Top
Image Alt

النجاسات: أنواعها، والمحالّ التي يجب تطهيرها منها

  /  النجاسات: أنواعها، والمحالّ التي يجب تطهيرها منها

النجاسات: أنواعها، والمحالّ التي يجب تطهيرها منها

معنى “النجاسة”، وحُكم الطهارة فيها:

أمّا القسم الثاني فهو: الطهارة من النّجس، وتنحصر أحكامه -كما قال ابن رشد -رحمه الله- في ستة أبواب، نتناول الآن منها:

الباب الأول وهو: معرفة حُكم هذه الطهارة:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: القول المحيط بأصول هذه الطهارة -أي: الطهارة من النّجس- وقواعدها ينحصر في ستّة أبواب.

ولكن قبل أن نتحدث أو نتعرّف على الأبواب السِّتّة: ما هي النجاسة؟ أو ما هو النّجس؟

النّجس لغةً: هو الشيء القذر الذي تعافه النفوس وتنفر منه.

أما شرعًا، فهو عبارة عن قدْر من القذارة يمنع من صحّة الصلاة، إذا كان في البدن، أو في الثوب، أو في المكان.

إذًا، لا بد أن يطالب المسلم بإزالته والتّنزّه عنه؛ حتى تصح صلاته، أو تَقرّبه إلى الله سبحانه وتعالى.

الباب الأوّل: معرفة حكم الطهارة من النّجاسة:

يقول: الأصل في هذا الباب، أمّا من الكتاب: فقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدَّثر: 4]، هذا أمْر، والأمر يدل على الوجوب، وهو إن كان خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صدر سورة (المدثر): { يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدَّثر: 1] إلى قوله: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدَّثر: 7] إلا أنه يندرج على الأمّة كلّها، حيث لا خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

وأمّا من السُّنّة، فآثار كثيرة ثابتة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن توضّأ فلْيستنْثِر، ومَن استجْمر فلْيوتِر)).

الاستنثار: هو الماء الذي يوضع في الأنف ويُنظِّف الإنسان بهذا الماء الأنف عدّة مرات.

ومن استجمر: أي: استخدم الحجارة في مسح الدّبر أو القُبل.

فلْيوتِر: أي: فلْيستخدم ثلاثة أحجار، أو خمسة أحجار، أو سبعة.

والحديث رواه الشيخان.

ومنها: أمْره صلى الله عليه وسلم بغسل دم الحيض من الثوب.

وأمْره بصبّ ذَنوب من الماء على بول الأعرابي.

أما حديث غسل دم الحيض من الثوب فقد رواه الجماعة.

وأما أمْره صلى الله عليه وسلم بصبّ ذَنوب –أي: دلو- من ماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد، فقد رواه الشيخان والترمذي والنسائي.

أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم في صاحبَي القبر: حين مرّ على قبريْن وقال: ((إنهما لَيُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبير. أمّا أحدهما، فكان لا يستنزه من البول. وأمّا الآخَر، فكان يمشي بالنميمة)) رواه الجماعة. ثم يقول:

واتفق العلماء لمكان هذه المسموعات على أنّ إزالة النجاسة مأمور بها في الشّرع.

واختلفوا: هل ذلك الأمر على الوجوب، أو على الندب المذكور، وهو الذي يعبر عنه بـ”السُّنّة”.

فقال قوم: إنّ إزالة النجاسات واجبة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.

وقال قوم: إزالتها سُنّة مؤكَّدة وليست بفرض.

وقال قوم: هي فرض مع الذِّكر، ساقطة مع النسيان، يعني: إذا كان الإنسان متذكِّرًا للنجاسة فعليه أن يزيلها. أمَّا أذا كان ناسيًا فقد ((رُفع عن أمّتي الخطأُ، والنِّسيان، وما استُكرِهوا عليه)). هذا معنى قوله: هي فرض مع الذِّكر، ساقطة مع النسيان. وكِلا هذيْن القوليْن عن مالك وأصحابه، وهما قولان مشهوران.

الباب الثاني: معرفة أنواع النجاسات:

في هذا الباب يتكلم ابن رشد عن معرفة أنواع النجاسات، ويبيِّن في هذه الأنواع أنواعًا اتفق عليها العلماء، وأنواعًا اختلف فيها العلماء. ويذكر تحت المسائل المُتّفق عليها أربعة أعيان، ويذكر تحت المسائل المختلف فيها سبْع مسائل.

ما اتّفق عليه الفقهاء من أنواع النجاسات:

أما أنواع النجاسات، فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة، هي:

  1. ميتة الحيوان الذي له دم، ذي الدم الذي ليس بمائي.
  2. لحم الخنزير، بأي سبب اتفق أن تذهب حياته.
  3. الدم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي، انفصل من الحي أو الميت، إذا كان هذا الدم مسفوحًا، أي: غزيرًا أو كثيرًا.
  4. بول ابن آدم، ورجيعه أي: البراز.

إذًا، هذه أربعة أعيان اتفق علماء المسلمين على نجاستها، وعلى وجوب التخلص منها.

المسألة الثانية: أجزاء الميتة:

يقول ابن رشد: وكما اختلفوا في أنواع الميتات -ميتة البر وميتة البحر وميتة ما له نفس سائلة أي: ما له دم، وميتة ما لا دم له، كل هذه أنواع ميتات- كذلك اختلفوا في أجزاء ما اتفقوا عليه أنه ميتة -هذه الأجزاء أجزاء الميتة، هل تكون طاهرة أو نجسة؟ وذلك أنهم اتفقوا على أنّ اللحم من أجزاء الميتة هو ميتة.

لكن ما حُكم العظام والشَّعر؟

اختلفوا في العظام والشَّعر:

فذهب الشافعي إلى: أنّ العظم والشَّعر من الميتة ميتة كاللحم، فيكون نجسًا ويكون حرامًا.

وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى: أن العظم والشَّعر ليسا بميتة.

وذهب مالك للفرق بين الشَّعر والعظم، فقال: إن العظم ميتة، وليس الشّعر ميتة؛ لذا فشعر الكلب والخنزير طاهران عند الإمام مالك في حال الحياة والموت.

المسألة الثالثة: جلود الميتة:

ينتقل بنا ابن رشد إلى المسألة الثالثة من المسائل المتعلقة بالميتة، من أنواع النجاسات المختلف فيها بين الفقهاء:

فيقول: اختلفوا أيضًا في الانتفاع بجلود الميتة:

فذهب قوم إلى: الانتفاع بجلودها مطلقًا، دُبغت أو لم تُدبغ.

وذهب قوم إلى خلاف هذا، وهو: أن لا ينتفع بها أصلًا وإن دُبغت. دُبغت: أي أزيلت من الجِلد القاذورات، والدماء، والفضلات.

وذهب قوم إلى: أنّ الفرْق بين أن تُدبغ وبين ألا تُدبغ، ورأوا أنّ الدّباغ مطهِّر لها؛ وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وعن مالك في ذلك روايتان:

الأولى: مثل قول الشافعي.

الثانية: أنّ الدّباغ لا يطهِّرها، ولكن تُستخدم في اليابسات وليس المائعات. يعني: لا نستعمل هذه الجلود في الأشياء السائلة، ولكن نستخدمها في الأشياء الجامدة اليابسة.

والذين ذهبوا إلى أنَّ الدباغ مطهِّر، اتفقوا على أنه مطهِّر لما تعمل فيه الذكاة من الحيوان؛ أي: أنه ليست كل الحيوانات يُؤخذ جِلدها ويُدبغ، ويُصبح بالدباغ طاهرًا، وإنما الحيوانات التي يُؤكل لحمها؛ أي: التي تُذكّى الذكاة الشرعية؛ ولذلك قال ابن رشد: “أعني المباح الأكل”.

واختلفوا فيما لا تعمل فيه الذكاة، فذهب الشافعي إلى: أنّ الدباغ مطهِّر لما تعمل فيه الذكاة فقط، وأنه بدل منها في إفادة الطهارة. أي: كما أن الذكاة تطهِّر الحيوان المذبوح، ويجوز أكلُه، فإنّ الدّباغ يُطهّر جِلد هذا الحيوان فنستفيد به. وذهب أبو حنيفة إلى تأثير الدباغ في جميع ميتات الحيوان، سواء كانت مأكولة أو غير مأكولة، ما عدا الخنزير. وقال داود: “تُطهِّر -يعني الدباغ- حتى جِلد الخنزير”.

فانظروا كم رأيًا في هذه المسألة:

الأول: الدّباغ يطهِّر جلود الحيوانات المأكولة التي ذُبحت ذبحًا شرعيًّا.

الثاني: الدّباغ يطهِّر جميع الحيوانات إلّا الخنزير.

الثالث: الدّباغ يطهر حتى جلْد الخنزير.

المسألة الرابعة: دم الحيوان:

يقول ابن رشد: اتفق الفقهاء على أن دم الحيوان البَري نجس، واختلفوا في دم السمك. وكذلك اختلفوا في الدم القليل من دم الحيوان غير البحري.

فقال قوم: دم السمك طاهر؛ وهو أحد قولي مالك، ومذهب الشافعي.

وقال قوم: هو نجِس؛ لأنه دم كسائر الدماء، فهو على أصل الدماء؛ وهو قول مالك في “المدوّنة”، وهو المعتمَد.

وكذلك قال قوم: إنّ قليل الدماء معفوّ عنه.

وقال قوم: بل القليل منها والكثير حُكمه واحد.

والأول –أي: قليل الدماء معفوّ عنه- هو قول الجمهور من العلماء – كما سنعلم في مسألة قادمة إن شاء الله.

ابن قدامة يعلّق على ما ذكره ابن رشد في هذه الجزئية حول اتفاق العلماء على أن دم الحيوان البَري نجس، واختلافهم في دم السمك، واختلافهم أيضًا في قليل الدم وكثيره، هل هو سواء؟ أو يُعفى عن قليله، ولا يُعفى عن الكثير؟

هذا الكلام فصّله ابن قدامة -رحمه الله-  بقوله تحت المسألة التي ذكرها الخرقي في قوله: “والقيء الفاحش، والدم الفاحش، والدود الفاحش يخرج من الجروح”:

المسألة الخامسة: البول:

ما الذي يكون بوْله نجسًا؟ وما الذي يكون بوله غيرَ نجس؟

يقول: اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم، ورجيعه -أي برازه- إلّا -يعني لم يستثنوا من الآدمي- إلّا بول الصبي الرضيع الذّكَر، أما الأنثى فيُغسل بولها؛ لأنه نجِس كالكبار.

واختلفوا فيما سوى الإنسان من الحيوانات:

فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها كلّها نجسة، أي أن جميع الأبوال نجسة، إلا زرق الطيور المأكولة، فهي طاهرة عند أبي حنيفة إذا كانت تزرق -أي: تخرج هذا الخارج- في الهواء.

وذهب قوم إلى طهارتها بإطلاق، يعني: طهارة جميع الأبوال، أعني: فضلتَي سائر الحيوان – البول والرجيع طاهران بإطلاق.

وقال قوم: أبوالها وأرواثها تابعة للحومها، فما كان منها لحومها محرّمة فأبوالها وأرواثها نجسة محرّمة أيضًا. وما كان منها لحومها مأكولة فأبوالها وأرواثها طاهرة، ما عدا التي تأكل النجاسة -الجلالة-، وما كان منها مكروهًا فأبوالها وأرواثها مكروهة -التي فيها خلاف بين العلماء- وبهذا قال مالك وأحمد، كما قال بذلك أبو حنيفة من قبل في الآسار – يعني ما تفضل من ماء شربها.

قبل أن نتبيّن سبب الاختلاف عند ابن رشد ننظر فيما أورده ابن قدامة في قضية البول.

المسألة السادسة: ما يُعفى عنه من النجاسات:

يقول ابن رشد في هذه المسألة: مسألة ما يُعفى عنه من النجسات:

اختلف الناس في قليل النجاسات على ثلاثة أقوال:

فرأى قوم: أن قليلها وكثيرها سواء، فإذا كان عندنا قليل من البول، وعندنا قليل من الدم، وعندنا قليل من العظم، أو قليل من الجلد، أو قليل من الشَّعر، أشياء مختلف على نجاستها، القليل منها، فقوم رأوْا قليلها وكثيرها سواء. الدم القليل مثل الدم الكثير، والبول القليل مثل البول الكثير في النجاسة. وممن قال بهذا القول: الشافعي، إلّا الدم الذي يتعذّر على الإنسان الاحتراز منه، كدم البثرات -الحبوب الصغيرة في الجِلد- ودم البراغيث -أثناء النوم- وما يخرج من الذباب، وطين الشارع النجس، فهذه كلها أشياء لا يمكن الاحتراز عنها، أو ممّا عمت به البلوى، فيكون قليل النجاسة وكثيرها سواء، إلا هذه الأمور التي لا يمكن الاحتراز عنها، عند الشافعي.

وقوم رأوْا: أنّ قليل النجاسات معفو عنه، أما الكثير فليس معفوًّا عنه. وحدوا القليل بقدْر الدرهم البغلي -والدرهم البغلي نسبة إلى ملك في الجاهلية يقال له: رأس البغل- فالإمام أبو حنيفة وأصحابه قالوا: بأنّ ما كان من النجاسات -كالدم- بقدر الدرهم البغلي فهو معفوّ عنه.

وشذَّ محمد بن الحسن -وهو من أصحاب أبي حنيفة- فقال: إن كانت النجاسة ربع الثوب فما دونه جازت به الصلاة. ربع الثوب، طبعًا هذه مبالغة تستحق أن يقول عنها ابن رشد: إنها شاذة. “شذ محمد بن الحسن”؛ لأن أحدًا من الفقهاء لم يقل بذلك.

قال فريق ثالث من الفقهاء: قليل النجاسات وكثيرها سواء، إلّا الدم على ما تقدم عند أبي حنيفة وغيره، وهو مذهب مالك.

وعن الإمام مالك في دم الحيض روايتان: الأشهر منهما: مساواته لسائر الدماء، أي: في النجاسة.

المسألة السابعة: المنيّ:

والمنيّ هو ما يخرج من الرجل أو المرأة نتيجة الشهوة الشديدة، ويكون عن طريق القذف. وهذا المني هو الذي يتخلّق منه المولود بإذن الله تعالى، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 36-40]، بلى! إنه قادر سبحانه وتعالى.

يقول ابن رشد: اختلفوا في المني هل هو نجس، أم لا؟

فذهبت طائفة منهم: مالك وأبو حنيفة إلى أنه نجس؛ لأنه خارج من المحلّ الذي يخرج منه البول والنجاسات الأخرى.

وذهبت طائفة إلى أنه طاهر؛ لأنه أصل الإنسان، والإنسان أكرَم خلْق الله سبحانه. وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وداود. وطبعًا كلام الشافعي يقصد به مني الآدمي فقط، وليس سائر أنواع المني من سائر الحيوانات.

error: النص محمي !!