Top
Image Alt

النعت بـ”إلا” في الشاهد القرآني، وتمثيل سيبويه له، والمستفاد منه، وشروط ذلك

  /  النعت بـ”إلا” في الشاهد القرآني، وتمثيل سيبويه له، والمستفاد منه، وشروط ذلك

النعت بـ”إلا” في الشاهد القرآني، وتمثيل سيبويه له، والمستفاد منه، وشروط ذلك

1. ما مثل به سيبويه للنعت بـ”إلا”، وما يُستفاد من ذلك:

من المسائل التي تعرض لها الكتاب النحوي تعرضًا سريعًا من غير تفصيل وتأسيس لقاعدة يعتمد عليها: الوصف بـ”إلا”؛ فمتى تكون “إلا” وما بعدها صفة لما قبلها؟ وما الذي اشترطه العلماء لذلك؟ وما شواهد ذلك من القرآن الكريم؟ وهل عندما ينعت بـ”إلا” تفتقد الصفة التي من أجلها كان الاستثناء وهو الإخراج؛ إخراج ما بعدها مما قبلها؟

في البدء نذكر أن سيبويه -رحمه الله- عقد في كتابه بابًا بعنوان: هذا من باب ما يكون فيه “إلا” وما بعدها وصفًا، ومَثَّلَ ذلك بقوله: “لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا”، “لو كان معنا رجل غير زيد لغلبنا” وبقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22]، أي: لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا، كما أجاز في نحو: “ما أتاني أحد إلا زيدا” الإبدال والوصفية.

فلاحظ أن “إلا” في المثال باقية على وظيفتها، وهو إخراج ما بعدها بإعطائه حكمًا غير حكم ما قبلها، “ما أتاني أحد إلا زيدًا” بالنصب خرج زيد، و”إلا زيدٌ” بالإبدال أو الوصفية خرج زيد، فـ”إلا” إذا ذهبت بها ناحية الوصفية، فما بعدها مخرج مما قبلها، وإذا أبقيتها ونصبت ما بعدها على الاستثناء، فما بعدها أيضًا مخرج مما قبلها.

وربما في المثال الأول لا يتضح الإخراج: “لو كان معنا رجل إلا زيد” الذي معنا هو زيد، وليس في المثال ما يفهم منه مستثنى ومستثنى منه، وهذا يعني أن “إلا” إذا كانت وصفًا لا يلزم أن تكون في أسلوبٍ صالح للاستثناء، وقد يكون صالحًا للاستثناء كما في قوله: “ما أتاني أحدٌ إلا زيدٌ”، وكما في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} فمعنى الاستثناء واضح في الآية مع القول بوصفية “إلا”.

2. شروط النعت بـ”إلا” عند سيبويه، من خلال ما مثل به:

ظاهر من صنيع سيبويه أن الموصوف بـ”إلا” نكرة، أي: يوصف بها النكرة، وأن بعض أمثلته يصح فيها الاستثناء، وبعضها مما لا يصح فيها الاستثناء، نحو: “لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا”.

3. الوصف بـ”إلا” من خلال الشاهد القرآني:

– قال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:40]، قولهم: {رَبُّنَا اللَّهُ} لا يدخل في المستثنى منه، وهو: {بِغَيْرِ حَقٍّ}؛ لأن قولهم: {رَبُّنَا اللَّهُ} هو الحق. قال الزمخشري بالإبدال، وقال أبو حيان: يجوز على الصفة مع أن “إلا” هنا إذا قلنا بالإبدال {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}، فالكلام تام مثبت، وجواز إبدال الاستثناء المنقطع في التام المثبت فيه كلام؛ لأن الكلام التام المثبت المستثنى فيه يجب نصبه، منقطعًا أو غير منقطع.

وقال الفراء: “فإن شئت جعلتَ قوله: {إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} في موضع خفض، ترده على الباء في: {بِغَيْرِ حَقٍّ}، وإن جعلت: {أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} مستثنى”.

والذي نريد أن نصل إليه، أن القول بالوصفية لم يتعارض مع جواز القول بالاستثناء في المكان الواحد، مما يؤكد أنه لا صدقَ لما اشترطه ابن الحاجب من أن شرط الوصف بـ”إلا” تعذر الاستثناء.

– وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين} [الزُّخرُف: 26، 27]، في (الكشاف): أن هذا استثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذي فطرني فإنه سيهدين. ويلاحظ هنا “لكن” في معنى “إلا” وأن الاستثناء منقطع، وأن الكلام تام موجب، أي: ما بعدها منصوب، وهذا يعني: أن “إلا” إذا كانت بمعنى: لكن، لا تفتقد وظيفتها الرئيسة وهي أنها للاستثناء أيضًا، وأن يكون مجرورًا بدلًا من المجرور بمن، كأنه قال: “إنني براء مما تعبدون إلا من الذي فطرني”، فإن قلتَ: كيف تجعله بدلًا وليس من جنس ما يعبدون؟ قلت: قالوا: كانوا يعبدون الله مع أوثانهم.

وذهب ابن يعيش في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، إلى جواز النصب من ناحية الصنعة، لكن الذي يرفض القول بالنصب هو الناحية العقائدية؛ لأن هذا يعني القول بتعدد الآلهة فقط بدليل هنا في هذه الآية {إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين} ؛ فلو رفعنا {الَّذِي فَطَرَنِي} ووضعنا مكانها لفظ الجلالة وقلنا في غير القرآن: “وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الله” لطبقنا على لفظ الجلالة ما قالوه من أنه يجوز أن يكون بدلًا من المجرور بمن، وقلنا: “إلا اللهِ” بالجر على البدلية، ونُعلل له بما قالوه: كانوا يعبدون الله مع أوثانهم، فأخرج؛ لأن القول بالبدلية لا يعني عدم الإخراج؛ لأنك عندما تقول: “ما قام القوم إلا محمدٌ” بالإبدال، لا يعني: عدم إخراج محمد، مع القول بالإبدال.

يقول الشيخ عضيمة نقلًا عن (الكشاف): ويجوز أن تكون “إلا” صفة بمعنى “غير”، على أن “ما” في {مِّمَّا تَعْبُدُون} موصوفة، تقديره: “إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني”، فهو نظير قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}. وفي (البحر): ووجه البدل لا يجوز؛ لأنه إنما يكون في غير الموجب من النفي والنافي، والنهي والاستفهام، وهذا الكلام موجب {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون}. ولكننا لم نجد رفضًا للقول بالبدل في قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} مع أن الكلام أيضًا موجب.

يقول أبو حيان: ووجه البدل لا يجوز؛ لأنه إنما يكون في غير الموجب من النفي والنهي والاستفهام، ألا ترى أنه يصلح ما بعد “إلا” لتفريغ العامل له؟ و{إِنَّنِي بَرَاء} جملة موجبة، فلا يصلح أن يفرغ العامل فيها للذي هو {بَرَاء} لما بعد “إلا”؟ وأما تقدير “ما” نكرة موصوفة، فلم يبقها موصوفة؛ لاعتقاده أن “إلا” لا تكون إلا صفة إلا للنكرة، وهذه المسألة فيها خلاف بين النحويين.

معنى هذا الكلام: أن مَن ذهب إلى جواز القول بوصفية “إلا” بما قبلها، لم يقل: إن “ما” في {مِّمَّا تَعْبُدُون} اسم موصول، بل قال: هي نكرة موصوفة، وهنا التقينا بكلام آخر وهو نقل عن أبي حيان، إذ يقول: من النحويين مَن قال: إن “إلا” يوصف بها النكرة والمعرفة.

انتهينا إلى صورة نهائية لشرط الوصف بـ”إلا”؛ إذا كان يقصد بها النكرة والمعرفة، فلا معنى لاشتراط الشرط الأول، وهو أن يكون الموصوف بها نكرة، وإذا كانت “إلا” تكون صفة حيث يجوز الاستثناء، فلا معنى للشرط الذي اشترطه ابن الحاجب بأنه يشترط في الوصف بها تعذر الاستثناء.

– وقال تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} [النجم:32]، نقل الشيخ عضيمة عن (الكشاف) قول الزمخشري: لا يخلو أن يكون استثناءً منقطعًا، أو صفةً. إذًا: جاز الوصف بـ”إلا”، حيثما كانت “إلا” يجوز الاستثناء بها.

error: النص محمي !!