتان المرحلتان تبدوان متناقضتين.

وكما يقول المازني نفسه:

كأننا اثنان ليس يجمعنا

* في العيش إلا تشبث الذكر

مات الفتى المازني ثم أتى

* من مازن غيره على الأثر

فهو يريد أن يقول: كان له شخصان شخص في مرحلة سابقة في حياته، وشخص آخر في مرحلة تالية، ولكن الدكتور مندور يقول: لم يكن من الصحيح أن المازني القديم قد مات عن آخره، ولم يخلف شيئًا من المازني الحديث، ويحاول الدكتور مندور أن يستخلص صورةً لنقد المازني، من كتابه الذي كتبه عن حافظ وشكري في بداية الأمر، كان شكري وحافظ كان المازني صديقًا لشكري، وكان متحاملًا على حافظ إبراهيم، فأخرج كتابًا نقد فيه شعر حافظ، وأعلى فيه من قيمة شعر شكري.

وفيه يقول: لا نجد أبلغ في إظهار فضل شكري، والدلالة عليه وبيان ما للمذهب الجديد على القديم من المزية والحسن، من الموازنة بين شاعر مطبوع، مثل شكري وآخر ممن ينظمون بالصنعة، مثل حافظ بك إبراهيم، فإن الله لم يخلق اثنين هما أشد تناقضًا في المذهب وتباينًا في المنزع من هذين.

والضد كما قيل يظهر حسنه الضد، حافظ رجل نشأ أول ما نشأ بين السيف والمدفع، من أجل ذلك ترى في شعره شيئًا من خشونة الجندي، وانتظام حركاته واجتهاده، وضعف خياله وعجزه عن الابتكار والاختراع والتفنن، ولعل هذا السبب أيضًا في أن حافظًا لا يقول الشعر، إلا فيما يسأل القول فيه من الأغراض، بيد أنه على ما به من ضيق في المضطرب، وتخلف في الخيال كان أفصح لسان تنطق به الصحف، وأقدر الناس على نظم معانيها، وتنضيد أخبارها وتنسيق فقرها، لو أن هذا مما يحمد عليه الشاعر، أو أن في هذا فخرًا لأحد شاعرًا كان أو غير شاعر.

إذًا هنا يقلل المازني من قيمة شعر حافظ وينقده، ويقول: وأما شكري فشاعر لا يصاعد طرفه إلى أرفع من آمال النفس البشرية، ولا يصوبه إلا إلى أعمق من قلبها، فذلك دأبه ووكده، وهو لا يبالغ كحافظ في تحبير شعره وتدبيجه، بل حسبه من الوشي والتطريز أن يسمعك صوت تدفق الماء من جراح الفؤاد، وأن يفضي إليك بنجوى القلوب والضمائر، وأن يريك عيون الندى على خدود الزهر، وافترار ضوء القمر عن مكفهر القبور، ووميض الابتسامات في ظلام الصدور، وأن ينشقك نسيم الرياض، وأنفاس السحر، وأن يشعرك لذة الحنين، ودفعة اليأس والأمل، وأن يغوص بك في لجج الفكر.

ثم قال: وبعد فإن حافظًا إذا قيس إلى شكري لكالبركة الآجنة إلى جانب البحر العميق الزاخر، وحسب القارئ أن يتأمل ديوانيهما؛ ليعلم ما بينهما من البعد؛ وليعرف كيف يقعد الخيال بحافظ، ويسمو بشكري في سماء الفكر، وحيث يجني التقليد على الرجل، ويغلق في وجهه أبواب التصرف والتفنن، فإن حافظًا قد حذى في شعره حذو العرب، وقلدهم في أغراضهم، وفرط عنايتهم بصلاح اللفظ، وأن فسد المعنى، وشكري قد صدع هذه القيود وفكها عن نفسه؛ لعلمه أن المقلد لا يبلغ شأو المبتكر، وأنك مهما قلدت العرب فلن تأتي بخير مما جاءوا به؛ ولأن له من سلامة الذوق، وصدق النظر ما يريه غثاثة هذه الأغراض القديمة الدارسة، وفسادها؛ ولأنه وجد من سخاء خياله وخصب قريحته، وسعة روحه خير معين له على اختراع طريقة بكر، لم يبتذلها كثرة الطراق، ولا عفا على رسمها القدم.

ثم واصل المازني الموازنة بين شكري وحافظ، فقال: قلنا: إن شكري أسمح خاطرًا وأخصب ذهنًا وأوسع خيالًا، وإن سبيله غير سبيل حافظ، أليس شعر حافظ قاصرًا على المدح والرثاء، ونظم منثور الأخبار، وصوغ مقالات الجرائد؟ وهل خرج حافظ عن الطريق القديم للدارس، أو قال في غير ما قالت فيه العرب؟ هذا ديوانه في مكتبة الإصلاح، فليبتعه من لم يسبق له به عهد، إن كان في شك مما نقول، وهل أدل من ذلك على التقليد، ووهن السليقة وقصور الباع، وإذا لم يكن التقليد عنوانًا على العجز عن الابتكار، فأي شيء أدل منه، وأبلغ في إظهار العجز والقصور، على أنهم يقولون: إن التقليد ليس بعيب، ونحن نقول: مهما يكن من الأمر فإنه في كل حال دليل على ضعف الخيال، وعدم القدرة على الابتداع، وفقدان الشخصية وفنائها في غيرها.

ثم يقول: هاتوا قصيدةً لحافظ حقيقة بهذا الاسم أي: اسم القصيدة نأتكم ببيت واحد من شكري يفضل كل ما قاله حافظ وأضرابه، وبعد فبماذا يفضُل حافظٌ شكريًّا؟ أبسرقاته التي لا تحصى، وإغاراته التي يكاد يخطئها العد؟ بتشبيهه بصفراء مسلوله تنسي اليهود الذهب، أم بسقم خياله الذي زين له أن يقذف بالوابور من فوق الجسور؛ ليحض الناس على البذل لجماعة رعاية الأطفال ومواساتها بالمال؟

ويستمر المازني في الرفع من قيمة شكري، والثناء عليه وعلى شعره، والحط من مكانة إبراهيم ورميه بكثير من العيوب في شعره، حتى جعل هذا الشعر إثمًا؛ لأنه يفسد الذوق، ويعود الناس الكذب ويضلل النفوس.

إذًا اتهم المازني حافظًا بضعف الخيال، وعدم القدرة على الابتكار، والبعد عن الصدق الفني والشعوري، وسطحية التناول ونثريته، وانطماس الشخصية، وعدم الغوص إلى باطن التجربة الشعورية، والاكتفاء بنظم الأخبار أو مقالات الصحف في شعر بارد، أما شكري في نظره فهو شاعر مجدد عظيم الفكر، ورائع الخيال، وجيد التعبير، ويصدر في شعره عن عاطفة صادقة، وإحساس صحيح، وأنه يمثل المذهب الجديد في شعره، الذي يؤمن به المازني، لكن المازني الذي رفع من قيمة شكري وشعره على هذا النحو عاد؛ ليبالغ في اتهام شكري وتجريده من الموهبة، بل يتهمه بالجنون بعد أن فسدت العلاقة بينهما؛ بسبب ما ذكره شكري من أن المازني يسطو على الشعر الإنجليزي، فيترجم منه أو يسرق منه.

ومن العجيب أن المازني ضمن نقده هذا العنيف لشكري كتاب (الديوان)، الذي يعد وثيقة المذهب الجديد، ولقب المازنيُّ شكريًّا في هذا النقد “صنم الألاعيب”، ومما قاله المازني: مسكين هذا الصنم لا يعرف لبكمه ماذا يقول، ويتطوع المشفقون عليه للدفاع عنه، فيجيء دفاعهم أقتل له من نقدنا، وينقمون منا أنا جعلناه صنم الألاعيب، وهم يسخرون منه ويتضاحكون به، وماذا يجدي ذودهم عنه، لقد كنا وكان شكري نخلص له النصح ونمحضه الرأي والسداد، ونشجعه ونغتبط بما نراه من تملله من قيود العهد القديم، ونعتد ذلك منه رغبة صادقة في التحرر، ونجري مع الأمل فيه، فهل كان علينا أن نظل العمر طامعين في غير مطمع، ثم أهملناه على شيء من اليأس منه، ثم تخشنَّا له، وعنفنا عليه في الزجر، فلم يغن لا الإغضاء، ولا اللين ولا العنف، وظل سادرًا راكبًا رأسه حتى أحفاه.

ولقد كنا في كل ما كتبناه عنه في أول عهده بقرض الشعر، لا نغفل إلى جانب التشجيع أن ننبهه إلى عيوبه، فقلنا عنه لما صدر الجزء الثاني من ديوانه: إنه يطأ مفاخر الصنعة بقدميه، وإنه لا يتعهد كلامه بتهذيب أو تنقيح، ولا يبالي أي ثوب ألبس معانيه، وعللنا يومئذ جموحه هذا بأنه نتيجة طبيعية لتمادي الشعراء في المنهج القديم، ولجاجتهم في احتذاء العتيق أي: أنه نتيجة رد فعل، فهو تطوح وتطليق للعقل يقابلهم من الجهة الأخرى غطيط المقلدين في كهف الماضي.

ويمضي المازني إلى حد بعيد من الشطط في اتهامه صديقه وزميله بالجنون، بل إنه لا يكتفي بذلك حتى يقول: وليست خواطر الجنون وسوء الظن والعفاريات كل ما يملأ ذهن شكري، فإن فيه ناحية يشغلها خاطر الإجرام، لكن المازني يعود ليكتب مقالًا نشر في جريدة السياسة في الخامس من أبريل، سنة ألف وتسعمائة وثلاثين بعنوان: “التجديد في الأدب المصري”، قال فيه: وقل من يذكر الآن شكري حين يذكر الأدب، ويعد الأدباء، ولكنه على هذا رجل لا تخالجني ذرة من الشك في أن الزمن لا بد منصفه، وإن كان عصره قد أخمله، ولقد غبر زمن كان فيه شكري هو محور النزاع بين القديم والجديد، ذلك أنه كان في طليعة المجددين إذا لم يكن هو الطليعة، والسابق إلى هذا الفضل.

فقد ظهر الجزء الأول من ديوانه، وكنا يومئذٍ طالبين في مدرسة المعلمين العليا، وكانت صلتي به وثيقة، وكان كل منا يخلط صاحبه بنفسه، ولكني لم أكن يومئذٍ إلا مبتدئًا على حين كان هو قد انتهى إلى مذهب معين في الأدب، ورأي حاسم فيما ينبغي أن يكون عليه، ومن اللؤم الذي أتجافى بنفسي عنه أن أنكر أنه أول من أخذ بيدي، وسدد خطاي ودلني على المحجة الواضحة، وأنني لولا عونه المستمر لكان الأرجح أن أظل أتخبط أعوامًا أخرى، ولكان من المحتمل جدًّا أن أضل طريق الهدى.

وكتب في الثاني عشر من أبريل سنة ألف وتسعمائة وثلاثين يقول: وقد احتمل شكري وحده في أول الأمر وعكة المعركة بين القديم والجديد، ثم يقول: وشكري رجل حساس رقيق الشعور سريع التأثير، وهو بطبعه أميل إلى اليأس، فشق عليه أن يظل يدأب، وليس من يعنى به، وأن يقضي خير عمر، ويرفع صوته بأعمق ما تضطرب به النفس الملهمة الحساسة، وليس من يستمع إليه أو يعيره لفتة.

فهو إذن يرفع شكريًّا ثم بعد ذلك يتهمه بالجنون، ثم بعد ذلك يعترف له بالأستاذية، هذا نوع من التناقض لا بد أن يكون للهوى الشخصي دخل فيه.

ومما يتعلق بصورة النقد عند المازني، وموقفه من المحافظين ما كتبه في الديوان من نقد للكاتب مصطفى لطفي المنفلوطي، ومما قاله فيه: ماذا في كتابات المنفلوطي مما يستحق أن يعد من أجله كاتبًا وأديبًا؟ إلا إذا كان الأدب كله عبثًا في عبث لا طائل تحته، واتهم المنفلوطي بأن أدبه هو أدب الأنوثة، وعاب على أسلوبه التكرار والترادف، وكثرة الألفاظ، التي لا معنى لها، ومثل لذلك بكثرة المفعول المطلق في كتابات المنفلوطي، وذهب إلى أن هذه المفعولات لا ضرورة لها، ولا داعي إلا الرغبة في تأكيد الغلو، الذي يتطلبه من يحمل نفسه على التلفيق والتصنع، أو ما يجري هذا المجرى من الأغراض الأخرى.

وذكر لذلك أمثلة منها قول المنفلوطي: وقلت: لا بد أن يكون وراء هذا المنظر الضارع الشاحب نفس قريحة معذبة، تذوب بين أضلاعه ذوبًا، وقوله: فيتهافت لها جسمه تهافت الخباء المقوض، وقوله: وقد بلغ الأمر مبلغ الجد، وقوله: فتنهد طويلًا ونظر إلي نظرة دامعة، وقوله: فأصبحت معنيًّا بأمرك عنايتك بنفسك، وقوله: فأنزلني من نفسه منزلة لم ينزلها أحد من قبلي، وقال: المازني إنه أحصى للمنفلوطي من المفعلول المطلق خمسمائة واثنين وسبعين مرة، وذكر أن المفعول المطلق استخدم ثلاثين مرة في قصة “اليتيم” وحدها، مع أنها تقع في تسع عشرة صفحة من (العبرات).

والحق أن ما ذكره المازني من نقده للمنفلوطي لا يسلم له كله، ويمكن تحليل كل عبارة في موضعها؛ لنرى إن كان المفعول المطلق، أو غيره من النعوت أو الألفاظ زائدًا لا داعي له، كما قال المازني، ومع هذا فإن المازني له جهد في النقد، وله جهد في الأدب، وله كتابات في التراجم الأدبية والدراسات الأدبية والنقدية، لها فوائد كثيرة، ولا يمكن أن يذكر العقاد وشكري دون أن يذكر معهما المازني.

error: النص محمي !!