Top
Image Alt

النسب النبوي الشريف

  /  النسب النبوي الشريف

النسب النبوي الشريف

ولد سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم بِشِعِبِ بني هاشم بمكة صبيحة يوم الاثنين، التاسع من شهر ربيع الأول، لأولِ عامٍ من حادثة الفيل، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنو شروان، يوافق ذلك العشرين أو الثاني والعشرين من شهر إبريل، سنة إحدى وسبعين وخمسمائة من الميلاد، وهذا حسب ما حققه العالم محمد بن سليمان المنصورفوري، والمحقق الفلكي محمود باشا، على اختلاف بينهم في تعيين تاريخ إبريل، وهذا فرع عن الاختلاف في التقويمات الميلادية.

روى ابن سعد: أن أمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لمَّا ولدْتُهُ خرج من فرجي نورٌ، أضاءت له قصور الشام. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث العرباض بن سارية ما يقارب هذا المعنى.

نسبه:

وفي مبتدأ ذكر النسب الشريف: نُذَكِّرُ أن نبينا صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، ونذكر أنه صلى الله عليه وسلم خيارٌ من خيارٍ من خيار، ورسولنا صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.

أمه آمنة بنت وهب:

وأمه صلى الله عليه وسلم تلتقي مع أبيه في كُلاب، فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فنسبه عند الأب والأم يلتقيان في كلاب، وكلابٌ هذا هو ابن مُرة بن كعب بن لؤي، بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مضر بن عدنان. ونسبه صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه وأمه مُجْمَعٌ عليه إلى عدنان، وما فوق عدنان وقع فيه الخلاف، والكل يتفق على أن نبينا صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل بن إبراهيم -عليهم جميعًا الصلاة والسلام.

أبوه عبد الله:

فإذا أردنا أن نتحدث شيئًا عن والدِهِ صلى الله عليه وسلم فهو عبد الله، أصغر أبناء عبد المطلب، وكان يكنى بأبي القُثَم، وأبي محمد، وأبي أحمد، ولقِّب بالذبيح؛ سبب هذا اللقب أن أباه لم يكن يولد له، وأن أحدَ قريشٍ قال له: يا عبد المطلب أتستطيل علينا، وأنت فذٌّ لا ولد لك، فقال عبد المطلب: أبالقِلة تُعَيِّرُنِي، فوالله لئن أتاني الله عشرةً من الذكور، أو عشرة من الولد ذكورًا؛ لأنحرنَّ أحدهم عند الكعبة. فلما تكامل بنو عبد المطلب، فصاروا عشرةً، وعرف أنهم سيمنعونه جَمَعَهُم، ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله عز وجل بذلك فأطاعوه، وقالوا: أَوْفِ بنذرك وافعل ما شئت، فقال لهم: ليأخذ كلُّ رجلٍ منكم قدحًا ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتوني، ففعلوا، فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنيّ هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، وأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه؛ فخرج السهم على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده، وحد الشفرة ليذبحه؛ فقامت إليه قريش من أنديتها وهي تقول: والله لا تذبحه أبدًا حتى تُعْذَرَ فيه؛ فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، فذهبوا به إلى عرافة خيبر، فقالت لهم: كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل. قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرًا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح؛ فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ربكم، ونجا صاحبكم، ففعلوا ذلك حتى بلغت الإبل مائة. فقالت قريش: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب، فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية والثالثة وعبد المطلب قائمٌ يدعو الله فخرج القدح في كلتيهما على الإبل؛ فنحرت ثم تركت لا يُصَدُّ عنها إنسان ولا يُمْنع. فهذا رواه ابن هشام في سيرته.

ويروي ابن كثير بسنده: أن أعرابيًّا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا ابن الذبيحين؛ فتبسم رسول الله ولم ينكر عليه”. فقيل لمعاوية: ومن الذبيحان؟ قال: إسماعيل، وعبد الله.

وقد تميز عبد الله بالعفة والطهر وحسن الخلق، رووا أن كاهنة بمكة يقال لها: فاطمة بنت مُر الخثعمية، مرَّ بها عبد المطلب، ومعه ابنه عبد الله يريد أن يزوجه آمنة بنت وهب، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله؛ فقالت: هل لك أن تغشاني، وتأخذ مائة من الإبل؛ فعصمه الله -تعالى- من إجابتها، وقال لها:

أمَّا الحرامُ فالمماتُ دُوْنَهُ

*والحِلُّ لا حلَّ فأستبينه

فكيف بالأمرِ الذي تبغينه

*يحمي الكريمُ عِرْضَهُ ودِيْنَهُ

فلمَّا تزوجت آمنة عبد الله، وحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على الكاهنة مرةً أخرى، وقال لها: هل لك فيما طلبت؟ فنظرت إليه فلم ترَ ذلك في وجهه، فقالت: قد كان ذلك أولَ مرةٍ أما اليوم لا، ماذا صنعت؟ فقال: زوجني أبي آمنة بنت وهب الزهرية، فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك، وأنشأت تقول الآن:

الآن قد ضيعت ما كان ظاهرًا

*عليك وفارقت الضياءَ المبارَكَ

غدوت عليَّ خاليًا فبذلته

*لغيري هنيئًا فَالْحَقَنْ بِنِسَائِكَ

ولا تحسبن اليوم أَمْسِي وَلَيْتَنِي

*رُزِقْتُ غلامًا منك في مثل حالكَ

وداخلها الأسف على ما فاتها، وداخلتها الحسرة على ما تولى عنها.

كرم نسبه وعلو محتده:

وإذا تأملنا؛ فإننا نرى شرف النبي صلى الله عليه وسلم في نسبه المبارك وعلو مَحْتِدِهِ، فجميع آبائه كرام ذوو شأن، يلمح في سيرتهم الخير، ويعرف فيهم الفضل، حماة البيت، والمقربون من الناس، والمؤسسون دار الندوة لأهل مكة. وقد رأينا فيهم معاني العلو والثبات والقوة، والأناة، والسيادة، والسؤدد والحسن، والجمال كل ذلك تقلب فيه صلى الله عليه وسلم وهو نطفة في صلب آبائه، هذا نسبه من جهة أبيه.

أما نسبه من جهة أمه فهو إلى كلاب، وعند كلاب يلتقي نسبها مع أبيه فنسبه من جهة أمه عَالٍ هو الآخر، يصفه ابن هشام فيقول: إن آباء آمنة من فضلاء قريش، وسادة بني زهرة، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم أخ ولا أخت من أمه وأبيه.يقول الماوردي: لم يشْرَكُه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت؛ لانتهاء صفوتهما إليه وقصور نسبهما عليه؛ ليكون مختصًّا بنسبٍ جعله الله للنبوة غاية، ولتفرده بها آية، فيزول عنه أن يشارك فيه، ويماثل به. وهذا يصدقه نبينا صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي قال فيه: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)).

إذن نبينا صلى الله عليه وسلم خرج من نكاح، ولم يكن من سفاح، وكان صلى الله عليه وسلم بموضع الشرف، والسؤدد والسيادة في النسب، ومكارم الخلق، وفي الحديث الآخر: ((تجدون الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه)) فأصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا أو فقهوا فهم خيار الناس.

وقد ثبت أن أصول النبي صلى الله عليه وسلم وآباءه الكرام كانوا في الذروة من الشرف والسؤدد والمنزلة، والكرامة والمكانة، فإذا أردنا أن ندرك صلة بني هاشم، بسائر بطون العرب؛ فإن هذه الأسرة الهاشمية المنتسبة إلى هاشم بن عبد مناف، وهي أسرة عربية يمتد نسبها إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم واحد من العرب يتصل مع كل عربي بنسب وصلة؛ لأنهم جميعًا من أبناء إسماعيل، فعروبته صلى الله عليه وسلم ثابتة بموطنه وجنسه ولغته.

والإسلام حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عربيةَ لسانِهِ وذكر عربية الكتاب الذي أنزل عليه فقال: {إِنّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لّعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] وقال: {فَإِنّمَا يَسّرْنَاهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشّرَ بِهِ الْمُتّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لّدّاً} [مريم: 97] أي: باللسان العربي. بهذا نكون قد أتينا على ما يتعلق بذكر النسب النبوي الشريف، ودلالات هذا النسب المبارك.

إرهاصات الميلاد:

الإرهاصات هي تلك الأمور التي أجراها الله عز وجل قبيل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهي خارقة للعادة، يظهر الله -تعالى- بها أن الذي سَيُرْسَلُ أو سيبعثُ هو نبي من أنبيائه، وقد ذكر مؤرخو السيرة عددًا من الإرهاصات، من ذلك:

أن سعدًا أخبر أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لما ولدْته خرج من فرجي نور أضاءت له قصور الشام. وكذا روى الإمام أحمد عن العرباض بن سارية ما يقارب ذلك، وهي إرهاصات كثيرة، ذكرها علماء السير والتاريخ؛ فحسان بن ثابت أخرج عنه محمد بن إسحاق قوله: “والله، إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما سمعت؛ إذ سمعت يهوديًّا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب: يا معشر يهود؛ حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك ما لك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به” وهذا في صحيح السيرة النبوية.

وعن أسامة بن زيد، قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل: قال لي حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبي أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه، واتبعه. ورُئِيَ أن إرهاصات البعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى. وخمدت النار التي عبدها المجوس. وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة، بعد أن غاضت. أخرج ذلك البيهقي وإن لم يقرّه بعض علماء السير.

وقد روى ابن سعد أيضًا عن ابن عباس أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به -تعني رسول الله- فما وجدت له مشقة حتى وضعته، فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثم وقع على الأرض معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضة من تراب فقبضها، ورفع رأسه إلى السماء.

error: النص محمي !!