Top
Image Alt

النوع الثاني من الانقطاع: الانقطاع الخفي

  /  النوع الثاني من الانقطاع: الانقطاع الخفي

النوع الثاني من الانقطاع: الانقطاع الخفي

بعد أن فرغنا من الكلام عن الحديث المعلق، والحديث المرسل، والحديث المنقطع، والحديث المعضل؛ نكون قد أنهينا الكلام عن النوع الأول من الانقطاع الظاهر، ونأتي الآن للكلام عن النوع الثاني من الانقطاع، وهو: الانقطاع الخفي:

ويدخل تحته نوعان:

النوع الأول: الحديث المدلَّس.

النوع الثاني: المرسل الخفي.

أولًا: الحديث المدلَّس:

تعريف المدلَّس لغة: المدلَّس: اسم مفعول فعله “دَلَس” -بفتح الدال واللام-: وهو الظلمة، واشتقاقه من الدلَس -بالتحريك-: وهو اختلاط الظلام بالنور الذي يكون سببًا لتغطية الأشياء عن البصر، يقولون: دلَس الشيء: إذا غطاه، والتدليس في البيع: كتمان عيب السلعة عن المشتري.

وأطلق المحدثون اسم المدلس على نوع من أنواع الانقطاع الخفي في الإسناد، يعني: أن التدليس أدى إلى تغطية هذا الانقطاع الذي وقع في الإسناد؛ فكأنه لتغطيته على الباحثين أظلم أمره ولم يجعله يهتدي إلى الساقط من الإسناد؛ كالذي يخفي عيب السلعة عن المشتري لاشتراكهما في الخفاء.

المدلِّس -بكسر اللام- اسم فاعل من دلس بفتح الدال واللام، أطلقه المحدثون على الراوي المباشر للتدليس.

أقسام التدليس:

ينقسم التدليس إلى قسمين:

القسم الأول: تدليس الإسناد.

القسم الثاني: تدليس الشيوخ.

أولًا: تدليس الإسناد:

تعريفه: اختلف العلماء في تعريف تدليس الإسناد؛ فمنهم من ضيق مفهوم التدليس، ومنهم من توسع فيه، وهذه تعريفاتهم:

التعريف الأول: أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه موهمًا سماعه منه؛ كأن يسمع الراوي من شيخه مائة حديث، ثم يروي عنه خمسين حديثًا أخرى بواسطة بينه وبين شيخه، ثم يروي هذه الأحاديث كلها عن شيخه مباشرة بدون ذكر الواسطة التي بينه وبين شيخه في الخمسين حديث الأخرى التي لم يسمعها منه.

وفي هذا التعريف تضييق لمفهوم التدليس؛ لأنه لا بد من أن يكون الراوي المدلس سمع ممن دلس عنه أحاديث بالفعل، وسمع أحاديث أخرى عنه بواسطة؛ فأسقط الواسطة التي بينه وبين شيخه في تلك الأحاديث التي لم يسمعها منه مباشرة بلفظ يوهم أنه سمعها منه مباشرة من غير واسطة بينهما.

وإلى هذا التعريف ذهب أبو بكر البزار، وأبو الحسن بن القطان، وأبو عمر بن عبد البر، وغيرهم.

قال الحافظ العراقي: قال أبو الحسن بن القطان في تعريف تدليس الإسناد: وهو أن يروي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه، قال: والفرق بينه وبين الإرسال: هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه، وقد سبق ابن القطان إلى ذلك أبو بكر البزار.

قال ابن عبد البر: وأما التدليس: فهو أن يحدث الرجل عن رجل قد لقيه وأدرك زمانه، وأخذ عنه وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه منه؛ وإنما سمعه من غيره عنه ممن رضي حاله أو لا؛ على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حاله مرضية لذكره؛ وقد يكون لأنه استصغره. هذا هو التدليس عند جماعتهم لا اختلاف بينهم في ذلك.

التعريف الثاني: أن يروي الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه؛ موهمًا سماعه منه. وهذا التعريف أعم من التعريف الأول؛ لأنه لم يشترط السماع بين الراوي ومن دلس عنه؛ كما يفهم من هذا التعريف أن التدليس لا يقع إلا بين راويين التقيا بالفعل، وإن كان لم يحصل لأحدهما السماع من الآخر.

وإلى هذا التعريف ذهب ابن الصلاح، وارتضاه الحافظ العراقي وشيخ الإسلام ابن حجر، وهو أولى التعاريف بالقبول…

قال ابن الصلاح: تدليس الإسناد: هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه.

قال الحافظ ابن حجر: تدليس الإسناد: أن يروي عمن لقيه شيئًا لم يسمعه منه بصيغة محتملة، ويلتحق به من رآه ولم يجالسه.

التعريف الثالث: أن يروي عمن عاصره ولم يلقَه؛ موهمًا أنه قد سمعه منه. وهذا التعريف أعم من التعريف الثاني لأنه لم يشترط اللقاء بين الراوي ومن دلس عنه بل اكتفى بالمعاصر فقط.

وإلى هذا التعريف ذهب ابن الصلاح والنووي.

قال ابن الصلاح: تدليس الإسناد: أن يروي عمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمع منه، وبهذا يتضح أن لتدليس الإسناد عند ابن الصلاح صورتان، قال الإمام النووي: التدليس: قسمان: أحدهما: بأن يروي عمن عاصره ما لم يسمع منه؛ موهمًا سماعه قائلًا: “قال فلان” أو “عن فلان” ونحوه، وخالف في ذلك الحافظ ابن حجر؛ حيث جعل هذه الصورة من المرسل الخفي لا من التدليس.

قال الحافظ ابن حجر: التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه؛ فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه؛ فهو المرسل الخفي، ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة -ولو بغير لقيا- لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب: التفرقة بينهما، ويدل على أن اعتبار اللقيا في التدليس دون المعاصرة وحدها لا بد منه: إطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم عن النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس؛ ولو كان مجرد المعاصرة يُكتفى به في التدليس لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم قطعًا؛ ولكن لا يعرف هل لقوه أم لا.

وممن قال باشتراط اللقاء في التدليس: الإمام الشافعي، وأبو بكر البزار، وكلام الخطيب في (الكفاية) يقتضيه وهو المعتمد.

التعريف الرابع: أن يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمع منه بلفظ لا يقتضي تصريحًا بالسماع، قال ابن عبد البر: واختلفوا في حديث عمن لم يلقه، مثل مالك عن سعيد بن المسيب؛ فقالت فرقة: هذا تدليس؛ لأنه لو شاء لسمى من حدثه، كما فعل في كثير مما بلغه عنه، قالوا: وسكوت المحدث عن ذكر من حدثه مع علمه به دُلسة.

وهذا التعريف أعم التعاريف؛ لأنه يدخل فيه كل صور الانقطاع؛ فيصدق مفهوم هذا التعريف على رواية الرجل عن رجل ما، لم يسمع منه ولم يقابله ولم يعاصره بلفظ يوهم اتصال الإسناد ولا يجزم بذلك، وهذا القول بعيد جدًّا عن مفهوم التدليس؛ حتى قال ابن عبد البر عقب هذا القول منكرًا على من توسع في مفهوم التدليس بهذه الصورة: فإن كان هذا تدليس؛ فما أعلم أحدًا من العلماء سلم منه في قديم الدهر ولا في حديثه؛ اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان؛ فإن هذين ليس يوجد لهما شيء من هذا؛ لا سيما شعبة فهو القائل: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس.

أولى هذه التعريفات الأربعة بالقبول هو التعريف الثاني، وهو الذي ارتضاه الحافظ العراقي وانتصر له شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، وبيَّن أنه مذهب الشافعي وغيره من العلماء، وقد سبق ذلك بالتفصيل.

ملحوظة:

يلاحظ أن المدلس يروي الأحاديث التي لم يسمعها ممن دلس عنهم بلفظ يوهم أنه سمعها منهم؛ لذلك يستخدم في ذلك ألفاظًا تحتمل السماع وغير السماع كـ: “عن” و”قال” و”أن فلانًا قال”؛ فيقول: عن فلان، أو قال فلان كذا، أو أن فلانًا قال كذا؛ فهذه الألفاظ ليست نصًّا في السماع؛ بل تحتمل السماع وغير السماع؛ لأنه لو استخدم فيما لم يسمع لفظًا هو نص في السماع كـ”سمعت” أو “حدثني” لا يكون بذلك مدلسًا؛ بل يكون كذابًا إذا تعمد ذلك، وحديثه يدخل في باب الحديث الموضوع.

error: النص محمي !!