Top
Image Alt

النهي عن أن يبيع حاضرٌ لبادٍ

  /  النهي عن أن يبيع حاضرٌ لبادٍ

النهي عن أن يبيع حاضرٌ لبادٍ

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضرٌ لبادٍ))، رواه البخاري والنسائي.

الثاني: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يبيع حاضرٌ لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) رواه الجماعة إلا البخاري.

الثالث: وعن أنس رضي الله عنه قال: ((نُهينا أن يبيع حاضر لبادٍ))، وإذا قال الصحابي: “نهينا أو أمرنا” يكون حديثًا مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الذي يأمر الصحابي وينهاه هو الرسول صلى الله عليه وسلم فعندما يقول أنس: ((نهينا -أي: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، وإن كان أخاه لأبيه وأمه)) حديث متفق عليه.

ولأبي داود والنسائي: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع حاضرٌ لبادٍ وإن كان أباه أو أخاه)).

الرابع: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضرٌ لبادٍ، فقيل لابن عباس: ما قوله: لا يبيع حاضرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكون له سمسارًا)) رواه الجماعة إلا الترمذي.

ثانيًا: الشرح:

هذه الروايات تُحرِّم البيعَ الذي فيه غَررٌ؛ لأن الذي يأتي من البادية لا يعرف الأسعار، فلا يتلقى على أبواب الأسواق قبل أن يعرف الأسعار الحقيقية، فيبيع أو يبتاع له وهو لا يعرف الأسواق، ولكن يترك حتى يعرف الأسواق، ويعرف الأسعار؛ حتى لا يقع عليه ظلمٌ أو غررٌ، من هنا نهى الإسلام على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضرٌ لبادٍ ولو كان الحاضر أخًا والبادي أخوه أيضًا، لا بد أن يصل البادي إلى الأسواق، ثم بعد ذلك يكون البيع والشراء.

الشيخ موسى شاهين -حفظه الله وأجزل له المثوبة- أتى بهذه الأحاديث في كتابه (فتح المنعم شرح صحيح مسلم) وعلَّق عليها تعليقًا طيبًا، فروى الأحاديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطُب على خِطبة أخيه إلا بإذنٍ له)).

ثم انتقل إلى الحديث الذي معه، فقال: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يُتلقى الركبان لبيعٍ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبيع حاضرٌ لبادٍ، ولا تصروا الإبل والغنم، فَمَن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها رَدَّهَا، وصاعًا من تمر)).

في هذه الرواية نقطتان: ((لا يتلقى الركبان لبيع))، النقطة الثانية: ((لا يبيعُ حاضر لباد)).

فقام بالتعليق على هذه الأحاديث، فقال في تعليقه: كان من أهم أهداف الإسلام: غَرْس المودة والمحبة، والترابط والانتفاء والانتماء، والتفاعل الصحيح بين أفراد المجتمع، وقد نجحت التشريعاتُ الإسلامية في بلوغ هدفها في فترة وجيزة؛ لحرص الأمة آنذاك على الاستجابة والالتزام، فقال تعالى: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] وللمودة والترابط أسباب، كما أن العداوة والبغضاء لها الأسباب المناقضة لأسباب المودة، وأهم أسباب هذه وتلك: المعاملات؛ مالية كانت أو اجتماعية.

ثم تعرَّض بعد ذلك إلى أن تلقي الركبان والغرر بهم أو بيع الحاضر للبادي، قد يؤدي إلى التناحر والتنافر لا إلى المودة بين المسلمين.

هذه الأحاديث أيضًا التي رويناها -في عدم بيع الحاضر للبادي- رواها أيضًا الأمير الصنعاني، فروى عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تلقوا الركبان)) يعني: لا تقفوا على أبواب الأسواق فتتلقوا بأهل البادية، وهم معروفون بالركبان أو غيرهم، ((فتقابلونهم قبل أن يصلوا إلى السوق، فتبيعوا وتبتاعوا لهم))، وهم لا يعرفون حقيقة الأسواق.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تلقوا الركبان ولا يبيع حاضر لباد، قلت لابن عباس -القائل طاوس: ما قوله: ولا يبع حاضر لباد، قال: لا يكون له سمسارًا)) حديث متفق عليه، واللفظ للبخاري.

اشتمل الحديث على النهي عن صورتين من صور البيع:

الصورة الأولى: النهي عن تلقي الركبان، أي: الذين يجلبون إلى البلد أرزاقَ العباد للبيع؛ سواء كانوا ركبانًا أو مشاةً، فكلمة “ركبان” على الأغلب يعني التجار سواء كانوا راكبين أو ماشين، لكن قال: ((الركبان)) لأن الغالب أن التجار يكونوا راكبين عندما يأتون للتجارة، جماعة كانوا أو واحدًا، يعني: الحديث قال: ((الركبان)) بالجمع، حتى لو تاجر واحد، لا يلقى على أبواب الطرق، سواء كان جمعًا أو واحدًا، وإنما خرج الحديث على الأغلب في أن الجالب يكون عددًا -قوافل تجارية- وأما ابتداء التلقي فيكون ابتداؤه من خارج السوق الذي تُباع فيه السلعة.

وفي حديث ابن عمر: ((كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام)) وفي لفظ آخر بيان أن التلقي لا يكون في السوق، قال ابن عمر: ((كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه)) لا بد أن ينقل إلى السوق، أخرجه البخاري.

فدل على أن القصد إلى أعلى السوق لا يكون تلقيًا، وأن منتهى التلقي ما فوق السوق.

وقالت الهادوية والشافعية: إنه لا يكون التلقي إلا خارج البلد، يعني: يخرجوا خارج البلد ليتلقوا أهل التجارة -الركبان- فيبيعون لهم ويشترون قبل أن يصلوا إلى السوق.

وكأنهم نظروا إلى المعنى المناسب للمنع وهو تغرير الجالب، هذا البيع فيه نوع من الغرر، وتقدم سابقًا أنه يحرم البيع الذي فيه غرر، وهذا فيه تغرير الجالب، فإنه إذا قدم إلى البلد أمكنه معرفة السعر وطلب الحظ لنفسه، فإن لم يفعل ذلك فهو من تقصيره، واعتبرت المالكية وأحمد وإسحاق السوق مطلقًا عملًا بظاهر الحديث، والنهي ظاهر في التحريم، حيث كان قاصدًا التلقي، عالِمًا بالنهي عنه، وعن أبي حنيفة والأوزاعي: أنه يجوزُ التلقي إذا لم يُضر بالناس، فإن ضر كُرِهَ، فإن تلقاه فاشترى صح البيع عند الهادوية والشافعية، وثبت الخِيار عند الشافعية -يعني: للبائع- لِمَا أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ((لا تلقوا الجلب، فإن تلقاه إنسان فاشتراه، فصاحبه بالخيار إذا أتَى السوق))، ظاهر الحديث: أن العلة في النهي نَفْع البائع وإزالة الضرر عنه، وقيل: نفع أهل السوق؛ لحديث ابن عمر: ((لا تلقوا السلع حتى تهبطوا بها السوق)).

واختلف العلماء: هل البيع معه صحيح أو فاسد؟

فعند من ذكرناه قريبًا أنه صحيح؛ لأن النهي لم يرجع إلى نفس العقد، ولا إلى وصف ملازم له، فلا يقتضي النهي الفساد، وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه فاسدٌ؛ لأن النهي يقتضي الفساد مطلقًا وهو الأقرب، وقد اشترط جماعة من العلماء لتحريم التلقي شرائط، أو شروطًا، فقيل: يشترط في التحريم أن يكذب المتلقي في سعر البلد، ويشتري منهم بأقل من ثمن المِثل، يعني: متى يحرم التلقي؟ إذا كذب على مَن أتى بالسلعة وقال له: الأسعار كذا وكذا وهي تخالف الأسعار الحقيقية في داخل السوق، وقيل: أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول، يعني: يقول لهم: فيه مشقة وتكلفة ومصاريف كثيرة عليكم، وقيل: أن يخبرهم بكساد الأسواق، يقولُ لهم: السوقُ نائمةٌ، وقيل: أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم، وهذه تقييدات لم يدل عليها دليل، بل الحديث أطلق النهي، والأصل فيه التحريم مطلقًا.

الصورة الثانية: ما أفاده قوله: ((ولا بيع حاضر لباد))، أو((لا يبيع حاضر لباد))، وقد فسره ابن عباس بقوله: “لا يكون له سمسارًا” بسينين مهملتين وهو في الأصل القيم بالأمر والحافظ، ثم اشتُهر في متولي البيع والشراء لغيره بالأجرة، كذا قيده البخاري، وجعل حديثَ ابن عباس مقيدًا لِمَا أطلق من الأحاديث، وأما بغير أجرة فجعله من باب النصيحة والمعاونة، فأجازه، وظاهر أقوال العلماء: أن النهي شامل لما كان بأجرة وما كان بغير أجرة، وفسر بعضهم صورة بيع الحاضر للبادي: بأن يجيء البلدَ غريب بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه الحاضر فيقول: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأعلى من هذا السعر.

ثم من العلماء من خص هذا الحكم بالبادي، وجعله قيدًا، ومنهم من ألحق به الحاضر إذا شاركه في عدم معرفة السعر، أي واحد لا يعرف السعر لا تغرر به، بل انتظر حتى يصل إلى السوق، سواء كان من البادية أو كان من الحضر.

وقال: ذكر البادي في الحديث خرج مخرج الغالب، فأما أهل القرى الذين يعرفون الأسعارَ فليسوا بداخلين في ذلك، ثم منهم من قيد ذلك بشرط العلم بالنهي، يعني: أن يعلم -الذي يتلقى الركبان- بأن ذلك حرام وأنه منهي عنه، فإذا كان لا يعلم فيجوز له ذلك، ويكون المتاع المجلوب مما تعم به الحاجة، وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي، فلو عرضه البدوي على الحضري لم يُمنع.

وكل هذه القيود لا يدل عليه الحديث، بل استنبطوها من تعليلهم للحديث بعلل متصيدة من الحكم.

ثم قد عرفتَ أن الأصل في النهي التحريم، وإليه هنا ذهبت طائفة من العلماء، وقال آخرون: إن الحديثَ منسوخ، وإنه جائز مطلقًا كتوكيله، وإلى حديث النصيحة، ودعوى النسخ غير صحيحة؛ لافتقارها إلى معرفة التاريخ؛ ليعرف المتأخر، وحديث النصيحة: ((إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له)) مشروط فيه: أنه إذا استنصحه نصحه بالقول لا أن يتولى له البيع، وهذا في حكم بيع الحاضر للبادي، وكذلك الحكم في الشراء له، فلا يشتري حاضر لباد، وقد قال البخاري: باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة، قال ابن حبيب المالكي: الشراء للبادي كالبيع لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض))، فإن معناه الشراء.

وأخرج أبو عوانة في صحيحه عن ابن سيرين، قال: “لقيت أنس بنَ مالك، فقلت: ((لا يبع حاضر لبادٍ)) أما نُهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نعم”، وأخرجه أبو داود، وعن ابن سيرين عن أنس كان يقال: “لا يبع -أو لا يبيع- حاضر لباد” وهي كلمة جامعة، لا يبيع له شيئًا ولا يبتاع له شيئًا، يعني: لا يبيع له ولا يشتري له. فإن قيل: قد لوحظ في النهي عن تلقي الجلوبة عدم غبن البادي، يعني: عدم ظلمه، ولوحظ في النهي عن بيع الحاضر للبادي الرفق بأهل البلد، واعتبر فيه غبن البادي، وهو كالتناقض.

فالجواب: أن الشارع يلاحظ مصلحة الناس، ويقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الواحد، ولا يقدم مصلحةَ الواحد على مصلحة الجماعة، ولما كان البادي إذا باع لنفسه انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصًا، فانتفع به جميع سكان البلد، لاحظ الشارع نفعَ أهل البلد على نفع البادي، ولما كان في التلقي إنما ينتفع خاصةً -وهو واحد- لم يكن في إباحة التلقي مصلحة، لا سيما وقد تنضاف إلى ذلك عِلة ثانية، وهي لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم في الرخص وقطع الموارد عليهم، وهم أكثر من المتلقَّى، نظر الشارع لهم، فلا تناقض بين المسألتين بل هما صحيحتان في الحكمة والمصلحة، ولا داعي بالقول بأن ذلك الحديث منسوخ.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تلقوا الجلب، فَمَن تلقى فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار)) هذا الحديث رواه مسلم.

قوله: ((لا تلقوا الجلب))، الجلب -بفتح اللام: مصدر بمعنى المجلوب، وتقدم الكلام عليه، وأن هذا الحديث دليل على ثبوت الخيار للبائع، وظاهره ولو شراه المتلقي بسعر السوق، فإن الخيار ثابت، والله سبحانه وتعالى أعلم.

عن أبي هريرة أيضًا: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع حاضرٌ لبادٍ)) الحديث، وسيأتي بعد ذلك برمته.

الإمام الشوكاني تناول هذه الأحاديث فشرحها شرحًا وافيًا، فقال:

الحاضر: ساكن الحضر، والبادي: ساكن البادية، قال في (القاموس): الحضر والحاضرة والحضارة، وتفتح، خلاف البادية ، والحضارة: الإقامة في الحضر، ثم قال: والحاضر خلاف البادي، وقال: البدو والبادية والبادات والبداوة خلافُ الحضر، وتبدي: أقام بها، وتبدَّى: أقام بها، وتبادَى: تشبه بأهل البادية، والنسبة: بدوي وبدوي، وبَدَى القوم أي: خرجوا إلى البادية.

قوله: ((دعوا الناس…)) إلى آخر الحديث، في (مسند أحمد) من طريق عطاء بن السائب عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، حدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل فلينصح له))، رواه البيهقي من حديث جابر.

وقوله: ((لا تلقوا الركبان)) تكلمنا عليه من خلال الأمير الصنعاني في كتابه (سبل السلام).

ثم شرح كلمة: “سمسارًا” فقال: بسينين مهملتين، قال الإمام ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري): وهو في الأصل القيم بالأمر والحافظ له، اسمه “السمسار”، ثم استُعمل فيمن تولى أمر البيع والشراء لغيره.

يقول الشوكاني: وأحاديثُ الباب تدل على أنه لا يجوز للحاضر أن يبيع للبادي من غير فَرْق بين أن يكون البادي قريبًا له أو أجنبيًّا، وسواء كان في زمن الغلاء أولى، وسواء كان يحتاج إليه أهل البلد أم لا، وسواء باعه له على التدريج أم باعه دفعةً واحدةً، وقالت الحنفية: إنه يختص المنع من ذلك بزمن الغلاء، وبما يحتاج إليه أهل المصر -يعني: أهل المكان- وقالت الشافعية والحنابلة: إن الممنوع إنما هو يجيء البلد بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه الحاضر فيقول: ضَعْه عندي؛ لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر.

قال الحافظ في (فتح الباري): فجعلوا الحكم مَنوطًا بالبادي، ومن شاركه في معناه، قالوا: وإنما ذكر البادي في الحديث؛ لكونه الغالب، فألحق به مَن شاركه في عدم معرفة السعر من الحاضرين، وجعلت المالكية البداوةَ قيدًا. وعن مالك: لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا مَن كان يشبهه، فأما أهل القرى -الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق- فليسوا داخلين في ذلك.

وحَكَى ابن المنذر عن الجمهور: أن النهي للتحريم إذا كان البائع عالمًا والمبتاع مما تعم الحاجة إليه، ولم يعرضه البدوي على الحضري، ولا يخفَى أن تخصيص العموم بمثل هذه الأمور من التخصيص بمجرد الاستنباط، وقد ذكر ابن دقيق العيد فيه تفصيلًا، حاصله: أنه يجوز التخصيص به، حيث يظهر المعنى لا حيث يكون خفيًّا، فاتباع اللفظ أولى، ولكنه لا يطمئن الخاطر إلى التخصيص به مطلقًا، فالبقاء على ظواهر النصوص هو الأولى، فيكون بيع الحاضر للبادي محرمًا على العموم، وسواء كان بأجرة أم لا، وهذا هو الأرجح. والله أعلم.

error: النص محمي !!