Top
Image Alt

النجاسات المختلف فيها: كميتة الحيوان الذي لا دم له، جلود الميتة، دم الحيوان، البول والمني، وما يعفى عنه من النجاسات

  /  النجاسات المختلف فيها: كميتة الحيوان الذي لا دم له، جلود الميتة، دم الحيوان، البول والمني، وما يعفى عنه من النجاسات

النجاسات المختلف فيها: كميتة الحيوان الذي لا دم له، جلود الميتة، دم الحيوان، البول والمني، وما يعفى عنه من النجاسات

بعد هذا البيان لما اتفق عليه العلماء من أنواع النجاسات نأتي إلى سبْع مسائل اختلف الفقهاء حول نجاستها.

المسألة الأولى: ميْتة الحيوان الذي لا دم له:

يقول ابن رشد -رحمه الله- : “اختلفوا في ميتة الحيوان الذي لا دم له، وفي ميتة الحيوان البحري.

فذهب قوم إلى: أن ميتة ما لا دم له طاهرة، وكذلك ميتة البحر؛ وهو مذهب مالك وأصحابه.

وذهب قوم إلى: أنه يجب التسوية بين ميتة ذوات الدم والتي لا دم لها، في النجاسة؛ فالجميع متساوٍ في النجاسة. واستثنوا من ذلك ميتة البحر. وهذا مذهب الشافعي وأحمد، إلا ما وقع الاتفاق على أنه ليس بميتة، مثل دود الخل، وما يتولّد في المطعومات.

وسوّى قوم بين ميتة البَر والبحر، واستثنوا ميتة ما لا دم له؛ وهو مذهب أبي حنيفة.

ويعلّق ابن قدامة -رحمه الله- على ذلك فيقول: إن النفس التي ذكرها الخرقي: إذا مات في الماء اليسير ما ليس له نفس سائلة، مثل: الذباب، والعقرب، والخنفساء، وما أشبه ذلك، فلا ينجسه. يقول ابن قدامة: النفس هاهنا: الدم، يعني: ما ليس له دم سائل. والعرب تسمّي الدم “نفْسًا”. والنفس يعني: الدم، ومنه قيل للمرأة “نُفَساء” لسيلان دمها عند الولادة. وتقول العرب: نفست المرأة أي: حاضت، ونفست من النفاس، نفاس الولادة.

وكلّ ما ليس له دم سائل كالذي ذكَره الخرقي من الحيوان البري، أو حيوان البحر منه العلق، والديدان، والسرطان، ونحوها، لا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء إذا مات فيه، في قول عامة الفقهاء. قال ابن المنذر: لا أعلم في ذلك خلافًا، إلا ما كان من أحد قولي الشافعي. قال: فيها قولان:

أحدهما: ينجس قليل الماء، قال بعض أصحابه وهو: القياس.

الثاني: لا ينجس، وهو الأصلح للناس.

فأما الحيوان في نفسه فهو عنده نجس، قولًا واحدًا؛ لأنه حيوان لا يؤكل لحرمته، فينجس بالموت كالبغل والحمار.

يردّ ابن قدامة على وجهة نظر الشافعي، فيقول: ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الذباب في إناء أحدِكم فلْيمقُلْه» يعني: يغمسه في الطعام الذي وقع فيه «فإن في أحد جناحيْه داء، وفي الآخر شفاء».

يقول بعض العلماء: هذا الحديث يشكّل معجزة من معجزات النبيصلى الله عليه وسلم؛ لأنه ثبت طبيًّا أن للذباب غدّتيْن إحداهما تفرز سمومًا، والأخرى تفرز دواءً لهذه السموم، فإذا غَمس الإنسان الذباب نزل الشفاء من الغدّة الأخرى؛ لأنه أوّل ما ينزل يضع الداء، فإذا غُمس نزل الدواء.

ويقول الشافعي: “مقْله: ليس بقتْله”. فالمقْل ليس قتله، وإنما الغمس ثم الإخراج، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسلمان: «يا سلمان، أيّما طعام أو شراب ماتت فيه دابة، ليست لها نفس سائلة، فهو الحلال أكْله وشُربه ووضوؤه» وهذا صريح، أخرجه الترمذي، والدارقطني.

ولأن ما لا نفس له سائلة لم يتولد من النجاسة، فأشبه دود الخلّ إذا مات فيه، فإنهم سلّموا ذلك ونحوه، أنه لا يُنَجّس المائع الذي تولّد منه، إلّا أن يؤخذ ثم يُطرح فيه، أو يشقّ الاحتراز منه، أشبه ما ذكرناه. فإذا ثبت أنه لا ينجس لزم ألَّا يكون نجسًا؛ لأنه لو كان نجسًا لنجس كسائر النجاسات.

يذكر ابن رشد -رحمه الله- أسباب الاختلاف في ميتة ما لا نفس له سائلة، أي: الحيوان الذي لا دم له؛ حيث يقول:

“سبب اختلافهم هو: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } [المائدة: 3]، ذلك أنهم -فيما أحسب- اتفقوا أنه من باب العام أريد به الخاص؛ أي { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } لفظ عام، ليس مقصودًا به كل أنواع الميتة، ولكن أريد به ميتة خاصة. واختلفوا أيّ خاص أريد به؛ فمنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر، وما لا دم له ومنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر فقط، ومنهم من استثنى من ذلك ميتة ما لا دم له فقط.

ويعلّل ابن رشد لهذه الاستثناءات بقوله: أما من استثنى من ذلك ما لا دم له فحُجّته مفهوم الأثر الثابت عنه صلى الله عليه وسلم مِن أمْره بمقْل الذباب –أي: غمسه- إذا وقع في الطعام. قالوا: فهذا يدلّ على طهارة الذباب، وليس لذلك علّة إلا أنه ليس له دم. يعني: ليست له نفسٌ سائلة، فيكون هذا الاستثناء سببه الحديث بمقْل الذباب.

وأمّا الشافعي، فعنده أن هذا خاص بالذباب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإنّ في إحدى جناحيْه داء، وفي الأخرى دواء»، ووهّن الشافعي هذا المفهوم من الحديث، بأنّ ظاهر الكتاب يقتضي أنّ الميتة والدم نوعان مختلفان من أنواع المحرّمات؛ لأنّ بقية الآية: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } [المائدة: 3]: أحدهما تعمل فيه التذكية -أي: الذبح، وهي الميتة- وذلك في الحيوان المباح الأكل باتّفاق، والدم لا تعمل فيه التذكية؛ فحكمهما مفترق، فكيف يجوز أن يجمع بينهما، حتى يقال إن الدم هو سبب تحريم الميتة، فلو كان الدم هو السبب في تحريم الميتة لما كانت ترتفع الحرمة عن الحيوان بالذكاة الشرعية، وتبقى حرمة الدم الذي لم ينفصل بعد عن المذكاة.

أي: أننا حين نذبح حيوانًا من الحيوانات التي يباح أكلها يسيل دمها، لكن يبقى في جسم الذبيحة بعض الدماء، فلو كان علّة تحريم الميتة هو بقاء الدم فيها لكانت أيضًا المذكاة فيها الدم، وكانت الحلِّيّة إنما توجد بعد انفصال الدم عنه؛ لأنه إذا ارتفع السبب ارتفع المسبّب الذي يقتضيه ضرورة.

أمّا من استثنى من هذه الآية ميتة البحر فإنه ذهب إلى الأثر الثابت في ذلك من حديث جابر عند الشيخيْن؛ وفيه: أنهم -أي الصحابة- أكلوا من الحوت الذي رماه البحر أيامًا، وتزوّدوا منه -أي حملوا منه إلى بيوتهم- وأنهم أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحسن فعْلهم، وسألهم: «هل بقي منه شيء؟».

فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يأكل منه، وهو دليل على أنه لم يجوّز لهم لمكان ضرورة خروج الزاد عنهم. واحتجوا أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحلّ ميْتته» رواه أصحاب “السنن”، وصححه ابن خزيمة، والترمذي، وقد تقدم فيما مضى.

وأمّا أبو حنيفة، فرجّح عموم الآية: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ }، فهذا العموم مرجّح عند أبي حنيفة على أثَر جابر، أو أثر غيره؛ إمّا لأن الآية مقطوع بها والأثر مظنون، وإمّا لأنه رأى أنّ ذلك رخصة للصحابة في حكاية الحوت، وحديث جابر، فتكون رخصة مؤقتة، أو لأنه احتمل عنده أن يكون الحوت مات بسبب، وهو رمي البحر به إلى الساحل؛ لأن الميتة هو ما مات من تلقاء نفسه من غير سبب خارج.

ولاختلافهم في هذا أيضًا سبب آخر وهو احتمال عودة الضمير في قوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ } [المائدة: 96] السيارة يعني: المسافرين.

أعني: أن يعود الضمير { وَطَعَامُهُ } على البحر، أو يعود على الصيد نفسه: هذا احتمال. فمن أعاده على البحر قال: طعامه هو الطافي. ومَن أعاده على الصيد قال: هو الذي أُحِلّ فقط من صيد البحر، مع أن الكوفيين -أي أصحاب أبي حنيفة- تمسّكوا في ذلك بأثر ورد فيه تحريم الطافي من السمك، وهو عندهم ضعيف.

تلك كانت المسألة الأولى من المسائل التي اختلف الفقهاء فيها حول ميتة ما لا دم له؛ هل هي نجسة كما يقول البعض؟ أو ليست نجسة كما يقول البعض؟ وقد عرفنا أسباب الاختلاف في ذلك.

المسألة الثانية: أجزاء الميتة:

ما حُكم العظام والشَّعر؟ اختلفوا في العظام والشَّعر:

فذهب الشافعي إلى: أنّ العظم والشَّعر من الميتة ميتة كاللحم، فيكون نجسًا ويكون حرامًا.

وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى: أن العظم والشَّعر ليسا بميتة.

وذهب مالك للفرق بين الشَّعر والعظم، فقال: إن العظم ميتة، وليس الشّعر ميتة؛ لذا فشعر الكلب والخنزير طاهران عند الإمام مالك في حال الحياة والموت.

سبب اختلاف الفقهاء في ذلك: هو اختلافهم فيما يطلق عليه اسم الحياة من أفعال الأعضاء. فمن رأى أنّ النمو والتغذي هو من أفعال الحياة، قال: إن الشعر والعظام إذا فقدت النمو والتغذي فهي ميتة. ومن رأى أنه لا يطلق اسم الحياة إلّا على الحسّ، قال: إن الشعر والعظام ليست بميتة، لأنها لا حسّ لها. ومن فرّق بينهما أوجب للعظام الحسّ، ولم يوجب ذلك للشَّعر.

وفي حسّ العظام اختلاف، والأمر مختلف فيه بين الأطباء. وممّا يدل على أن التغذي والنمو ليسا هما الحياة التي يطلق على عدمها اسم الميتة: أن الجميع قد اتفقوا على أنّ ما قُطع من البهيمة وهي حية- أنه ميتة، لِورود ذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو ميْتة».

واتفقوا على أنّ الشَّعر إذا قُطع من الحي أنه طاهر، ولو أطلق اسم الميتة على من فقد التغذي والنمو لقيل في النبات المقلوع إنه ميتة؛ لأن النبات يتغذّى ويحسّ، وذلك أن النبات فيه التغذي والنمو.

المسألة الثالثة: جلود الميتة:

يقول ابن رشد: اختلفوا أيضًا في الانتفاع بجلود الميتة:

فذهب قوم إلى: الانتفاع بجلودها مطلقًا، دُبغت أو لم تُدبغ.

وذهب قوم إلى خلاف هذا، وهو: ألَّا ينتفع بها أصلًا وإن دُبغت. ودُبغت: أي أزيلت من الجِلد القاذورات، والدماء، والفضلات.

وذهب قوم إلى: أنّ الدّباغ مطهِّر لها؛ وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: مثل قول الشافعي، والثاني هو أنّ الدّباغ لا يطهِّرها، ولكن تُستخدم في اليابسات وليس المائعات. يعني: لا نستعمل هذه الجلود في الأشياء السائلة، ولكن نستخدمها في الأشياء الجامدة اليابسة.

فمن ذهب إلى أنَّ الدباغ مطهِّر، اتفق على أنه مطهِّر لما تعمل فيه الذكاة من الحيوان؛ أي: أنه ليست كل الحيوانات يُؤخذ جِلدها ويُدبغ، ويُصبح بالدباغ طاهرًا، وإنما الحيوانات التي يُؤكل لحمها؛ أي: التي تُذكّى الذكاة الشرعية؛ ولذلك قال ابن رشد: “أعني المباح الأكل”.

واختلفوا فيما لا تعمل فيه الذكاة، فذهب الشافعي إلى: أنّ الدباغ مطهِّر لما تعمل فيه الذكاة فقط، وأنه بدل منها في إفادة الطهارة. أي: كما أن الذكاة تطهِّر الحيوان المذبوح، ويجوز أكلُه، فإنّ الدّباغ يُطهّر جِلد هذا الحيوان فنستفيد به. وذهب أبو حنيفة إلى تأثير الدباغ في جميع ميتات الحيوان؛ سواء أكانت مأكولة أم غير مأكولة، ما عدا الخنزير. وقال داود: “تُطهِّر -يعني الدباغ- حتى جِلد الخنزير”.

فانظروا كم رأيًا في هذه المسألة:

1- الدّباغ يطهِّر جلود الحيوانات المأكولة التي ذُبحت ذبحًا شرعيًّا.

2- الدّباغ يطهِّر جميع الحيوانات إلّا الخنزير.

3- الدّباغ يطهر حتى جلْد الخنزير.

سبب اختلاف الفقهاء في أجزاء الميتة:

يقول ابن رشد: سبب اختلافهم هو تعارض الآثار في ذلك؛ وذلك أنه ورد في حديث ميمونة إباحة الانتفاع بالجلود -جلود الميتات وهي جزء من الميتة- مطلقًا، وذلك أن في ذلك الحديث أنه صلى الله عليه وسلم مرّ بميتة، فقال صلى الله عليه وسلم: «هلاّ انتفعتم بجِلدها!».

وفي حديث ابن عكيم: منع الانتفاع بها مطلقًا، وقد رواه أصحاب “السنن”، وصحّحه ابن حبان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب: «ألّا تنتفعوا من الميْتة بإهاب ولا عصب»، قال ذلك قبل موته بعام.

وفي بعضها: الأمر بالانتفاع بها بعد الدّباغ، والمنع قبل الدّباغ. والثابت بهذا الباب هو: حديث ابن عباس الذي رواه مسلم وأصحاب “السنن” أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دُبغ الإهاب» أي: الجِلد «فقد طَهُر».

المسألة الرابعة: دم الحيوان:

يقول ابن رشد: اتفق الفقهاء على أن دم الحيوان البَري نجس، واختلفوا في دم السمك. وكذلك اختلفوا في الدم القليل من دم الحيوان غير البحري.

فقال قوم: دم السمك طاهر؛ وهو أحد قولي مالك، ومذهب الشافعي.

وقال قوم: هو نجِس؛ لأنه دم كسائر الدماء، فهو على أصل الدماء؛ وهو قول مالك في “المدوّنة”، وهو المعتمَد.

وكذلك قال قوم: إنّ قليل الدماء معفوّ عنه.

وقال قوم: بل القليل منها والكثير حُكمه واحد.

الراجح: أن قليل الدماء معفوّ عنه، وهو قول جمهور العلماء.

يفصل ابن قدامة -رحمه الله-  بقوله تحت المسألة التي ذكرها الخرقي في قوله: “والقيء الفاحش، والدم الفاحش، والدود الفاحش يخرج من الجروح”:

كان مالك، وربيعة، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، لا يوجبون منه وضوءًا. وقال مكحول: لا وضوء إلّا فيما خرج من قُبُل أو دُبر.

ثم يقول -وهذا هو محلّ الشاهد-: وإنما ينتقض الوضوء بالكثير من ذلك، دون اليسير -فكأن ابن قدامة يفرّق بين كثير الدم وقليله.

وقال أبو حنيفة: إذا سال الدم ففيه الوضوء، وإن وقف على رأس الجرح لم يجب؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من قاء أو رعف في صلاته» الرّعاف يعني: خروج الدم من الأنف «فلْيتوضّأْ».

ولنا ما رويناه عن الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفًا: أنّ القليل منه لا ينقض. وقد روى الدارقطني بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «ليس الوضوء مِن القطرة، والقطرتيْن»، وحديثهم لا تُعرف صحته.

ثم يقول ابن قدامة: والقلس كالدم، ينقض الوضوء منه ما فحش.

يقول ابن رشد في سبب اختلاف العلماء في دم السمك:

هو اختلافهم في ميْتته -أي: هل ميتة السمك نجسة وحرام؟ أم ميتة السمك حلال أكْلها؟- فمَن جعَل ميتتَه داخلة تحت عموم التحريم {ﭑ ﭒ ﭓ} جعَل دمَه كذلك. ومَن أخرج ميتتَه أخرج دمَه قياسًا على الميتة. وفي ذلك أثر ضعيف أخرجه أحمد، وابن ماجه.

وأما اختلافهم في كثير الدم وقليله، فسببه: اختلافهم في القضاء بالمقيّد على المطلَق. -يعني: نَحْمِل المطلَق على المقيّد أو لا نحمِله؟- أو بالمطلَق على المقيّد، وذلك أنه ورد تحريم الدم مطلقًا: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ }، وورد مقيّدًا في آية أخرى في قوله تعالى: { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا } [الأنعام: 145]، فوُصف بالغزارة والكثرة -فالمسفوح أي الغزير والسائل الكثير- فهل يُحمل المطلق في الآية الأولى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ } على الآية الثانية ويشترط في الدم أن يكون مسفوحًا؟ أم لا يُحمل؟

فمَن قضى بالمقيّد على المطلَق -وهم الجمهور- قال: المسفوح هو النّجس المحرَّم فقط، ومَن قضى بالمُطلق على المقيّد لأن فيه زيادة قال: المسفوح وهو الكثير، وغير المسفوح وهو القليل، كل ذلك حرام. وأيّد هذا بأنّ كلّ ما هو نجس لعيْنه فلا يتبعّض؛ أي: أنّ جنس الدم محرّم، فيستوي فيه القليل والكثير، ولا يتبعّض.

المسألة الخامسة: البول:

ما الذي يكون بوْله نجسًا؟ وما الذي يكون بوله غيرَ نجس؟

يقول ابن رشد: “اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم، ورجيعه -أي برازه- إلّا -يعني لم يستثنوا من الآدمي- إلّا بول الصبي الرضيع الذّكَر، أما الأنثى فيُغسل بولها؛ لأنه نجِس كالكبار”.

واختلفوا فيما سوى الإنسان من الحيوانات:

فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها كلّها نجسة، أي أن جميع الأبوال نجسة، إلا زرق الطيور المأكولة، فهي طاهرة عند أبي حنيفة إذا كانت تزرق -أي: تخرج هذا الخارج- في الهواء.

وذهب قوم إلى طهارتها بإطلاق، يعني: طهارة جميع الأبوال، أعني: فضلتَي سائر الحيوان – البول والرجيع طاهران بإطلاق.

وقال قوم: أبوالها وأرواثها تابعة للحومها، فما كان منها لحومها محرّمة فأبوالها وأرواثها نجسة محرّمة أيضًا. وما كان منها لحومها مأكولة فأبوالها وأرواثها طاهرة، ما عدا التي تأكل النجاسة -الجلالة- وما كان منها مكروهًا فأبوالها وأرواثها مكروهة -التي فيها خلاف بين العلماء- وبهذا قال مالك وأحمد، كما قال بذلك أبو حنيفة من قبل في الآسار – يعني ما تفضل من ماء شربها.

المسألة السادسة: ما يُعفى عنه من النجاسات:

يقول ابن رشد: اختلف الناس في قليل النجاسات على ثلاثة أقوال:

فرأى قوم: أن قليلها وكثيرها سواء، وقال بهذا: الشافعي، إلّا الدم الذي يتعذّر على الإنسان الاحتراز منه، كدم البثرات -الحبوب الصغيرة في الجِلد- ودم البراغيث -أثناء النوم- وما يخرج من الذباب، وطين الشارع النجس، فهذه كلها أشياء لا يمكن الاحتراز عنها، أو ممّا عمت به البلوى، فيكون قليل النجاسة وكثيرها سواء، إلا هذه الأمور التي لا يمكن الاحتراز عنها، عند الشافعي.

وقوم رأوْا: أنّ قليل النجاسات معفو عنه، أما الكثير فليس معفوًّا عنه. وحدوا القليل بقدْر الدرهم البغلي -نسبة إلى ملك في الجاهلية- وأصحاب هذا الرأي هم الإمام أبو حنيفة وأصحابه.

قال فريق ثالث من الفقهاء: قليل النجاسات وكثيرها سواء، إلّا الدم على ما تقدم عند أبي حنيفة وغيره، وهو مذهب مالك.

وعن الإمام مالك في دم الحيض روايتان: الأشهر منهما: مساواته لسائر الدماء، أي: في النجاسة.

سبب اختلاف الفقهاء في مسألة ما يُعفى عنه من النجاسات:

يقول عنها ابن رشد: اختلافهم في قياس قليل النجاسة على الرخصة الواردة في الاستجمار.

ما معنى الرخصة الواردة في الاستجمار؟

إن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ذهب أحدُكم إلى الغائط فلْيستطِبْ بثلاثة أحجار، فإنها تُجزي عنه»-أي: يمسح موضع خروج الحاجة من الدّبر بثلاثة أحجار، وهذا المسح يُجزئ عنه، مع أن الأحجار كما نعلم لا تنظّف المكان ولا تطهّره. والنبي صلى الله عليه وسلم سمّى ذلك استطابة، وحَكم بطهارة هذا الجزء.

ولذلك قاس عليه بعض الفقهاء القليل من النجاسة على هذه الرخصة الواردة في الاستجمار، للعلْم بأن النجاسة هناك باقية. فمن أجاز القياس على ذلك استجاز أيضًا قليل النجاسة. يعني: كما أن النجاسة القليلة في الاستجمار معفوّ عنها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم فإن قليل النجاسة في الثوب، أو في المكان، أو البدن، يكون أيضًا معفوًّا عنه؛ ولذلك حدّوه بالدرهم، قياسًا على قدْر المخرج -ومخرج الغائط هو الدّبر- والدّرهم البغلي نحو ذلك.

ومَن رأى أن تلك رخصة، والرخص لا يُقاس عليها -يعني: رخصة الاستجمار هذه خاصة بالاستجمار؛ لأن مثلًا لا يمكن التحرز منه، أو تكون مشقة على الإنسان أن يجد الماء في مثل ذلك المكان أو نحو ذلك، خصوصًا في البيئات السابقة-. قال: فمن رأى أن تلك رخصة، والرخص لا يقاس عليها، منع ذلك.

المسألة السابعة: المنيّ:

والمنيّ -كما نعلم- هو ما يخرج من الرجل أو المرأة نتيجة الشهوة الشديدة، ويكون عن طريق القذف. وهذا المني هو الذي يتخلّق منه المولود بإذن الله تعالى، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 36-40]، بلى! إنه قادر سبحانه وتعالى.

يقول ابن رشد: اختلفوا في المني هل هو نجس، أم لا؟

فذهبت طائفة منهم: مالك وأبو حنيفة إلى أنه نجس؛ لأنه خارج من المحلّ الذي يخرج منه البول والنجاسات الأخرى.

وذهبت طائفة إلى أنه طاهر؛ لأنه أصل الإنسان، والإنسان أكرَم خلْق الله سبحانه. وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وداود.

وطبعًا كلام الشافعي يقصد به مني الآدمي فقط، وليس سائر أنواع المني من سائر الحيوانات.

سبب اختلاف الفقهاء، كما يشير إلى ذلك ابن رشد، شيئان:

الأول: اضطراب الرواية في حديث عائشة الذي رواه الشيخان؛ وذلك أنّ في بعض روايات هذا الحديث: «كنتُ أغسل ثوبَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن المنيِّ، فيخرج إلى الصلاة، وإن فيه لبقع الماء»، معنى أنها تغسله: أنه نجس، وأنها تطهّره بالغسل بالماء، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم ليخرج إلى الصلاة وفي ثوبه بقع الماء.

وفي بعض روايات حديث عائشة تقول: «كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ومعنى الفرك: أنها لم تغسله، فمعنى ذلك: أنه ليس نجسًا؛ إذ لو كان نجسًا لغسلتْه. وفي بعضها: «أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلّي فيه»، خرّج هذه الزيادة: الإمام مسلم، وأبو داود. هذا سبب: اضطراب الروايات في حديث عائشة.

الثاني: لاختلاف الفقهاء في المنيِّ، هل هو طاهر أم غير طاهر؟

تردّد المني بين أن يُشبّه بالأحداث الخارجة من البدن، فيقال: إن المني مثل البول أو مثل البراز؛ لأنه خارج من الفرْج، أو يُشبّه بخروج الفضلات الطاهرة، كاللبن الذي يخرج من المرأة في حالة الرضاعة، أو ألبان الحيوانات التي نأكلها. فهل يُشبّه المني بالأحداث الخارجة من البدن فيكون نجسًا، أم يُشبّه بخروج الفضلات الطاهرة كاللبن وغيره؟

فمَن جمَع الأحاديث كلّها بأن حَمل الغُسْل -غسل المني كما جاء في بعض روايات حديث السيدة عائشة- على باب النظافة، واستدلّ من الفرْك -فرْك المني في الرواية الأخرى- على الطهارة، على أصله في أنّ الفرك لا يطهّر النجاسة، إنما يكون دليلًا على أنّ المنيّ المفروك ليس نجسًا، وقاسه على اللبن وغيره من الفضلات الشريفة، لم يرَ المني نجسًا.

أما الطريقة الثانية: طريقة الترجيح -أي: العمل ببعض الأحاديث، وتضعيف البعض الآخر، أو ترجيح بعض الروايات على الروايات الأخرى- فمَن رجَّح حديث الغسل على حديث الفرْك، وفهِم منه النجاسة، كان عنده أشبه بالأحداث -مع أنه ليس بحدث- قال: إنه نجس. وكذلك أيضًا من اعتقد أنّ النجاسة تزول بالفرك، قال: الفرك يدل على نجاسته كما يدلّ الغسل عليها؛ وهو مذهب أبي حنيفة.

وعلى هذا، فلا حُجَّة لأولئك في قول السيدة عائشة رضي الله عنها: «فيصلِّي فيه»، بل فيه حُجَّة لأبي حنيفة في أنّ النجاسة تُزال بغير الماء، وهو خلاف قول المالكية.

error: النص محمي !!