Top
Image Alt

النمو الإنساني في القرآن والسنة

  /  النمو الإنساني في القرآن والسنة

النمو الإنساني في القرآن والسنة

أولًا: النموّ الإنساني في القرآن الكريم:

يتناول القرآن الكريم في مواضع كثيرة خلق الإنسان، ونموه، ويمكن أن نقسّم آيات خلق الإنسان إلى قسمين: ما يتّصل منها بخلق آدم عليه السلام ثم ما يتصل منها بخلق الإنسان من سلالة آدم، والذي حدّد القرآن الكريم معالمه، وهو ما يتمّ الإشارة إليه في هذا الجانب.

1. آيات الله في تكوين الإنسان: يحدّد القرآن الكريم الطريق العادي لوجود الإنسان كنتاج لاتصال الذكر بالأنثى، فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} [الحجرات: 13]، وفي هذا إشارة صريحة إلى أن خلق الإنسان من جزء من الذكر وهو الحيوان المنوي، وجزء آخر من الأنثى، وهو البويضة الأنثوية، ويحدّد القرآن الكريم المادة التي يُخلق منها الإنسان نتيجةً لهذا الاتصال الجنسي في قوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِين * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِين} [السجدة: 7، 8] والماء المهين بإجماع المفسرين: هو المنيّ الذكري، إلا أن المني وحده لا يكفي لتكوين الإنسان جنينًا في رحم الأم، وقد أشار القرآن الكريم إلى النطفة باعتبارها المادة التي يتمّ منها هذا التكوين.

وقد وردت كلمة “نطفة” في القرآن الكريم في اثني عشر موضعًا، ومن ذلك قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِين} [يس: 77] حيث إن معنى النطفة هنا يجب ألا يقتصر على المني الذكري أي: ماء الرجل، وهو المتعارف عليه في بعض الأقوال، وإنما يجب أن يمتدّ ليشملَ ماء المرأة، وهذه النطفة المذكرة أي: الحيوان المنوي، وتلك النطفة المؤنثة أي: البويضة الأنثوية، يندمجان معًا؛ ليتكون من بعض كل منهما نطفة جديدة مخصبة من كل منهما، وهي التي يسميها علم الأجنة اللاقحة وهي تمثل الطور الأول من تكوين الجنين، ويعبّر القرآن الكريم عن هذه العملية تعبيرًا معجزًا يقول تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2].

2. آيات الله في نمو الإنسان قبل الولادة: تُشير الآيات القرآنية الكريمة بشكل صريح إلى أن نموّ الإنسان بعد تكوينه من المادة الأساسية، التي يُخلق منها؛ إنما يمر بمراحل يتطوّر بعضها من بعض، ويتلو بعضها بعضًا، وفي ذلك يقول الله تعالى: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13، 14]، ويقول تعالى أيضًا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الحج: 5].

فهذه المراحل هي: مرحلة النطفة، ثم مرحلة العلقة، ثم مرحلة المضغة، ثم مرحلة تكوين العظام والعضلات، ثم مرحلة تكوين الطفل السوي، والتي يقول عنها المولى سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] فقبل هذه المرحلة يكون الجنين أقرب إلى النبات ليس له حس، أو حركة إرادية، وكلّ ما فيه فقط حركة النمو، والاغتذاء، أما في هذه المرحلة فإن قوى الحس والإدراك، والإرادة تتكوّن فيه، وتتضح هذه الصلة الوثيقة بين نفخ الروح، وتكوين الحسّ، والإدراك في قوله تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُون} [السجدة: 9].

3. آيات الله في نمو الإنسان بعد الولادة: يذكر القرآن الكريم المراحل التي يمُرّ بها نمو الإنسان بعد الولادة، والملاحظة التي تُدهش الباحث العلمي لإعجازها البديع: أن القرآن الكريم لا يفصل بين مرحلتي ما قبل الولادة وما بعدها، وإنما يربط بين المرحلتين برباط وثيق يوضحه قوله سبحانه وتعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15].

ثم يحدّد القرآن الكريم الحد الأقصى لفترة الرضاعة حتى الفطام بعامين يقول تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] ثم يحدّد القرآن الكريم المراحل الثلاث الكبرى للنمو بعد الولادة في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِير} [الروم: 54] وهذه هي المراحل الكبرى الثلاث لنمو الإنسان:

المرحلة الأولى: هي الضعف الأول للإنسان، وهي مرحلة طفولة، وصبى طويلة، يصفها القرآن الكريم بأنها مرحلة ضعف. وهو ضعف يشمل أيضًا مرحلة ما قبل الولادة، حيث وصفها القرآن الكريم وصفًا مطلقًا بأنها مرحلة طفولة في قوله تعالى:{ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} [الحج: 5]، وقوله تعالى:{ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} [غافر: 67] وهذا ما تنبّهت إليه التشريعات الحديثة للطفولة؛ حيث وسعتْ النطاق المفهوم ليمتدّ إلى نهاية المراهقة.

المرحلة الثانية: فهي قوة الإنسان، وهي مرحلة التحوّل إلى الرشد، ويصفها القرآن الكريم بالقوة، ويقسمها إلى ثلاثة أطوار فرعية، هي: بلوغ السعي: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102]، وبلوغ الرشد: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، وبلوغ الأشد: أي اكتمال الرشد؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [الحج: 5]، وقد تكرّرت هذه الآية في سورة الحج، وفي سورة غافر، ويذكر القرطبي في هذا الصدد أن بلوغ الأشد هو بلوغ القوة، وقد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولا بد من حصول الوجهين.

المرحلة الثالثة: فهي مرحلة الضعف والشيبة، على الرغم من أن هذه المرحلة هي مرحلة ضعف إلا أنه ضعف مختلف عن الضعف الأول السابق على الرشد، فالقرآن الكريم يضيف إلى هذه المرحلة وصف الشيبة، والتي تحمل معنى الخبرة والحكمة إلى جانب التقدم في السن. ويقسم القرآن الكريم هذه المرحلة الكبرى إلى طورين هما مرحلة الشيخوخة {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا} [غافر: 67]، ومرحلة أرذل العمر -أي: الهرم- يقول تعالى: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [النحل: 70].

أما السنة النبوية؛ فقد جاءت مفصلة لبعض اهتمّت بالنمو الإنساني؛ حيث وردت إشارات كثيرة في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تفصّل بعض ما أجمله القرآن الكريم في مجال النموّ الإنساني؛ سواء في مرحلة ما قبل الولادة، أو في مرحلة ما بعد الولادة، ونذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: ” في الحديث الصحيح الذي ورد في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود إلى الفترة الزمنية التي يقضيها الجنين في مراحل نموه المختلفة في قوله: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغةً مثل ذلك، ثم يُرسل الله الملك فينفخ فيه الروح، ويُؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أو سعيد».

والأمثلة في السنة النبوية المطهرة كثيرةٌ ومتنوعةٌ يُمكن الرجوع إليها في مصادرها.

error: النص محمي !!