Top
Image Alt

النقد المنهجي عند العرب

  /  النقد المنهجي عند العرب

النقد المنهجي عند العرب

نتحدث عن ظهور النقد المنهجي عند العرب، وعن تحول النقد إلى البحث البلاغي، أو امتزاج الدراسات النقدية بالدراسات البلاغية.

وعندما نتحدث عن النقد المنهجي نقرر أن النقد الشفهي الذي كان معتمدًا على الرواية والأخبار المتناقلة التي تسند موقفًا، أو رأيًا نقديًّا ما لواحد من الأدباء، أو الشعراء أو العلماء، هذا النقد الشفهي وإن كان مهمًّا في تصور مرحلة مبكرة للنقد الأدبي، إلا أنه لا يمكن أن يُقام بناء علم عليه، علم مستقر له أصول وله منهج، ويجمع الأشباه إلى الأشباه، والنظائر إلى النظائر، وينتقل من الجزئيات إلى الكليات، ويضع المقاييس والقواعد، ويكون الحكم فيه مبنيًّا على تعليل وشرح وتفصيل، هذا ما نعنيه بالمنهج.

فالمنهجية تعني: قيام علم على أصول، ومادة وفيرة، وانتقال من الجزئيات إلى الكليات، وشرح، وتفسير، وتعليل، هذا لا نستطيع أن ندعيه للنقد الشفهي، الذي تحدثنا عنه ممثلًا في النقد في العصر الجاهلي، وممثلًا أيضًا للنقد في العصر الإسلامي، والنقد في العصر الأموي، بالإضافة إلى أن النقد الشفهي يعتمد على الرواية، والرواية عُرضة للنسيان والشك فيها وللاختلاف حولها، هذا كله فيما يتعلق بالنقد الأدبي قبل العصر العباسي.

إذًا: العصر العباسي شهد وجود أو ميلاد ما يُسمى بالنقد المنهجي عند العرب، فالنقد المنهجي إذًا يبدأ بعد أن عرف العرب التدوين، تدوين العلوم، حيث دوَّن العرب العلوم: علوم الدين وعلوم اللغة، وكان مما دُوِّن النقد الأدبي.

ونحن عندما نتحدث عن النقد المنهجي عند العرب لا نستطيع، ولا يُقبل منا أن يكون عندنا تحكم في النظر إلى مناهجهم، وأن نطلب منهم أن تكون مناهجهم التي ساروا عليها منذ ما يزيد مثلًا على ألف سنة، مطابقة لتصوراتنا نحن الآن عن المنهج، فهذا تحكم غير صحيح؛ ولذلك عندما نتعامل مع الكتب التي وضعها النقاد الأوائل في العصر العباسي لا بد أن يكون عندنا تسامح في النظر إليها، وأن نقبلها على أنها قائمة على مناهج مناسبة للعصر الذي أُلفت فيه، وكان مؤلفوها يعتبرونها متفقة مع الرؤية التي رأوها في بحثهم ودرسهم، وطريقة وضعهم لهذه الكتب.

إذًا: النقد المنهجي عند العرب بدأ مع التدوين، ونحن نتفق مع الدكتور محمد مندور عندما ينفي المنهجية عن النقد الشفهي الذي كان سائدًا، أو الذي وصلنا ليحمل لنا صورة عن النقد الذي كان يمارسه الشعراء، والأدباء، والعلماء من العصر الجاهلي إلى العصر الأموي، ومن أول الكتب التي وضعت في النقد الأدبي في العصر العباسي: كتاب ابن سلام الجمحي المعروف بـ(طبقات فحول الشعراء)، أو (طبقات الشعراء)، وكتاب (الشعر والشعراء) لابن قتيبة.

وفي كتاب ابن سلام (طبقات الشعراء) أو (طبقات فحول الشعراء) -كما ذهب الشيخ محمود شاكر إلى أن اسم الكتاب هو (طبقات فحول الشعراء)- نريد أن نشير إلى أن ابن سلام في هذا الكتاب كان معنيًّا بالمفاضلة بين عدَّة طوائف من الشعراء، وبين الشعراء أنفسهم في الطائفة الواحدة؛ ولذلك سمى كتابه (طبقات الشعراء)، والطبقات هي المراتب، وكانت له مقاييسه في جعل هؤلاء من الطبقة الأولى، وهؤلاء يمثلون الطبقة الثانية، وهؤلاء في الطبقة الثالثة إلى آخر ما ورد في هذا الكتاب.

وكان ابن سلام معنيًّا بمسألة تصحيح الشعر وتوثيق نسبة الشعر إلى قائليه؛ ولذلك تحدث في مقدمة كتابه عن ظاهرة الانتحال، التي أعاد المستشرقون والمحدّثون الكلام فيها في العصر الحديث، والتي من خلالها زعموا أن الشعر الجاهلي مُنْتَحل، وأنه جدير بالشك فيه.

وابن سلام منذ هذا العهد القديم اهتم اهتمامًا خاصًّا بمسألة الانتحال، وبيَّن أن في الشعر الجاهلي شعرًا منحولًا، وأن فيه شعرًا صحيحًا، وأن هناك بواعث وأسبابًا أدَّت إلى ظاهرة الانتحال، وأن الناقد يستطيع أن يميز الشعر الصحيح من الشعر المنحول، فالذي فعله ابن سلام في كتابه هذا جهد قائم على منهج، لا شك في هذا.

فهو يذكر بعض الظواهر الأدبية ويحلّلها، ويفاضل بين الشعراء على أسس وضعها وارتضاها، فهذا منهج، ويأتي الدكتور محمد مندور ليقول بعد ذلك: “وإذًا فابن سلام لم يتقدم بالنقد الفني إلى الأمام شيئًا كبيرًا، وإن كان قد صدر في تحقيقه للنصوص عن مذهب صحيح، وحاول أن يُدخل في تاريخ الأدب العربي اتجاهًا نحو التفسير، ومحاولة للتبويب تقوم على أحكام فنية”، ثم يضيف: “ولهذا نستطيع أن نظل عند ملاحظتينا السابقتين من عدم صدور النقد كفن لدراسة النصوص، وتمييز الأساليب عن منهج مستقيم، وروح علمية في تعليل الأحكام، وذلك حتى أواخر القرن الثالث، وإنما أصبح النقد نقدًا منهجيًّا في القرن الرابع فقط عند الآمدي، وعبد العزيز الجرجاني”.

فالدكتور مندور ينفي صفة المنهجية عن كتاب ابن سلام، وينفي صفة المنهجية أيضًا عن كتاب ابن قتيبة (الشعر والشعراء)، وفي هذا تحكم لا نسلم به للدكتور مندور؛ لأن كل عالم له منهجه الذي اختاره وسار عليه في كتابه، ولا يحق لنا نحن أن نتحكم بهذه الصورة، وأن نقول: هذا غير منهجي، وأن المنهجية بدأت منذ نهاية القرن الثالث عند الآمدي، والقاضي الجرجاني.

وكما قال الدكتور مندور عن ابن سلام ما قال، نجده يقول عن ابن قتيبة: “وظهور ابن قتيبة المولود عام مائتين وثلاثة عشر، والمتوفى عام مائتين وستة وسبعين من الهجرة، وظهور ابن قتيبة في هذا القرن لا يُغيِّر شيئًا من هذه الحقيقة؛ حقيقة أن النقد المنهجي لم يكن معروفًا، وأن النقد لم يصدر عن منهج إلا في نهاية القرن الثالث، وأن الآمدي والجرجاني هما اللذان يُمكن أن يعدَّ عملهما نقدًا منهجيًّا”، وإذا نظرنا فيما فعله ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء)، سنجد ابن قتيبة نفسه يصف ما قام به في هذا الكتاب فيقول: “وهذا كتاب ألفته في الشعراء، أخبرت فيه عن الشعراء، وأزمانهم، وأقدارهم، وأحوالهم في شعرهم، وقبائلهم، وأخبرت فيه عن أقسام الشعر وطبقاته، وعن الوجوه التي يُختار الشعر عليها، ويستحسن لها”.

ويتعرض ابن قتيبة في كتابه لتفسير بعض الظواهر الأدبية والشعرية، فمن هذه الظواهر مثلًا ظاهرة تعدُّد الأغراض في القصيدة العربية القديمة، وابتداء القصيدة القديمة بالنسيب والغزل، فنجده مثلًا يقول: “سمعت أهل الأدب يذكر أن مقصِّد القصيد إنما ابتدأ فيه بذكر الديار، والدمن، والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق؛ ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر؛ لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان، ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد، وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق؛ ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي إصغاء الأسماع؛ لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب، لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسبب، وضاربًا فيه بسهم حلال أو حرام، فإذا استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له؛ عقَّب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر، وسُرا الليل، وحر الهاجرة، وإمضاء الراحلة والبعير.

فإذا علم أنه أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل”.

ابن قتيبة هنا يتحدث عن منهج القصيدة القديمة، القصيدة الجاهلية، لماذا يبدأ الشاعر بذكر الديار، ويبكي الأطلال، ثم بعد ذلك يتحدث عن المرأة، ويتغزل فيها، ثم ينتقل من الغزل إلى وصف الرحلة، ثم من وصف الرحلة إلى المديح مثلًا؟

وابن قتيبة عندما يُعلِّل ينسب هذا التعليل لغيره فيقول: “سمعت أهل الأدب يذكر”، فالرجل هنا ينسب التعليل لمن سمعه منه، وهذه أمانة في العلم محمودة، ووقوف عند ظاهرة ومحاولة لتفسيرها، ونحن غير مطالبين بأن نوافقه تمامًا فيما ذهب إليه، نستطيع أن يكون لنا رأي غير الذي رآه، لكن ليس من حقنا أن نكون متحكمين وأن نصف أعمالهم بأنها لا تستند إلى منهج، ولا تقوم على منهجية.

ابن قتيبة تعرض أيضًا لبعض النصوص الشعرية، وشرحها، وفسّرها، وحكم عليها بذوقه، فيمكن أيضًا أن نوافقه ويمكن أن نختلف معه، هذه تفاصيل قابلة للاختلاف، ولكن من التحكم أن نصف هذه الأعمال الرائدة بأنها لا تستند إلى منهج؛ قد نختلف نحن في نظرنا إلى المنهج الذي نرتضيه لبحوثنا وكتبنا الآن عن المنهج الذي ارتضاه هؤلاء الأقدمون، لكن من التحكم أن نرفض منهجهم أو أن ننفي المنهجية عن أعمالهم، فيمكن أن يكون التفسير والتعليل والتبويب والتفصيل والشرح نما ونضج في مؤلفات تالية، يمكن أن نجد منهجًا متكاملًا يرضي طموحنا نحن مثلًا عند القاضي الجرجاني وعند الآمدي.

لكن هذا أيضًا لا يجعلنا نتفق مع الدكتور مندور في نفي المنهجية عن الأعمال الرائدة كـ(طبقات فحول الشعراء) لابن سلام، و(الشعر والشعراء) لابن قتيبة.

error: النص محمي !!