Top
Image Alt

النحل والانتحال والوضع

  /  النحل والانتحال والوضع

النحل والانتحال والوضع

والانتحال والنحل المقصود بهما: الوضع ونسبة الكلام إلى غير قائله.

والباحثون الذين يدرسون في تاريخ الشعر العربي يدرسون هذه القضية؛ لأن الشعر الجاهلي وصلنا عن طريق الرواية، والرواية يحدث فيها نسيانٌ وخلطٌ واضطراب، وأمر الوضع إذًا محتمل.

وقد تنبه القدماء أو نبهوا إلى هذه القضية وحكم بعضهم على بعض الشعر الذي نسب إلى شعراء الجاهلية بأنه مصنوعٌ، أو موضوعٌ، أو منتحلٌ، أو مكذوبٌ، لا تصح نسبته إلى من نُسب إليهم من الجاهليين، وكان محمد بن سلام الجُمحي المتوفى سنة مائتين وواحد وثلاثين من الهجرة أبرز من تناول هذه القضية، وقال فيها قولًا حاسمًا وشافيًا في كتابه (طبقات فحول الشعراء)، ومجمل رأيه في هذه القضية أن ما نُسب إلى الجاهليين من الشعراء ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قسم اتفق العلماء بالشعر والرواة الثقات على صحة نسبته إلى قائله. وهذا القسم لا يصح لأحدٍ أن يخالف فيه، أو يزعم أنه موضوعٌ أو مكذوبٌ أو منتحلٌ.

إذًا هناك قسمٌ الرواة الثقات، والعلماء الأثبات والنقاد أصحاب البصر بالشعر وبالرواية وثقوا نسبته إلى الجاهليين، وأكدوا أنه لا شيء فيه من الوضع أو الانتحال، وهذا القسم الصحيح لا يجوز لأحد أن يشكك فيه.

القسم الثاني: قسم ثانٍ، أبطله أهل العلم بالشعر والمحققون من الرواة وذوو البصر من النقاد وحكموا عليه بالكذب والوضع، وهذا القسم قد نقله قوم من كتاب إلى كتاب بعد التدوين، ولم يأخذوه عن أهل العلم بالشعر من الأعراب الفصحاء أو الرواة الثقات، وهذا القسم في رأي ابن سلَّام مرفوضٌ متروكٌ؛ لأنه مكذوبٌ موضوعٌ منتحلٌ.

القسم الثالث: في رأي ابن سلَّام هو: ما وقع فيه اختلاف، فنسبه بعض العلماء الأثبات لقبيلة أو لشاعر، ونسبه آخرون لقبيلة أخرى أو لشاعر آخر. وهذا القسم المختلَف فيه يحتاج إلى بحث ونظر وتدقيق وتحقيق؛ لتصحيح نسبته إلى قائله.

والشعر الذي رفضه ابن سلَّام وأكَّد أنه مكذوب موضوع ولا تصح نسبته إلى الجاهليين يتمثل فيما رواه بعض أصحاب السير والقصص في كتبهم، ولم يكونوا من أهل العلم بالشعر، مثل محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة الذي ضمّن كتابه شعرًا باللغة العربية على ألسنة قوم لم يقولوا الشعر قط، بل جاوز ذلك وأورد أشعار منسوبة إلى قبائل عربية بادت كعادٍ وثمود، وهذا بالتأكيد لا يقبله عقل؛ لأن الذين بادوا أخبرنا القرآن بأنهم لم تبقَ منهم باقية، لا يمكن أن تكون الرواية احتفظت بأشعار لهم.

وقد اعتمد ابن سلَّام في إنكار ما رواه ابن إسحاق من الشعر المصنوع المكذوب على ثلاث حجج: هي أن ابن إسحاق لم يكن له علم بالشعر، وأنه كان يعتذر بذلك ويقول: لا علم لي بالشعر وإنما أوتى به فأحمله.

والفرق بين ابن إسحاق وابن سلَّام أن الأول من الرواة النقلة الذين يؤتون بالأخبار والأشعار فيروونها دون تثبّت ودون تحرٍّ ودون نقدٍ، أما ابن سلَّام فهو من الرواة النقدة الذين يحققون الأخبار قبل روايتها ولا يروون الأشعار التي ظهر كذبها وبان بطلانها، ثم أن هذا الشعر الذي أورده ابن إسحاق لا يستحق وصف الشعر، وإنما هو كلام مؤلّف معقود بقوافٍ ليس فيه عاطفة وليس فيه تصوير، فليس جديرًا بأن يدخل في باب الشعر.

ثم إن هؤلاء القوم الذين نسب إليهم ابن إسحاق شعرًا -مثل عاد وثمود- موغلون في القدم، قد قطع الله دابرهم فما أبقى منهم أحدًا، وهكذا كانت الحجج التي بنى ابن سلَّام عليها رفضه لهذا الشعر حججًا قوية مقبولة للعقل المنصف.

ومن الشعر الموضوع الذي رفضه ابن سلَّام كذلك ما زادته بعض القبائل في أشعار شعرائها، فحين فتحت البلاد بالإسلام واطمأن العرب في الأمصار؛ بدأت القبائل تراجع رواية أشعارها وأخبارها وأيامها ووقائعها، فاستقلت بعض القبائل أشعارها وأيامها فزادت شعرًا ونسبته كذبًا إلى شعرائها الأقدمين، وبذلك دخل في الشعر الجاهلي ما ليس منه.

ومن الشعر الموضوع المنتحل عند ابن سلَّام كذلك ما زاده بعض الرواة في أشعار بعض الشعراء، وبخاصة الشعراء القدماء الذين لهم شهرة واسعة في الشعر، بينما الذي تبقى من أشعارهم قليل، ومن هؤلاء الشعراء: طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وقد قال فيهما ابن سلَّام: “وإن كان ما يُروى من الغثاء لهما فليس يستحقان مكانهما على أفواه الرواة”، ثم قال: “فلما قلَّ كلامهما حمل عليهما حمل كثير”.

ومن أبرز الرواة الذين اتهموا بالوضع والكذب: حمَّاد الراوية.

فهذا البيان من ابن سلَّام يبين أن الشعر الجاهلي فيه قسم صحيح من لا سبيل إلى الشك فيه، وفيه قسمٌ مكذوبٌ موضوعٌ لا يمكن تصديق نسبته إلى أصحابه، وفيه قسم يحتاج إلى بيان وإلى بحث وتمحيص وتدقيق، وبنى ابن سلَّام رأيه فيما رفضه من الشعر الجاهلي على حجج قوية وبيَّن أسباب الوضع الذي جعلت من وضعه يضعه، وبين ابن سلَّام أن حل مشكلة الشعر الموضوع المنتحل المكذوب هو الرجوع إلى أهل العلم بالشعر وإلى الرواة الثقات؛ فما أقرّوه فهو الصحيح وما حكموا بزيفه وكذبه فهو زائفٌ مكذوبٌ غير مقبول.

error: النص محمي !!