Top
Image Alt

النشاط التنصيري في مصر

  /  النشاط التنصيري في مصر

النشاط التنصيري في مصر

أيضًا من الأمور التي أودّ أن ألفت النظر إليها: نشاط المبشِّرين في مصر؛ لأن الاستعمار البريطاني بعد أن استقرت له الأمور في مصر 1882م، وعرفنا أنّ الزعيم أحمد عرابي بعد أن جاءه بشارة تقلا وأخوه مؤسِّسا جريدة “الأهرام”، وحدث منهم ما حدث من الشماتة في دخول الإنجليز مصر، وعدم استطاعة أحمد عرابي أن يصدّهم، قد استقر الأمر للإنجليز في مصر، ولم يغب عن ذهن الاستعمار البريطاني دوْر المبشِّرين في هذه المنطقة؛ فنشط التبشير في عهد الاحتلال البريطاني في مصر نشاطًا ملحوظًا.

وكان من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تنشيط أعمال المبشِّرين في مصر: “اللورد كرومر” المندوب السامي البريطاني. وكان رجلًا يتميّز بالدهاء والعداء للإسلام وللّغة العربية وللأزهر بصفة خاصة؛ ولذلك منذ أن وطئت قدماه أرض مصر بدأ يعمل على تغريب الحياة الثقافية والسياسية والتعليمية، بل والاجتماعية. وكان له الدور الأكبر في تثبيت دعائم الاستعمار في مصر. وقد وضع “كرومر” مخطط التبشير والاستعمار في كتاب أسماه: (مصر الحديثة)، وضمّن هذا الكتاب آراءه وأهدافه من الوجود البريطاني في مصر. ومن أهم القضايا التي أشار إليها في هذا الكتاب: التركيز على ضرورة إظهار أنّ سبب تأخّر المسلمين يرجع إلى تمسّكهم بالإسلام، بدعوى أن تعاليم الإسلام تتنافى تمامًا مع المدنيّة الحديثة، ومع الحضارة الغربية، ومع العلم.

ومن الأمور التي أشار إليها أيضًا: أنه ليس أمام المسلمين من طريق إلى المدنية الحديثة إلا بالتخلص من الإسلام ومن تعاليمه. ومن الأمور التي نبّه إليها: إرجاع كلّ مشاكل التخلف الموجودة في العالم الإسلامي إلى تعاليم الإسلام. ولعلكم تلاحظون هنا: أنّ هذه القضايا الثلاث هي التي تبنّاها سلامة موسى في كتابه: (ما هي النهضة؟)؛ حيث ركّز على ضرورة التغريب، بمعنى: تحويل الحياة السياسية والثقافية في مصر إلى حياة غربية مائة في المائة. وصرّح في كتابه: أن أسباب تخلف المسلمين هي تمسّكهم بالإسلام، وأن الحديث عن الأمور الغيبيّة حديث خرافة، ولا سبيل أمامنا إلا أن نقلِّد الغرب في كل شيء حتى ننهض كما نهضوا، وأن نتخلّص من كلّ ما هو إسلامي حتى نتخلّص من عوامل التخلف.

وامتد نشاط “كرومر” إلى لغة القرآن الكريم؛ حيث نادى بضرورة إلغاء هذه اللغة، والأخذ باللغة العامية. وجعل لغة القاهرة هي اللغة الرسمية، ونادى بإحلالها محلّ اللغة الفصحى في الكتابة، والدواوين الحكومية. وهذا الرأي طبعًا قد عارضَه كثير من العلماء في مصر، غير أنه قد وجد عند بعض المستغربين أذنًا صاغية، فنادوا بالعامية من خلال الصحف، خاصة صاحب جريدة “المقتطف”.

ثم تبع ذلك مستشرق آخَر ومبشِّر في نفس اللحظة، وهو “ولمور” الذي كان يعمل قاضيًا في المحاكم المختلطة في مصر. هذا الرجل ألّف كتابًا أسماه: (لغة القاهرة)، ووضع قواعد للّغة العامية القاهرية، ونادى بوجوب إحلالها محلّ لغة القرآن. ثم أخذت هذه الدعوة المسمومة تنتقل إلى “وليم ولكوكس” المهندس البريطاني الذي كان يعمل بوزارة الزراعة في مصر؛ فدعا إلى هجْر الفصحى وإحلال العامية محلّها. وأظن أننا قد أشرنا إلى شيء من ذلك في بعض نشاطات المستشرقين فيما سبق.

لكن ممّا هو جدير بالذّكر أيضًا: أن القسيس “دنلوب” المستشار البريطاني لوزارة المعارف البريطانية كان موجودًا في مصر، وعمل مستشارًا لوزارة التعليم في مصر، حاول هذا الرجل جاهدًا أن يجرِّد مناهج التربية والتعليم في مصر من سِماتها الإسلامية في كثير من المواد الدراسية؛ فأنشأ عددًا كبيرًا من المدارس الأجنبية تهافت عليها كبار القوم وعلية القوم. وكانت تدرِّس جميع المواد باللغة الإنجليزية، وكانت هذه المدارس تبدأ نشاطها المدرسي كلّ يوم بالصلاة في كنيسة ملحَقة بالمدرسة. ثم أوصى “دنلوب”: أن تكون حصص المواد الشرعية وحصص اللغة العربية في المدارس الحكومية ترحل من أوائل الجدول إلى نهاية الجدول الدراسي كل يوم، بعد أن يكون التلميذ قد أصابه الملل والسآمة.

وظلت هذه المناهج الدراسية التي وضعها “دنلوب” لوزارة المعارف تعمل عملها في تخريج أجيال مبتوتة الصلة بالإسلام وقضاياه إلى وقت قريب جدًّا، إلى ما قبل الثورة المصرية بقليل. والتقَتْ أهداف “كرومر” وأهداف “دنلوب” في محاولة إبعاد الحياة الثقافية والتعليمية في مصر عن روح الحياة الإسلامية، مع ما يسعى إليه المبشِّرون من نشْر تعاليمهم ونشْر ثقافتهم وإبعاد الدولة المصرية في ذلك الوقت عن روح الإسلام وعن تعاليمه. هذه أمور أودّ أن يعْلَمها الشباب لأنها تفسِّر لنا كثيرًا ممّا يجري في المنطقة العربية الآن

error: النص محمي !!