Top
Image Alt

النهي عن الخلوة بالأجنبية

  /  النهي عن الخلوة بالأجنبية

النهي عن الخلوة بالأجنبية

النهي عن الخلوة بالأجنبية والأمر بغض النظر، والعفو عن نظر الفجأة:

عن جابر أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فلا يخلُوَنَّ بامرأة ليس معها ذو محرم منها؛ فإن ثالثهما الشيطان)).

وعن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له؛ فإن ثالثهما الشيطان إلا محرم)) رواهما أحمد، وقد سبق معناه لابن عباس في حديث متفق عليه.

وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد)).

وعن جرير بن عبد الله قال: ((سألت رسول الله صلى الله عليه  وسلم عن نظر الفجأة فقال: اصرف بصرك)) رواهما أحمد ومسلم.

وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم لعليّ: ((يا علي؛ لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة)).

في ضوء هذه الأحاديث نرى أنه إذا كان الشرع، قد أباح للرجل أن ينظر إلى من يريد خطبتها وتزوجها؛ لكي تتجه نفسه إلى خطبتها، أو لكي يكون على بصيرة ويتقدم إليها، فإن الشرع كان حريصًا فنهى أن يخلو الرجل بمخطوبته، أو بالمرأة على وجه العموم؛ لأن تحت هذا الموضوع تأتي فتن كثيرة، وتُرتكب فواحش كبيرة.

وإذا كانت الخطبة هي مجرد وعد بالزواج، وليست زواجًا شرعيًّا -كما سبق أن ذكرنا- فلا يباح للخاطب أن يخلو بخطيبته؛ لأن ذلك شيء محرم قبل عقد الزواج، حتى يتم هذا العقد؛ لظاهر الحديث السابق، فالخلوة بالأجنبية مجمع على تحريمها، كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر في (الفتح).

وعلة التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما، وحضور الشيطان قد يوقعهما في المعصية، أما مع وجود المحرم فالخلوة بالأجنبية جائزة؛ لامتناع وقوع المعصية مع حضوره.

واختلفوا هل يقوم غيره مقامه في ذلك كالنسوة الثقات؟ فقيل: يجوز لضعف التهمة. وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر الحديث، وهذا كله يبين لنا علة التحريم: وهو في الحديث المذكور من كون الشيطان ثالثهما.

أما ما يحدث في عصرنا اليوم من تصرفات بعض الناس، الذين لم يتمسكوا بتعاليم دينهم وعُرْف بلادهم، فتراهم قد تركوا الحبل على الغارب للخاطب مع خطيبته، تمشيًا مع الحضارة المزيفة والتقليد الأعمى لبلاد الغرب، مما أدى إلى أوخم العواقب التي شاهدناها وقرأناها على صفحات الجرائد اليومية.

ومثل ذلك خروجهما معًا إلى الأماكن العامة وغيرها، مما هو ممنوع شرعًا، بل إنه لا يحقق الغاية المرجوة؛ إذ كل منهما يظهر على حقيقته؛ كما قيل: كل خاطب كاذب، ولأن الخاطب قد يتعجل الأمور، ويستجيب لتلبية غريزته الجنسية، ويضعف عن مقاومتها في حال الانفراد بمخطوبته، فيقع الضرر بها، وتتأثر سمعتها عند العدول عن الخطبة، ومن المؤسف أن الفتاة نفسها في هذه الحالة هي التي تجني الثمرات المُرة لهذه العواقب الوخيمة.

وعلى العكس من ذلك، فإننا في الوقت نفسه نرى بعضًا ممن يتعنتون في هذه الناحية، فيرفضون أن يرى الخاطب بناتهم عند الخطبة، مع أن هذا الشيء قد أباحه الدين، واستحسنه الرسول الكريم صلى الله عليه  وسلم بل أرشد إليه بعضًا من الصحابة في كثير من الأحاديث الصحيحة.

وهذا -دون شك- أمر يحول دون وقوع كثير من المشكلات والأزمات، إذا كان الدين قد اشترط في الرؤية وجود محرم للمخطوبة، كأبيها أو عمها أو خالها أو نحو ذلك، فلا مانع حينئذ من الخلوة بالأجنبية؛ لامتناع وقوع المعصية بينهما مع حضوره.

واختلف العلماء في حضور المحرم، هل يقوم غيره مقامه في ذلك كالنسوة الثقات؟ فقيل -كما تقدم ذكره-: يجوز؛ لضعف التهمة. وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر الحديث؛ لأن الخطبة مهما يقم حولها من مظاهر الإعلام، فلا تزيد عن كونها تأكيدًا وتثبيتًا لشأنها.

والخطبة -على أية حال- لا يترتب عليها أي حق للخاطب، إلا حجز المخطوبة، بحيث يحظر على غير الخاطب أن يتقدم لخطبتها؛ لقوله صلى الله عليه  وسلم: ((ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه)) والمخطوبة أجنبية عن الخاطب حتى يتم زواجه بها.

ولا تنتقل المرأة إلى دائرة الزوجية إلا بعقد شرعي صحيح، والركن الأساسي في العقد الإيجاب والقبول، وما دام هذا العقد بإيجابه وقبوله لم يتحقق، فالزواج لم يحدث أيضًا لا عرفًا ولا شرعًا، بل ولا قانونًا، وتظل هذه المخطوبة أجنبية عن خطيبها، لا يحل له بها الخلوة، ولا السفر معها دون وجود أحد محارمها معهما، كأبيها أو أخيها.

وهذا هو الموقف الحكيم المعتدل دون إفراط ولا تفريط، وفي هذا أمان وضمان، وبُعْد عن التعرض لمخاطر الاحتمالات في المستقبل؛ مِن فسخ الخطبة وغيرها، مما لا يُحْمَد عقباه.

قال: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل…)) هذا الحديث فيه دليل على أنه يحرم على الرجل النظَر إلى عورة الرجل، وعلى المرأة النظَر إلى عورة المرأة، وهذا من الأمور المتفق عليها.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((ولا يفضي الرجل)) فيه دليل أيضًا على أنه يحرم أن يضطجع الرجل مع الرجل، أو تضطجع المرأة مع المرأة في ثوب واحد، مع الإفضاء ببعض البدن؛ لأن ذلك مظنة لوقوع المحرم من المباشرة أو مس العورة أو غير ذلك.

قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم لعلي: ((يا علي لا تتبع النظرة النظرة…)) هذا الحديث فيه دليل على أن النظر الواقع فجأة من دون قصد وتعمد، لا يوجب إثم الناظر؛ لأن التكليف به خارج عن الاستطاعة؛ وإنما الممنوع منه النظر الواقع على طريقة التعمد، أو ترك صرف البصر بعد نظر الفجأة. وقد استدل بذلك من قال بتحريم النظر إلى الأجنبية.

من جملة هذه الأحاديث يتبين لنا حرص الإسلام على أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعًا طاهرًا نقيًّا عفيفًا.

error: النص محمي !!