Top
Image Alt

النقود الموجَّهة إلى مدرسة القافية

  /  النقود الموجَّهة إلى مدرسة القافية

النقود الموجَّهة إلى مدرسة القافية

أخذت على هذه المدرسة بعض المآخذ؛ أهمها: مآخذ ترتبط بالمنهج الذي سارت عليه في التقسيم وترتيب المواد، على الرغم من أن هذا التقسيمَ الذي اتبعته كتب هذه المدرسة أيسرُ مما عند مدرسة الخليل ومدرسة ابن دريد؛ فالنظر إلى آخر الكلمة، ثم أولها، ثم وسطها، يراه البعض تشتيتًا للذهن، ورآه بعض العلماء لا يسير من حيث السهولة والصعوبة سيرًا واحدًا؛ إذ يسهل هذا الترتيب في الثلاثي، ولكنه يعسر قليلًا في الرباعي والخماسي؛ حتى اختلف فيهما أفراد هذه المدرسة.

فقد ذهب الجوهري إلى تقديم الثلاثي على الرباعي، فوضع القاف والراء والباء والسين بعد مادة القاف والراء والسين؛ لأنه نظر إلى آخرها فأولها فثانيها، فانتهت حروف الألفاظ الثلاثية عند ذلك فأثبتها؛ وبقي حرف من الرباعيات فأخَّرَه، وقد حاول الفيروزآبادي أن يتلافى ذلك ورتبها بحسب حروفها كلها؛ فقدَّم هذا النوع من الرباعي على الثلاثي.

وحينما نظر المستشرق “فيشر” إلى كتب هذه المدرسة اعترض على هذا الترتيب بثلاث نقاط:

الأولى: إذا كان الحرف الأخير حرف علة؛ فكثيرًا ما يقع التباس، وكان ذلك السبب في جمع الواوي واليائي معًا.

الثانيةُ: الحرف الأخير كثيرًا ما لا يكون أصليًّا؛ كما في مادة الهمزة والباء والواو من الأبِ، وفي مادة الهمزة والخاء والواو من الأخ، وفي مادة الباء والنون والياء من الابن، وفي مادة الميم والواو والهاء من الماء.

الثالثةُ: بهذه الطريقة يصعب ترتيب الكلمات الأحادية والكلمات الثنائية؛ كما نجدها من بين الحروف الدالة على معنى في غيرها ومن بين الضمائر.

ولم تستطع هذه المدرسة التخلص من مشكلة الترتيب على الحروف الأصلية وحدها؛ فخطأ بعض أفرادها بعضًا بسبب اختلاف وجهات النظر في أصالة كثير من الحروف وزيادتها؛ فكان من ثمرات هذا الاختلاف -كما يرى الدكتور حسين نصار- هذا التوهيم والتجني أحيانًا، ووضع الكلمة الواحدة في أكثرَ من موضعٍ، أو احتمال وضعها في أكثرَ من موضعٍ واحدٍ، ويجعل الباحث غير عارف بموضعها، ووضعها في وضع يصعب الوصول إليه أحيانًا.

وقد رأى رضيُّ الدين الحسن بن محمد الصغاني قصورًا في الكتب المؤلفة قبله، وكان هذا القصور من أسباب إقدامه على تأليف كتابه (العباب الزاخر واللباب الفاخر)؛ إذ رأى قصورًا فيما يتصل بألفاظ الحديث، وإن المتصفح لمقدمة (العباب) يلاحظ هذا الملحظَ؛ إذ يقول في هذه المقدمة:

“هذا كتاب جمعت فيه ما تفرق في كتب اللغة المشهورة والتصانيف المعتبرة المذكورة، وما بلغني مما جمعه علماء هذا الشأن والقدماء الذين شافهوا العربَ العرباء، وساكنوها في داراتهم، وسايروها في نقلها من مَوْردٍ إلى موردٍ، ومن مَنْهلٍ إلى منهلٍ، ومن منتجعٍ إلى منتجعٍ، ومَن بعدَهم مِمَّن أدرك زمانهم ولحق أوانهم، آتيًا على عامة ما نطقت به العرب خلا ما ذهب منها بذهاب أهلها من المستعمَل الحاضر والشارد النادر.

مستشهدًا على صحة ذلك بآيٍ من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، وبغرائب أحاديث مَن هو بمعزل عن خطل القول وخُلفه، فكلامه هو الحجة القاطعة والبينة الساطعة، وبغرائب أحاديث صحابته الأخيار وتابعيهم الأحبار، وبكلام من له ذكر في حديث أو قصة في خبر وهو عويص، وبالفصيح من الأشعار والسائر من الأمثال؛ ذاكرًا أسامي خيل العرب، وسيوفها، وبقاعها، وأسقاعها، وبُرَقَها، وداراتها، وفُرسانها، وشعراءها؛ آتيًا بالأشعار على الصحة، غير مختلَّة ولا مغيرة ولا مداخلة، معزوًّا ما عزوتُ منها إلى قائله، غير مقلد أحدًا من أرباب التصانيف وأصحاب التآليف، مراجعًا دواوينهم، معتمًّا أصح الروايات، مختارًا أقوال المتقنين الثقات.

وموجب ما ذكرت أني رأيت فيما جمع مَن قبلي أطلقوا في أغلب ما أوردوا وقالوا: “وفي الحديث”، غير مبين النبوي من الصحابي، والصحابي من التابعي، وربما أطلقوا لفظ “الحديث” على المثل، ولفظ “المثل” على الحديث، وربما قالوا: “وقولهم”، وهو من صحاح الأحاديث.

وقد سردت الأحاديثَ الغريبة المعاني المشكلة الألفاظ تامةً مستوفاةً، وفسرت كل لفظة منها في بابها وتركيبها، وذكرتُ أن تمام الحديث مذكور في تركيب كذا؛ ليعلم سياق الحديث ويؤمن التكرار والإعادة.

وأقدم قبل الشروع في بيان اللغة فصلين:

الفصلُ الأولُ: في معرفة أسامي جماعة من أهل اللغة لا غنى لممارس هذا الكتاب وسائر كتب اللغة عن معرفتها؛ فإن أهل اللغة ذكروا بعضهم بكُناهم، وبعضهم بنسبهم، وبعضهم بحرفهم.

الفصلُ الثاني: في أسامي كتب حَوَى هذا الكتاب اللغات المذكورة فيها.

وذكر في أسامي جماعة من أهل اللغة مجموعةً كبيرةً، أذكر منهم: إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربي، وحمد بن محمد أبو سليمان الخطابي، وخالد بن يزيد أبو القاسم اليزيدي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو منصور الأزهري، وأبو زياد الكلابي.

وفي الفصل الذي عقده لأسامي الكتب ذكر منها: (ديوان الأدب) للفارابي، وكتاب (العين) للخليل، و(المحيط) لابن عباد، و(التهذيب) للأزهري، و(المجمل) لابن فارس، و(الجمهرة) لابن دريد…

لعل في هذه المقدمة ما يدلك على أن صاحب (العباب) حاول أن يتلاشَى بعضَ المآخذ التي أخذت على مَن سبقه من العلماء وبخاصةٍ ما يتصل بالألفاظ والأحاديث النبوية؛ حيث رأى أن بعض العلماء يخلطون بين الحديثِ والمثلِ، وبين الحديثِ والقولِ؛ حيث قال:

قالوا: وفي الحديث غير مبين النبوي من الصحابي، والصحابي من التابعي، وربما أطلقوا لفظ الحديث على المثل، ولفظ المثل على الحديث، وربما قالوا: “وقولهم”، وهو من صِحاح الأحاديث؛ إذ يطلقون الحديث على القول، والقول على الحديث، ويطلقون الحديثَ على المثل، ويطلقون لفظ المثل على الحديث…

لعل هذا أبرز ما لاحظه الصغاني على الكتب المؤلفة قبله، وحاول أن يستدركها في (العباب).

وهذه المآخذ وغيرها لا تنقص من قدر هذه الكتب، فيكفيها أنها تخلصت من نظام التقليبات ومن نظام الأبنية، الذي كان سائدًا عند كتب مدرسة التقليبات الصوتية، وكذا عند ابن دريد رأس مدرسة التقليبات الهجائية؛ ولذلك انتظمت الأبواب انتظامًا حَسَنًا عند كل هؤلاء: عند الجوهري في (مختار الصحاح)، عند ابن منظور في (لسان العرب)، عند الفيروزآبادي في (القاموس المحيط)، عند الزبيدي في (تاج العروس)، حتى عند الصغاني في (العباب)، وعند الشيرازي في (المعيار).

error: النص محمي !!