Top
Image Alt

النهي عن الجزم لأحد من أهل القبلة بجنةٍ ولا نارٍ إلا مَن جزَم له الرسول -صلى الله عليه وسلم.

  /  النهي عن الجزم لأحد من أهل القبلة بجنةٍ ولا نارٍ إلا مَن جزَم له الرسول -صلى الله عليه وسلم.

النهي عن الجزم لأحد من أهل القبلة بجنةٍ ولا نارٍ إلا مَن جزَم له الرسول -صلى الله عليه وسلم.

ويقول أهل السنة أيضًا في هذه المسألة المرتبطة بعدم تكفير المسلم بذنب ما لم يستحله بعد إقامة الحجة عليه؛ وعدم تكفير أصحاب البدع، قالوا: ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا مَن جزَم له الرسول صلى الله عليه وسلم لكنَّا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، حيث إن الشهادة بالجنة أو بالنار ليس للعقل فيها مدخل، فهي موقوفة على الشرع، فمَن شهِدَ له الشارع بذلك شهدنا له، ومَن لا فلا. لكننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء.

وتنقسم الشهادة بالجنة أو بالنار إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة: هي المعلقة بالوصف مثل أن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، أو لكل كافر بأنه في النار، أو نحو ذلك من الأوصاف التي جعلها الشارع سببًا لدخول الجنة أو النار. والخاصة: هي المعلقة بشخص، مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة، أو لشخص معين بأنه في النار، فلا نعين إلا ما عينه الله أو رسوله.

والمعينون من أهل الجنة كثيرون، ومنهم العشرة المبشرون بالجنة، اختصوا بهذا الوصف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمعهم في حديث واحد، فقال: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)).

المعينون من أهل النار في الكتاب والسنة:

بعد أن ذكرت العشرة المبشرين بالجنة كنموذج أو كمثال، وإلا فقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لآخرين بالجنة، كما شهد بالجنة للحسن والحسين، وثابت بن قيس، فقال صلى الله عليه وسلم عن الحسين والحسين: ((الحسن والحسين سيدَا شبابِ أهل الجنة)) وقال صلى الله عليه وسلم في ثابت بن قيس: ((إنك لستَ من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة)) وهكذا.

وأما المعينون من أهل النار في الكتاب والسنة، فمن المعينين بالقرآن أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، عمُّ النبي صلى الله عليه وسلم وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان؛ لقوله تعالى: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد: 1- 5].

ومن المعينين بالسنة أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب، عم النبي صلى الله عليه وسلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغُه)) ومنهم عمرو بن عامر بن لحى الخزاعي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأيته يجر أمعاءه في النار)).

وبعد الكلام عمن نشهد له بالجنة والنار نقول:

لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، ونرى الحج والجهاد ماضيًا مع طاعة كل إمام برًّا كان أو فاجرًا. وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، وفي الحديث قال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله عز وجل حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار”. رواه أبو داود وإن كان في سنده ضعف.

ومن ثم فلا يجوز تكفير أهل القبلة بالمعاصي، وأهل القبلة هم المسلمون المُصلون إليها، لا يكفرون بفعل الكبائر ولا يخرجون من الإسلام بذلك، ولا يخلدون في النار؛ لقوله تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] إلى قوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10] فأثبت الأخوة الإيمانية مع القتال وهو من الكبائر، ولو كان كفرًا لانتفت الأخوة الإيمانية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: مَن كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه)) يعني: من النار. متفق عليه.

وخالف في هذا طائفتان؛ الأولى: الخوارج قالوا: فاعل الكبيرة كافر خالد في النار، والثانية: المعتزلة قالوا: فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان ليس بمؤمن ولا كافر في منزلة بين منزلتين، هو خالد في النار.

ونرد على الطائفتين بما يأتي: مخالفتهم لنصوص الكتاب والسنة، ومخالفتهم لإجماع سلف الأمة. وقد سبق بيانه.

ومن السنة: هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة، والمراد بهجران أهل البدع الابتعاد عنهم، وترك محبتهم، وموالاتهم، والسلام عليهم، وزيارتهم وعيادتهم، ونحو ذلك.

فهجران أهل البدع واجبٌ؛ لقول الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] ولأن النبي صلى الله عليه وسلم هجر كعب بن مالك وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك. لكن إن كان في مجالستهم مصلحة لتبيين الحق لهم، وتحذيرهم من البدعة، فلا بأسَ بذلك، وربما يكون ذلك مطلوبًا؛ لقوله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 125].

وهذا قد يكون بالمجالسة والمشافهة، وقد يكون بالمراسلة والمكاتبة. ومن هجر أهل البدع تلك النظر في كتبهم؛ خوفًا من الفتنة بها أو ترويجها بين الناس، فالابتعاد عن مواطن الضلال واجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الدجال: ((من سمع به فلينأى عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات)) رواه أبو داود بإسناد صحيح.

لكن إن كان الغرض من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للرد عليها، فلا بأسَ بذلك لِمَن كان عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصن به، وكان قادرًا على الرد عليهم، بل ربما كان واجبًا؛ لأن رد البدعة واجب، “وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.

error: النص محمي !!