Top
Image Alt

النهضة العربية الحديثة وعواملها

  /  النهضة العربية الحديثة وعواملها

النهضة العربية الحديثة وعواملها

بعد أن خرج الفرنسيون، اجتمع علماء الأزهر وقادة المقاومة، ونظروا في أحوال الحكم العثماني، وطالبوا الخليفة العثماني أن يكون لهم رأي في الوالي الذي يحكمهم باسم العثمانيين، وكان من ضمن الضباط الموجودين في الحامية العثمانية ضابط اسمه “محمد علي” وهو من أصل ألباني، تودد إلى علماء الأزهر وقادة المقاومة، وأظهر لهم ودًّا واحترامًا ورغبةً في أن تُحكم البلاد حكمًا شوريًّا مستنيرًا، من أجل ذلك وثق العلماء  به، وطلبوا من الخليفة العثماني في “الأستانة” أن يولي عليهم هذا الضابط “محمد علي”.

وكان هذا سابقةً في التاريخ السياسي لمصر؛ لأن قادة الشعب هم الذين اختاروا في ذلك الوقت مَن يحكمهم، وتولى “محمد علي” حكم مصر، وبدأت مصر فترةً جديدةً في التاريخ السياسي، والثقافي، والاجتماعي، والأدبي.

والمؤرخون يكادون يُجمعون على أن “محمد علي” هو مؤسس الدولة الحديثة في مصر، على الرغم من أنه لم يمضِ مع تيار الوعي القومي إلى غايته، وكان “محمد علي” ضابطًا طامحًا، أراد أن يجعل من مصر قاعدة لإمبراطورية تكون له ولأبنائه مِن بعده، وحاول أن يستقل بمصر عن الحكم العثماني، وكان سبيله إلى تحقيق غايته هو تأسيس جيش قوي، من أجله أنشأ مصانع للسلاح، وترسانات للسفن، وأنشأ مدرسة حربية، واستقدم لتدريب الجيش والتدريس في مدارسه أساتذةً من أوروبا، وأنشأ مدرسة للطب، واختار لها طلابًا من الطلاب النابهين في الأزهر، وأنشأ مدارس للهندسة، والبيطرة، والصيدلة، والزراعة؛ ليمد الجيش بحاجته من الخدمات التي يقدمها هؤلاء الدارسون.

ولم يكن في مصر في ذلك الوقت مدارس عامة تمد هذه المدارس بالطلاب، فكان الأزهر هو المدرسة الوحيدة التي ينبعث منها شُعاع خَافِت من العلم، وكان “محمد علي” يستعين بطلبة الأزهر في هذه المهام التي أراد أن يخدم بها جيشه، ثم بعد ذلك أنشأ “محمد علي” مدارس ابتدائية وثانوية؛ لتزود المدارس العليا بحاجتها من الطلاب.

وأرسل “محمد علي” بعثات علمية إلى أوروبا، ووجهت هذه البعثات إلى تعلم العلوم الحديثة من الطب والكيمياء والهندسة وغيرها، وكان يُشرف على هذه البعثات بنفسه، ويحث أفرادها على التفوق، ويقدم لهم كثيرًا من التشجيع المعنوي والمادي.

ولقد أثمرت هذه الجهود حركة علمية نشيطة في مصر، وترجم أفراد البعثات كثيرًا من الكتب الأجنبية إلى العربية، وأُنشئ قلم للترجمة، وأنشئت مدرسة للترجمة واللغات هي “مدرسة الألسن”- التي تسمى حاليًّا “كلية الألسن”-، حيث أشرف على هذه المدرسة في ذلك الوقت الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، الذي كان مُوفدًا إلى فرنسا مع إحدى البعثات إمامًا لها، فتعلم الفرنسيةَ، وترجم منها إلى العربية، وكان مساعدًا لـ”محمد علي” في وضع أسس النهضة التعليمية الحديثة في مصر.

واقتضت هذه النهضة العلمية إنشاء، مطبعة فأنشئت مطبعة بولاق، وفي السنة نفسها صدرت أول صحيفة في عهد محمد علي باسم: “جورنال الخديوي” ثم صدرت: جريدة “الوقائع المصرية” سنة ألف وثمانمائة وثمان وعشرين، وكان يشرف على تحريرها أحد علماء الأزهر، وهو الشيخ حسن العطار، وأشرف بعد ذلك عليها الشيخ رفاعة الطهطاوي.

والملاحظ على النهضة الحديثة في عهد “محمد علي” أنها نهضة علمية، متوجهة في المقام الأول إلى خدمة الجيش، ولم ينل الأدب من هذه النهضة غير حظ قليل، لكننا والتاريخ يشهد لـ”محمد علي” بأنه وضع اللبنات الأولى للدولة الحديثة في مصر بالمدارس التي أنشأها والمشروعات الاقتصادية التي أنشأها، كشق الترع، وإقامة الكباري، وبعض الطرق، وغير ذلك من المشروعات التي ما تزال ماثلةً وموجودةً إلى يومنا هذا.

وبعد “محمد علي” تولى العرش ابنه “إسماعيل” سنة ألف وثمانمائة وثلاث وستين، وكان “إسماعيل” مفتونًا بالحضارة الغربية، فأراد أن يهيئ في مصر حضارة شبيهة بما رآها في فرنسا، بل أراد أن يجعل من مصر قطعةً من أوروبا كما يقول المؤرخون.

وكان الخديوي “إسماعيل” مغرمًا بالفنون، مثل: العمارة، والتمثيل، والموسيقى، وما إلى ذلك، وكان يحب أن يظهر بمظهر الحاكم المتحضر، فأقام القصور الفخمة، واستقدم فرق التمثيل والموسيقى من أوروبا، وأنشأ دار الأوبرا، ودار الكتب، وأعاد الصلة الوثيقة بأوروبا، فأرسل البعثات العلمية إليها، واستقدم الخبراء والعلماء منها، وقام بإحياء قلم الترجمة، فَدَّبَ بذلك كله نشاط جديد في الحياة العلمية في مصر.

وقد كان ولي قبل “إسماعيل” بعد “محمد علي” الخديوي “عباس الأول” والخديوي “سعيد” ولم تكن النهضة العلمية التي أرسَى أبوهما قواعدها في عهدهما ماضيةً في طريقها، فلما جاء “سعيد” بعدهما هو الذي أعاد إلى هذه النهضة سيرتها الأولى التي كانت لها في عهد “محمد علي”.

أنشئت في عهد “إسماعيل” كثير من المدارس الابتدائية والثانوية، وافتتحت في عهده أول مدرسة لتعليم البنات، وأنشئت مدرسة دار العلوم، وتكونت جمعيات ثقافية وجهت نشاطها إلى العناية بأمر التعليم، ونشر الثقافة، وأخذت على عاتقها إحياء التراث العربي في الدين والأدب وعلوم اللغة العربية، وظل الأزهر يؤدي دوره في التنوير والتثقيف، كما عادت مدرسة الألسن إلى نشاطها ونشطت الترجمة، واتسع مَيْدان الصحافة، وتعددت الصحف، وتنوعت اتجاهاتها بين صحف سياسية ورسمية وأدبية،… وهكذا.

وكان لا بد لـ”إسماعيل” ليقيم هذه النهضة من مال وفير، وكان بطبعه مسرفًا في الترف، فأدى به ذلك إلى الاستدانة من دول أوروبا، حتى أثقلت الديون كاهل مصر، واتخذت فرنسا وبريطانيا من ذلك ذريعةً للتدخل في شئون البلاد، وظلت النهضة الحديثة -التي أرسى قواعدها “محمد علي” في مصر- تتوقف أحيانًا وتنشط أحيانًا، وتمضي في طريقها وتتوقف بعض الوقت حسب الظروف السياسية، وحسب هِمة الولاة الذين حكموها.

ولكنها على أي حال، كانت خطواتٍ في الطريق الصحيح، لو قُدر لها أن تمضي في طريقها دون معوقات، لَكَان لمصر الآن شأن آخر بين دول العالم. لكن قدر الله وما شاء فعل.

مما تقدم يمكن أن تتعرف على عوامل النهضة العامة في مصر وفي العالم العربي، والتي بدأت بالحملة الفرنسية على مصر، ونحن لا نشيد بالحملة الفرنسية ولا نقول: إن الفرنسيين أرادوا للعالم العربي ولا لمصر أن ينهض، ولا كانوا يريدون الخير لهذه البلاد، إنما كانوا يريدون الخير لأنفسهم! لكنها كانت منبهًا، وكانت سببًا ومقدمةً لِمَا حدث بعدها من أحداث.

error: النص محمي !!