Top
Image Alt

النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه

  /  النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه

النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن ابن عمر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛ نهى البائع والمُبتاع)) رواه الجماعة إلا الترمذي.

وفي لفظٍ: ((نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة)) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.

الثاني: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تتبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها)) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه.

الثالث: وعن أنسٍ: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد)).

الرابع: وعن أنسٍ: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تزهى، قالوا: وما تزهى؟ قال: تحمر، وقال: إذا منع الله الثمرة فَبِمَ تستحلُّ مال أخيك؟!)) أخرجاه أي: البخاري ومسلم.

ثانيًا: الشرح:

حديث أنس الأول أخرجه -أيضًا- ابن حبان والحاكم وصححه.

قوله: ((يبدو)) بغير همز أي يظهر.

و((الثمار)) بالمثلثة، جمع ثمرة بالتحريك، وهي أعم من الرطب وغيره.

قوله: ((صلاحها)) أي: حمرتها وصفرتها، وفي رواية لمسلم: ((ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته)) أي: لا يُخاف عليه.

واختلف السلف: هل يكفي بدو الصلاح في جنس الثمار، حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلًا جاز بيع جميع البساتين؟ أو لا بد من بُدو الصلاح في كل بستان على حدة أو لا؟ أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة؟ أو في كل شجرة على حده؟

اختلفوا في ذلك على أقوال:

الأول: قول الليث -وهو قول المالكية- بشرط أن يكون متلاحقًا.

الثاني: قول أحمد.

الثالث: قول الشافعية.

الرابع: رواية عن أحمد بن حنبل.

قوله: ((نهى البائع والمبتاع)) أي: البائع والمشتري؛ أما البائع: فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري: فنهاه لئلا يضيّع ماله، ولئلا يساعد البائع على الباطل.

قوله: ((تزهو)) يُقال: زهى النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يزهي؛ إذا احمرَّ واصفرَّ، هكذا في (الفتح)، وقال: الخطابي: إنه لا يقال: في النخل تزهو؛ إنما يقال: تزهَى لا غير، وهذه الرواية ترد على من قال ذلك.

قوله: ((نهى عن بيع السُّنْبُل حتى يبيض)) بضم السين، السُّنْبُل -وسكون النون وضم الباء الموحدة- سنابل الزرع. ((حتى يبيض)) قال النووي: معناه يشتد حبُّه، وذلك بدو صلاحه.

قوله: ((ويأمن العاهة)) هي الآفة؛ تصيبه فيفسد؛ لأنه إذا أُصيب بها كان أخذ ثمنه من أكل أموال الناس بالباطل.

وقد أخرج أبو داود عن أبي هريرة -مرفوعًا: ((إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا رُفِعَتْ الْعَاهَةُ عَنْ كُلِّ بَلَدٍ))، وفي رواية: ((رُفِعَتْ الْعَاهَةُ عَنْ الثِّمَارِ))، والنجم هو الثريا، وطلوعها صباحًا يقع في أول فصل الصيف، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار.

وأخرج أحمد من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة قال: “سَأَلْت اِبْنَ عُمَرَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ فَقَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَذْهَبَ الْعَاهَةُ)). قُلْت: وَمَتَى ذَلِكَ؟ قَالَ: حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا.

قوله: ((حتى يسود)) زاد مالك في (الموطأ): فإنه يسود ينجو من العاهة والآفة، واشتداد الحب قوته وصلابته.

قوله: “إذا منع الله الثمر …” إلى آخره. صرح الدارقطني بأن هذا مدرج من قول أنس، وقال: رفعه خطأ، يعني: هذه الجملة من زيادة سيدنا أنس في الحديث، والذي يرفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون مخطئًا، ولكنه قد ثبت مرفوعًا من حديث جابر عند مسلم بلفظ: ((إن بعت من أخيك تمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟!)) وفيه دليل على وضع الجوائح؛ لأن معناه: أن الثمر إذا تلف كان الثمن المدفوع بلا عِوَض؛ فكيف يأكله البائع بغير عِوَض؟.

والأحاديث المذكورة في الباب تدل على أنه لا يجوز بيع الثمر قبل بدو صلاحها، وقد اختُلف في ذلك على أقوال:

الأول: أنه باطل مطلقًا، وهو قول ابن أبي ليلى والثوري، وهو ظاهر كلام الهادي والقاسم، قال في (الفتح): ووهم من نقل الإجماع فيه.

الثاني: أنه إذا شرط القطع لم تبطل، وإلا بطل، وهو قولٌ للشافعي وأحمد ورواية عن مالك، ونسبه الحافظ إلى الجمهور، وحكاه في (البحر) عن المؤيًّد بالله.

الثالث: أنه يصح إن لم يشترط التبقية، وهو قول أكثر الحنفية، قالوا: والنهي المحمول عن بيع الثمار قبل أن توجد أصلًا، وقد حكى صاحب (البحر) الإجماع على عدم جواز بيع الثمر قبل خروجه، وحكى أيضًا الاتفاق على عدم جواز بيعه قبل صلاحه بشرط البقاء، وحكى أيضًا عن الإمام يحيى أنه خصّ جواز البيع بشرط القطع بالإجماع، وحكى عنه أيضًا أنه يصح البيع بشرط القطع إجماعًا، ولا يغفل ما في دعوى بعض هذه الإجماعات من المجازفة، وحكى في (البحر) أيضًا عن زيد بن علي والمؤيّد بالله والإمام يحيى وأبي حنيفة والشافعي: أنه يصح بيع الثمر قبل الصلاح؛ تمسكًا بعموم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ } [البقرة: 275]. قال أبو حنيفة: ويؤمر بالقطع. والمشهور: مذهب الشافعي.

فأما البيع بعد الصلاح فيصح مع شرط القطع إجماعًا، ويفسد مع شرط البقاء إجماعًا؛ إن جهلت المدة، كذا في (البحر).

قال الإمام يحيى: فإن عُلِمَت المدة صحّ عند القاسمية إذ لا غرر، وقال المؤيد بالله: لا يصح النهي عن بيع وشرط، واعلم أن ظاهر أحاديث الباب وغيرها المنع من بيع الثمر قبل الصلاح، وأن وقوعه في تلك الحالة باطل، كما هو مقتضى النهي.

ومن ادعى أن مجرد شرط القطع يصحح البيع قبل الصلاح فهو محتاج إلى دليل يصلح لتقييد أحاديث النهي، ودعوى الإجماع على ذلك لا صحة لها، لما عرفت من أن أهل القول الأول يقولون بالبطلان مطلقًا.

وقد عوّل المجوزون مع شرط القطع في الجواز على علل مستنبطة، فجعلوها مقيدة للنهي، وذلك مما لا يفيد من لم يسمح بمفارقة النصوص لمجرد خيالات عارضة وشبه واهية، تنهار بأيسر تشكيك، فالحق ما قاله الأولون من عدم الجواز مطلقًا، وهو ظاهر الأحاديث.

وظاهر النصوص أيضًا أن البيع بعد ظهور الصلاح صحيحًا؛ سواء شرط البقاء أم لم يشترط؛ لأن الشارع قد جعل النهي ممتدًّا إلى غاية بدو الصلاح، وما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها.

ومن ادعى أن شرط البقاء مفسدٌ فعليه الدليل، ولا ينفعه في المقام ما ورد من النهي عن بيع وشرط؛ لأنه لا يلزمه في تجويزه للبيع قبل الصلاح مع شرط القطع وهو بيع بشرط، وأيضًا ليس كل شرط في البيع منهي عنه؛ فإن اشتراط جابر بعد بيعه للجمل أن يكون له ظهر إلى المدينة قد صححه الشارع وهو شبيه بالشرط الذي نحن بصدده.

وتقدم أيضًا جواز البيع مع الشرط في النخل والعبد؛ لقوله: إلا أن يشترط المبتاع؛ وأما دعوى الإجماع على الفساد وشرط البقاء -كما سلف- فدعوى فاسدة؛ فإنه قد حكى صاحب (الفتح) عن الجمهور: أنه يجوز البيع بعد الصلاح بشرط البقاء، ولم يُحكَ الخلاف في ذلك إلا عن أبي حنيفة، وأما بيع الزرع أخضر وهو الذي يقال: له الفصيل، فقال ابن رسلان في (شرح السنن): اتفق العلماء المشهورون على جواز بيع الفصيل بشرط القطع، وخالف سفيان الثوري وابن أبي ليلى فقالا: لا يصح بيعه بشرط القطع، وقد اتفق الكل على أنه لا يصح بيع الفصيل من غير شرط القطع، وخالف ابن حزم الظاهري فأجاز بيعه بغير شرط؛ تمسكًا بأن النهي إنما ورد عن السنبل، قال: ولم يأتِ في منع بيع الزرع منذ نبت إلى أن يُسنبل نصٌّ أصلًا، ورُوي عن أبي إسحاق الشيباني قال: سألت عكرمة: عن بيع الفصيل؟ فقال: لا بأس، فقلت: أنه بسنبل؛ فكرهه. انتهى كلام ابن رسلان.

والحاصل: أن الذي في الأحاديث النهي عن بيع الحب حتى يشتد، وعن بيع السنبل حتى يبيض، وما كان من الزرع قد سنبل أو ظهر فيه الحب كان بيعه قبل اشتداد حبه غير جائز، وأما قبل أن يظهر فيه الحب والسنابل، فإن صُدق على بيعه حينئذٍ أنه مخاضرة كما قال البعض: إنه بيع الزرع قبل أن يشتد- لم يصح بيعه؛ لورود النهي عن المخاضرة، كما تقدم في باب النهي عن بيع الغرر؛ لأن التفسير المذكور صادق على الزرع الأخضر قبل أن يظهر فيه الحب والسنابل، وهو الذي يُقال: له الفصيل، ولكن الذي في (القاموس): أن المخاضرة بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وكذا في كثير من شروح الحديث، فلا يتناول الزرع لأن الثمار حمل الشجر كما في (القاموس)، وسيأتي في تفسير “المحاقلة” أو سبق تفسيره عند البعض؛ مما يرشد إلى أن بيع الزرع قبل أن تغلظّ سوقه أي عوده، فإن صح ذلك فذاك، وإلا كان الظاهر ما قاله ابن حزم من جواز بيع الفصيل مطلقًا.

وعند جابر قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة، والمزابنة، والمعاومة، والمخابرة)) وفي لفظ بدل: ((المعاومة)): ((وعن بيع السنين)).

وعن جابر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه))، وفي رواية: ((حتى يطيب))، وفي رواية: ((حتى يُطعَم)).

وعن زيد بن أبي أنيسة عن عطاء عن جابر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، وأن يشتريَ النخل حتى يشقه)).

والإشقاء: أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء.

والمحاقلة: أن يُباع الحِقل بكيلٍ من الطعام معلوم.

والمزابنة: أن يباع النخل بأوساق من التمر.

والمخابرة: الثلث والربع وأشباه ذلك.

قال زيد: قلت لعطاء: أسمعتَ جابرًا يذكر هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. متفق على جميع ذلك إلا الأخير؛ فإنه ليس لأحمد.

قوله: ((المحاقلة)) فقد اختلف في تفسيرها؛ فمنهم من فسرها في الحديث: هي بيع الحِقل بكيل من الطعام معلوم، وقال أبو عبيد: هي بيع الطعام في سنبله، والحِقل: الحرث وموضع الزرع، وقال الليث: الْحَقْلُ الزَّرْعُ إِذَا تَشَعَّبَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَغْلظَ سُوقُهُ.

وأخرج الشافعي في (المختصر) عن جابر بن عبد الله: أن المحاقلة أن يبيع الرجلُ الرجلَ الزرع بمائة فرق من الحنطة.

قال الشافعي: وتفسير المحاقلة والمزابنة في الأحاديث يُحتمل أن يكون عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويُحتمل أن يكون من رواية من رواه.

وفي النسائي عن رافع بن خديج، والطبراني عن سهل بن سعد: أن المحاقلة مأخوذة من الحقل جمع حقلة، قال الجوهري: وهي الساحات جمع ساحة.

وفي (القاموس): الحقل قِراح طيب يُزرع فيه كالحقلة، ومنه مثال يقول: لا ينبت البقلة إلا الحقلة، والزرع قد تشعب ورقه وظهر وكثر، أو إذا استجمع خروج نباته أو ما دام أخضر، وقد أحقل في الكل، والمحاقِل: المزارع، والمحاقلة: بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو بيعه في سنبله بالحنطة أو المزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة. انتهى.

وقال مالك: المحاقلة أن تكرى الأرض ببعض ما ينبت منها، وهي المخابرة، ولكنه يبعد هذا عطف المخابرة عليها في الأحاديث.

قوله: ((والمزابنة)) بالزاي والموحدة والنون، قال في (الفتح): هي مفاعلة من الزبن -بفتح الزاي وسكون الموحدة- وهو الدفع الشديد، ومنه سميت الحرب الزبون؛ لشدة الدفع فيها، وقيل للبيع المخصوص: مزابنة؛ كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع لفسخه وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع. انتهى.

وقد فسرت بما في الحديث -أعني: بيع نخل بأوساق من التمر- وفسرت بهذا، وببيع العنب بالزبيب -كما في (الصحيحين)- وهذان أصل المزابنة.

وألحق الشافعي بذلك كلَّ بيع مجهول أو معلوم من جنسٍ يجري الربا في نقده، وبذلك قال الجمهور. ووقع في (البخاري) عن ابن عمر: أن المزابنة أن يبيع الثمر بكيلٍ إن زاد فلي، وإن نقص فعليّ، وفي (مسلم) عن نافع: المزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وبيع الزرع بالحنطة كيلًا، وكذا في (البخاري).

وقال مالك: المزابنة: أنها بيع كل شيء من الجزاف، لا يُعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشيء يسمى من الكيل وغيره، سواء كان يجري فيه الربا أم لا.

قال ابن عبد البر: نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة؛ وهي المدافعة.

قال الحافظ في (الفتح): وفسّر بعضهم المزابنة بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهو خطأ.

قال: والذي تدل عليه الأحاديث في تفسيرها أولى.

وقيل: إن المزابنة المزارعة، وفي (القاموس): الزبن بيع كل تمر على شجره بتمر كيلًا.

قال: والمزابنة: بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر، وعن مالك: كل جزاف لا يُعلم كيله ولا عدده ولا وزنه أو بيع مجهول بمجهول من جنسه أو هي بيع المغابنة في الجنس الذي لا يجوز فيه الغبن.

قوله: ((والمعاومة)) بالميم، هي بيع الشجر أعوامًا كثيرة، وهي مشتقة من العام؛ كالمشاهرة من الشهر، وقيل: هي اكتراء الأرض سنين، وكذا بيع السنين: هي أن يبيع ثمر النخلة لأكثر من السنة في عقد واحد، وذلك لأنه بيع غرر؛ لكونه بيع ما لم يوجد.

وذكر الرافعي وغيره لذلك تفسيرًا آخر: وهو أن يقول: بعتك هذا سنة، على أنه إذا انقضت السنة فلا بيع بيننا، وأرد أنا الثمن وترد أنت المبيع.

قوله: ((والمخابرة)) سيأتي تفسيرها والكلام عليها في كتاب “المساقاة” و”المزارعة”.

قوله: ((حتى يطيب)) هذه رواية وما بعده من قوله: ((حتى يطعم)) ينبغي أن يقيد بهما سائر الروايات المذكورة.

قوله: ((حتى يشقه)) بضم أوله ثم شين معجمة ثم قاف، في رواية البخاري: ((حتى يشقح)) وهي الأصل، والهاء بدل من الحاء، واشقًا، وإشقاح النخل: احمراره واصفراره، كما في الحديث، والاسم: الشقحة.

وقد استُدل بأحاديث الباب ونحوها على تحريم المحاقلة والمزابنة وما شاركهما في العلة؛ لأن في كل ذلك غرر.

ما جاء في (سبل السلام) حول بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛ نهى البائع والمبتاع)) متفق عليه، وفي رواية: ((كان إذا سئل عن صلاحها؟ قال: حتى تذهب عاهتها)) وهي الآفة والعيب.

واختلف السلف في المراد من بدو الصلاح على ثلاثة أقوال:

الأول: أنه يكفي بدو الصلاح في جنس الثمار، بشرط أن يكون الصلاح متلاحقًا، وهو قول الليث والمالكية.

الثاني: أنه لا بد أن يكون في جنس تلك الثمرة المبيعة، وهو قول لأحمد.

الثالث: أن يعتبر الصلاح في تلك الشجرة المبيعة، وهو قول الشافعية.

ويفهم من قوله: “يبدو” أنه لا يشترط تكامله، فيكفي زهو بعض الثمرة وبعض الشجرة مع حصول المعنى المقصود وهو الأمان من العاهة، وقد جرت حكمة الله ألا تطيب الثمار دفعة واحدة؛ لتطول مدة التفكّه بها والانتفاع.

والحديث دليل على النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، والإجماع قائم على أنه لا يصح بيع الثمار قبل خروجها؛ لأنه بيع معدوم؛ وكذا بعد خروجها قبل نفعها، إلا أنه روى المصنف في (الفتح): أن الحنفية أجازوا بيع الثمار قبل بدو الصلاح وبعده، بشرط القطع، وأبطلوه بشرط البقاء قبله وبعده.

وأما بعد صلاحها ففيه تفاصيل؛ فإن كان بشرط القطع صحّ إجماعًا، وإن كان بشرط البقاء كان بيعًا فاسدًا إن جهلت المدة، فإن علمت صحت عند الهادوية ولا غرر، وقال المؤيد: لا يصح للنهي عن بيع وشرط، وإن أُطلق صحّ عند الهادوية وأبي حنيفة.

العاهة: هي الآفة التي تصيب الثمار، وقد بيّن ذلك حديث زيد بن ثابت قال: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتاعون الثمار، فإذا جذّ الناس وحضر تقاضيهم قال المُبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان -وهو فساد الطلع وسواده مرض وعاهات يحتجون بها- فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: ((فأما لا، فلاَ تَبْتَاعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُ الثَّمَرِ)) كالمشورة يشير بها لكثرة خصوماتهم” انتهى.

وأفهم قوله كالمشورة أن النهي للتنزيه لا للتحريم، كأنه فهمه من السياق وإلا فأصله التحريم، وكان زيد لا يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا؛ فيتبين الأصفر من الأحمر، وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا طلع النجم صباحًا رفعت العاهة من كل بلد)) والنجم الثريا والمراد طلوعه صباحًا، وهو في أول فصل الصيف، وذلك عند اشتداد الحر وابتداء نضج الثمار وهو المعتبر حقيقة هو طلوع الثريا علامة.

وعن أنس رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل: وما زهوها؟ قال: تحمار وتصفار)) وقد سبق الكلام على ذلك.

أيضًا هناك حديث عن أنس يقول: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد)).

وشرحنا جملة: ((عن بيع الحب حتى يشتد)) والآن نشرح جملة: ((عن بيع العنب حتى يسود)). هذا الحديث رواه الخمسة إلا النسائي.

المراد باسوداد واشتداد الحب: بدو صلاحه، فمعنى يسود العنب: أي يصير صالحًا للأكل وغير الأكل والعصر.

قال النووي: فيه دليل لمذهب الكوفيين وأكثر العلماء: فأنه يجوز بيع السنبل المشتد، وأما مذهبنا ففيه تفصيل؛ فإن كان السنبل شعيرًا أو ذرة أو مما في معناهما مما ترى حياته خارجة صح بيعه إن كان حنطة أو نحوها يعني قمحًا مما تستر حباته القشور التي لا تزال في الدباس، ففيه قولان للشافعي.

قال في الجديد: إنه لا يصح، وهو أصح قوليه.  وقال في القديم: أنه يصح.

error: النص محمي !!