Top
Image Alt

النية وكيفية اشتراطها في الصلاة، تقسيمات أركان الصلاة، التكبير وحكمه ولفظه، دعاء التوجه والبسملة

  /  النية وكيفية اشتراطها في الصلاة، تقسيمات أركان الصلاة، التكبير وحكمه ولفظه، دعاء التوجه والبسملة

النية وكيفية اشتراطها في الصلاة، تقسيمات أركان الصلاة، التكبير وحكمه ولفظه، دعاء التوجه والبسملة

أولًا: معرفة النِّية، وكيفيّة اشتراطها في الصّلاة:

الباب الثامن والأخير من أبواب شروط صحّة الصلاة، وهو: الباب الخاص بالنّية؛ وقد عنون له ابن رشد بقوله:

الباب الثامن: معرفة النّيّة، وكيفية اشتراطها في الصلاة.

وقد سبق أن تحدثنا عن النية في الوضوء، والغسل والطهارة.

وعرفنا أنها هي: القصد والعزم، وتوجيه العمل إلى الله سبحانه وتعالى. فإذا كانت النية مطلوبة في الوضوء أو الغسل أو التيمم، فإنها تكون مطلوبة من باب أوْلى في الصلاة.{ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [البيِّنة:5].

يقول ابن رشد: أمّا النية، فقد اتفق العلماء على كونها شرطًا من شروط صحّة الصلاة، لِكون الصلاة هي رأس العبادات التي وردت في الشّرع لغير مصلحة معقولة، يعني: لا نستطيع أن نحسّ المصلحة في هذا الأمر.

ويفصل ابن قدامة -رحمه الله-  القول في هذه القضية، فقال: تحت مسألة الخرقي: “وينوي بها المكتوبة -يعني: التكبيرة-، ولا نعلم خلافًا بين الأمّة في وجوب النية للصلاة، وأنّ الصلاة لا تنعقد إلاّ بها”.

يقول ابن قدامة: الأصل في هذه المسألة: قولهسبحانه وتعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [البيِّنة:5].

والإخلاص: عمَل القلب، وهو: النِّيّة، وإرادة الله وحْده دون غيره، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّما الأعمال بالنِّيّات، وإنّما لكلِّ امرئٍ ما نوى». ومعنى النية: القصْد. ومحلّها: القلب. وإنْ لَفَظ بما نواه كان تأكيدًا، فإن كانت الصلاة مكتوبة -من الفرائض- لَزِمتْه نية الصلاة بعيْنها.

أي: أنّ مِن فوائد النية: التمييز بين ما هو فرْض وما هو سُنّة.

ويقول ابن قدامة: “لو شكّ المصلي في أثناء الصلاة: هل نوى أو لم ينْو، أو شكّ في تكبيرة الإحرام، عندئذ نقول له: إنّ صلاتك غير صحيحة، وعليك أن تستأنف الصلاة؛ لأنّ الأصل عدم ما شكّ فيه”.

فإن ذكَر أنه كان قد نوى أو كبّر قبل قطْعها أو أخذ في عمل، فله البناء؛ لأنه لم يوجد مُبطل لها. وإذا أحرم بفريضة -أي: كبّر تكبيرة الإحرام- ثم نوى نقْلها إلى فريضة أخرى، بطلت الأولى لأنه قطع نيّتها، ولم تصحّ الثانية لأنه لم ينْوها من أوّلها.

وهناك جزئية مفيدة وهي: أنّ النية هل تتقدّم التكبير أو تتأخّر عنه؟

قال أصحاب الحنابلة-: يجوز تقديم النّية على التكبير بزمن يسير. وإن طال الفصل فسخ نيته بذلك، لم يُجْزه. وحمل القاضي كلام الخرقي على هذا وفسّره به؛ وهو مذهب أبي حنيفة.

وقال الشافعي وابن المنذر: يشترط مقارنة النية لتكبيرة الإحرام؛ لقوله تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}[البيِّنة:5]، فقوله:{ مُخْلِصِينَ }: حال لهم في وقت العبادة؛ فإن الحال وصف هيئة الفاعل وقت الفعل، والإخلاص هو النية. وقال النبيصلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنِّيّات، وإنّما لكلِّ امرئ ما نوى». ولأن النية شرط، فلم يَجُز أن تخلو العبادة عنها، كسائر شروط الصلاة.

قال ابن قدامة: ولنا: أنها عبادة، فجاز تقديم نيّتها عليها كالصوم، وتقديم النية على الفعل لا يُخرجه عن كونه منْويًا، ولا يخرج الفاعل عن كونه مُخلصًا.

وممّا يتعلّق أيضًا بالمسائل الخاصة بالنية. مسألة: استصحاب النية:

يقول بن قدامة: الواجب استصحاب حُكم النية، بمعنى: أن يستحضر الإنسان صلاة الظهر، أو صلاة العصر، أو ما يُصلِّيه من الفرائض، من البداية إلى النهاية، من أوّل تكبيرة الإحرام إلى التسليم، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الإنسان يمكن أن يسهو أو تعزب عنه النية، أو يذهل، أو يتشاغل بأمر من الأمور، هذا وارد”.

فالواجب هو: استصحاب النية قدْر الطاقة وبكلّ الاستطاعة، فإن عزبت قليلًا أو حدث شيء من السهو، فإن ذلك لا يؤثِّر في صحّة الصلاة.

ولأنّ النية لا تُعتبر حقيقتها في أثناء العبادة، بدليل الصوم وغيره، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَر،َ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا؛ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ»، متفق عليه.

ونحن نعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ»؛ ولذلك شرع لنا أن نستعيذ بالله من الشيطان بعد دعاء التوجه أو دعاء الاستفتاح، وقبل قراءة (الفاتحة)، كما قال الله تعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل:98].

الفرق بين الشرط والرّكن:

فالشرط -كما يقول العلماء-: ما يلزم مِن عدَمِه العدَم، ولا يلزم من وُجوده وجود ولا عدَم.

ما معنى ذلك؟

يلزم من عدَمه العدم: مثل: الطهارة، أو استقبال القِبلة، أو دخول وقت الصلاة، إلى غير ذلك من الشروط التي سبَق ذِكْرها…

يلزم من عدم وجود هذا الشرط عدَم صحّة الصلاة. هذا معنى قولهم: “يلزم من عدَمه العدَم”.

ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم: يعني: ليس بالضرورة أنّني كلما توضّأت أو كنت طاهرًا، يلزم وجود الصلاة، أو لا أتطهّر إلّا للصلاة؛ إذًا لا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة، ولا عدمها.

هذا عن الشروط، وهي خارجة عن ماهية الصلاة أو عن حقيقة الصلاة؛ فاستقبال القبلة شيء خارج أقوال وأفعال الصلاة. وكذلك ستْر العورة، وكذلك الطهارة، وكذلك الوقت…

إذًا، هي كلّها أمور خارجة عن حقيقة الصلاة وعن ماهيتها.

ما المراد بحقيقة الصلاة وماهيتها؟

الصلاة هي: الأقوال والأفعال المبدوءة بالتكبير، المختومة بالتسليم، بشروط مخصوصة.

إذًا، حقيقة الصلاة أو ماهيتها تتكوّن من أقوال ومن أفعال، بكيفية مخصوصة. هذه الأقوال والأفعال جزء من حقيقة الصلاة. فالتكبير مثلًا جزء من الصلاة، داخل في ماهيتها، داخل في حقيقتها. الركوع جزء من حقيقة الصلاة، من ماهية الصلاة، ركن من أركانها. وكذلك السجود، وكذلك الرفع من السجود أو من الركوع، وكذلك القيام للقادر الصحيح، وهكذا…

قلنا إن ابن رشد -رحمه الله-  قد جمع أحكام الصلاة تحت جُمل أربع: وقد تعرفنا على الجملة الأولى والثانية منها، والآن نتول الجملة الثالثة من أحكام الصلاة، وهي:

هي أركان الصلاة: وما يندرج تحتها:

ابن رشد قبل أن يبدأ ذكْر الأركان، يبدأ بهذه الجزئية التي توضّح لنا الحقيقة والماهية:

فيقول: أركان الصلاة هي معرفة ما تشتمل عليه من الأقوال والأفعال، وهي: الأركان. لكن هذه الأقوال والأفعال تتفاوت أو تختلف باختلاف الأحوال -أحوال الإنسان-: فالصحيح يصلِّي قائمًا، والمريض يصلّي كيفما استطاع. المسافر يصلّي الظهر أو العصر أو العشاء -الصلاة الرباعية- يصلّيها ركعتيْن، أمّا المقيم أو الحاضر فيصلِّيها أربع ركعات. الآمن المقيم يصلّي الصلاة تامة، أمّا الخائف فيصلّي بكيفية أخرى، سواء استقبل القِبلة أو لم يستقبلها.

من هنا، فإن أركان الصلاة تختلف من الأقوال والأفعال بالزيادة والنقصان:

إمّا من قبل الانفراد والجماعة، يعني صلاة الشخص منفردًا أو صلاته في جماعة؛ لأن الجماعة تتطلب التزامًا آخَر وائتمامًا بالإمام، وقد تسقط عن المأموم قراءة (الفاتحة)، وهكذا…

إذًا، الأقوال والأفعال قد تزيد وقد تنقص باختلاف حالة المصلِّي، هل هو منفرد في صلاته أو يصلي في جماعة؟

وإمّا من قِبل الزمان، مثل ظُهر الجمعة يختلف عن ظُهر سائر الأيام؛ لأن صلاة الجمعة تختلف عن صلاة الظهر، مع أنها بديل عنه.

وإمّا من قبل الحضَر والسّفر؛ فالإنسان المقيم تختلف صلاته وعدد ركعاته المطلوبة منه في الصلوات الرباعية عن صلاة السفر.

وإمّا من قِبل الأمن والخوف؛ فالإنسان الآمن لا بد أن يستوفي جميع الشروط، بما فيها استقبال القِبلة. أمّا الخائف فيصلي كيفما استطاع، كما قال تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239]، أي: مُستقبِلِي القِبلة وغير مُستقبليها. { فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } [البقرة: 239].

كذلك تختلف الأركان بالزيادة والنقصان من قِبل الصّحة والمرض، لأن صلاة المريض تختلف أركانها عن صلاة الصحيح. فالمريض قد لا يركع، قد لا يسجد، قد يومئ إيماءً للركوع والسجود، قد يصلِّي وهو مضطجع ومُستلقٍ على ظهره بلا ركوع ولا سجود. أمّا الصحيح فليس كذلك.

ثم يقول: فإذا أريد أن يكون القول في هذه -أي: هذه المسائل- صناعيًّا، بمعنى: التقيّد بقواعد المنطق والحساب، وتقديم شيء وتأخير آخَر، وجاريًا على نظام، فيجب أن يقال أولًا: فيما تشترك فيه هذه كلّها. -يعني: الصلوات السابقة-، سواء كانت منفردة أو جماعة، أو حضَرًا أو سفرًا، أو أمنًا أو خوفًا، أو صحة أو مرضًا. فيما تشترك الصلوات كلها.

ويقول ابن رشد: تنقسم الجملة الثالثة إلى ستّة أبواب، هي:

الباب الأول: في صلاة المنفرد الحاضر الآمِن الصحيح.
الباب الثاني: في صلاة الجماعةالباب الثالث: في صلاة الجمعة
الباب الرابع: في صلاة السّفر.الباب الخامس: في صلاة الخوف.
الباب السادس: في صلاة المريض.

وقبل أن نسترسل في شرح هذه الأبواب وتفصيلها، أريد أن نتعرّف على صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أخذ منها الصحابة والتابعون والأئمة الفقهاء أركان الصلاة، وعرّفونا إيّاها.

يقول ابن قدامة في كتابه (المغني) تحت عنوان: “باب صفة الصلاة”: “روى محمد بن عمر بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم أبو قتادة، فقال أبو حميد: أنا أعْلَمُكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: فاعْرضْ. قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرْفع يديْه حتى يحاذي بهما منكبيْه، ثم يُكبِّر حتى يقرّ كلّ عظم في موضعه معتدلًا. ثم يقرأ -أي: (الفاتحة)-. ثم يُكبِّر فيرفع يديْه حتى يحاذي بهما منكبيْه -يعني: فوق كتفيْه-. ثم يركع ويضَع راحتيْه -أي: باطن الكف- على ركبتيْه. ثم يعتدل فلا يصوِّب رأسه ولا يُقنِّعه -يعني: لا يطأطئها ولا يرفعها عالية، وإنما يعتدل-. ثم يرفع رأسه ويقول: ((سمِع الله لِمَن حَمِدَه)). ثم يرفع يديْه حتى يحاذي منكبيْه معتدلًا -أي: قائمًا-. ثم يقول: ((الله أكبر)). ثم يهوي إلى الأرض -أي: يسجد- فيجافي يديه عن جنبيه -يجافي يعني: يبعدهما-. ثم يرفع رأسه ويَثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتح أصابع رجليْه إذا سجد، ويسجد. ثم يقول: ((الله أكبر))، ويرفع ويَثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كلّ عظم إلى موضعه. ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك -أي: في السجدة الثانية-. ثم إذا قام من الركعة -يعني: قام إلى القيام مرة أخرى- كبّر فرفع يديْه حتى يحاذي بهما منكبيْه كما كبّر عند افتتاح الصلاة. ثم يفعل ذلك في بقيّة صلاته. حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم، أخّر رجْله اليسرى وقعد متورِّكًا على شقِّه الأيسر”.

قالوا: صدقْتَ. هكذا كان يصلِّي صلى الله عليه وسلم. وإنّما قالوا له: “صدقْت”؛ لأنّ معظمهم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلّي، وهو الذي قال لهم: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي».

فحين يفعل أبو حميد ذلك، ويُصدّقون عليه بقولهم: “صدقت. هكذا كان يصلّي رسول الله صلى الله عليه وسلم”، تكون الأمور متطابقة. وفي لفظ رواه البخاري قال: “فإذا ركع أمكن يديْه من ركبتيْه ثم هصر ظهره -أي: أقامه-. فإذا رفع رأسه استوى قائمًا حتى يعود كلّ فقار مكانه. وإذا سجد سجد غير مُفترش -أي: غير جالس على رجليْه ولا قابضهما، وإنما ينصب واحدة -وهي: اليمنى- ويفرش اليسرى- واستقبل بأطراف أصابع رجليْه القِبلة. فإذا جلس في الركعتيْن -أي: جِلسة التشهد الأوسط-، جلس على اليسرى ونصب الأخرى -أي: اليمنى- فإذا كانت السجدة التي فيها التسليم -أي: جلسة التشهد الأخيرة-، أخّر رجْله اليسرى وضعها تحت اليمنى وجلس متورِّكًا على شقِّه الأيسر -أي: قعد على مقعدته، وكانت رجله اليسرى تحت اليمنى-“.

يبدأ ابن رشد  في بيان وتفاصيل الباب الأول، حيث يجعله بعنوان:

“الباب الأول في صلاة المنفرد الحاضِر الآمن الصحيح”.

ومعنى “المنفرد”: الذي يصلّي وحده ليس في جماعة، ومعنى “الحاضر”: المقيم الذي ليس مسافرًا، و”الآمن”: ليس مشتركًا في حرب، و”الصحيح”: الذي ليس مريضًا أو ليس له عذر من الأعذار.

هذا الباب ينقسم إلى فصليْن:

الفصل الأول: في الأقوال. الفصل الثاني: في الأفعال.

يبدأ ابن رشد في بيان الفصل الأول: في أقوال الصلاة، فيقسّمه إلى تسع مسائل يجعلها بمثابة قواعد وأصول هذا الباب:

المسالة الأولى: التكبير وحُكمه:

“التكبير” المقصود به: قول: “الله أكبر” في بداية الصلاة، وعند الانتقال من القراءة -قراءة (الفاتحة)- إلى الركوع، وعند الهويّ من الاعتدال بعد الركوع إلى السجود، وبين السجدتيْن، وعند السجدة الثانية، وعند القيام إلى الركعة الثانية، وكذلك عند القيام من التشهد الأوسط إلى الركعة الثالثة. وتُسمّى التكبيرة الأولى في الصلاة: “تكبيرة الإحرام”، وتسمّى التكبيرات الأخرى: “تكبيرات الانتقالات”، لأنها انتقال من ركن إلى ركن آخَر.

يقول ابن رشد: اختلف العلماء في التكبير على ثلاثة مذاهب:

فقوم -ومنهم الإمام أحمد- قالوا: إنّ التكبير كلّه واجب في الصلاة، يعني: سواء تكبيرة الإحرام أو تكبيرات الانتقالات من ركن لآخَر.

وقوم قالوا: إنه كلّه ليس بواجب، لا تكبيرة الإحرام في أوّل الصلاة ولا سائر التكبيرات؛ وهذا قول شاذّ كما وصفه ابن رشد.

وقوم: أوجبوا تكبيرة الإحرام فقط، وهي أول التكبير في الصلاة. وهؤلاء هم جمهور الفقهاء الذين قالوا بوجوب تكبيرة الإحرام فقط، وما عداها من التكبيرات تكون سُنّة.

الحقيقة أنّ ابن رشد أجمَلَ هذه الأقوال وتلك المذاهب، ولكن إذا رجعنا إلى ابن قدامة في كتابه (المغني) نجد ابن قدامة يقول ما يلي:

التكبير ركن في الصلاة، لا تنعقد الصلاة إلّا به؛ سواء ترَكه عمدًا أو سهوًا. يعني: لا بدّ من إعادته حتى تنعقد الصلاة. فمَن ترَك التكبير -أي: تكبيرة الإحرام- عمدًا، فعليه أن يعيدها. ترَكه سهوًا، عليه أن يعيدها. وهذا قول ربيعة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. وقال سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، وقتادة، والحَكم، والأوزاعي: مَن نسي تكبيرة الافتتاح أجزأته تكبيرة الركوع.

يردّ عليهم بأنها لا تُجزئ، وأنه لا بدّ من تكبيرة الإحرام بقوله: ولنا قول النبيصلى الله عليه وسلم: «تَحريمُها التكبير، وتحليلُها التّسليم». فقول النبيصلى الله عليه وسلم: «تحريمها التكبير» يدلّ على أنه لا يدخل الإنسان في الصلاة بدونه.

ولا يصحّ التكبير إلّا مرتّبًا، يعني: “الله أكبر”. فإن نكسه لم يصحّ. يعني التنكيس: يقول: “الكبير الله”، أو “الأكبر الله”، يعني يبدأ بالصفة ثم بلفظ الجلالة؛ هذا هو التنكيس. فإنه لا يكون تكبيرًا. ويجب على المصلِّي أن يسمعه نفسه إلا أن يكون به عارض من طَرش أو ما يمنعه السماع -الطرش: يعني مرض يذهب السمع-.

فيأتي به بحيث لو كان سميعًا أو لا عارض به، سمِعَه لأنه ذكْر محلّه اللسان، ولا يكون كلامًا بدون الصّوت.

والصوت: ما يتأتّى سماعه، وأقرب السامعين إليه نفسه. فمتى لم يسمعه، لم يعلم أنه أتى بالقول. ولا فرْق بين الرجل والمرأة فيما ذكرناه مِن الترتيب أو من السّمع. وكذلك لا تنعقد الصلاة إلا به.

يضيف أيضًا جزئية أخرى، يقول: ويُستحب للإمام أن يجهر بالتكبير، بحيث يسمَع المأمومون ليكبِّروا، فإنهم لا يجوز لهم التكبير إلّا بعد تكبير الإمام. فإن لم يُمْكِنه إسماعهم، جهر بعض المأمومين ليُسمعهم -كما نسمّيه: “المُبلِّغ” الذي يُبلغ عن الإمام-، أو ليُسمع من لا يَسمع الإمام، لِما روى جابر قال: «صلّى بنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وأبو بكر خلْفه؛ فإذا كبّر رسول اللهصلى الله عليه وسلم كبّر أبو بكر ليُسمِعنا»، متفق عليه.

ويُبيِّن التكبير، يعني: بألفاظ وأصوات واضحة: “الله أكبر”.

ويضيف أيضًا: ولا يُجزئه التكبير بغير العربية إذا كان قادرًا عليها. أمّا العاجز، فهذا له شأن آخّر؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات. أما القادر على العربية فلا يُجزئه التكبير إلّا بالعربية؛ وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: يُجزئه؛ لقوله تعالى: { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } [الأعلى: 15]، وهذا قد ذكر اسم ربه.

ولنا: يردّ على أبي حنيفة، لأنّ مذهب أحمد هو مذهب الشافعي في: أنّ التكبير لا يجوز بغير اللغة العربية للقادر عليه-: ما تقدّم من النصوص التي فيها لفظ: “الله أكبر”، وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يعدل عنها؛ وهذا يخصّ ما ذكروه. فإن لم يُحسن العربية، لزِمه تعلّم التكبير بها، فإن خشي فوات الوقت كبّر بلُغتِه. ذكَره القاضي في (المجرّد) وهو مذهب الشافعي. وقال القاضي: في (الجامع): لا يكبِّر بغير العربية، ويكون حُكمُه حُكْم الأخرس، كمَن عجز عن القراءة بالعربية لا يعبّر عنها بغيرها.

والرأي الأول -جواز التكبير لغير القادر- أصحّ؛ لأن التكبير ذكْر لله، وذكْر الله تعالى يحصل بكلّ لسان. أمّا القرآن فإنه عربيّ، فإذا عُبّر عنه بغير العربية لم يكن قرآنًا. والذِّكر لا يخرج بذلك عن كونه ذكْرًا. يعني: هناك فرق بيْن مَن يكبِّر بغير العربية لأنه عاجز، وبين ترجمة القرآن بغير اللغة العربية؛ فالترجمة تُخلّ بالقرآن الكريم، ويصبح غير عربيّ، أمّا الذِّكْر -ذكْر الله- فيصحّ بالعربية وبغيرها، لم يخرج باللغة الأخرى عن كونه ذكرًا.

ويضيف: فإن كان أخرس أو عاجزًا عن التكبير بكل لسان، سقط عنه التكبير، وقال القاضي: عليه تحريك لسانه، لأن الصحيح يلزمه النطق بتحريك لسانه، فإذا عجز عن أحدهما لزِمه الآخَر.

وفي فصل آخَر يضيف أيضًا: وعليه أن يأتي بالتكبير قائمًا، فإن انحنى إلى الركوع بحيث يصير راكعًا قبل إنهاء التكبير، لم تنعقد صلاته -يقصد تكبيرة الإحرام-، إلّا أن تكون نافلة، لسقوط القيام فيها، ويحتمل ألَّا تنعقد أيضًا لأن صفة الركوع غير صفة القعود، ولم يأت التكبيرة قائمًا ولا قاعدًا. ولو كان ممّن تصحّ صلاته قاعدًا، كان عليه الإتيان بالتكبير قبل وجود الركوع منه.

يضيف أيضًا: ولا يكبِّر المأموم حتى يفرغ إمامه من التكبير، فإن كبّر قبل إمامه، لم ينعقد تكبيره وعليه استئنافه بعد تكبير الإمام.

نأتي إلى كلام ابن رشد في سبب اختلاف العلماء على هذه المذاهب الثلاثة:

قوم قالوا: إنّ التكبير كلّه واجب في الصلاة.

وقوم قالوا: إنه كلّه ليس بواجب.

وجمهور العلماء قالوا: إن تكبيرة الإحرام فقط واجبة، وغيرها ليس واجبًا.

يقول سبب اختلاف مَن أوجبه كلّه، ومَن أوجب منه تكبيرة الإحرام فقط: معارضة ما نُقل من قوله صلى الله عليه وسلم لمّا نقل مِن فعْله صلى الله عليه وسلم. فأمّا ما نُقل من قوله: فحديث أبي هريرة رضي الله عنه المشهور الذي رواه الشيخان: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي علّمه الصلاة، وهو مشهور بأنه “المسيء صلاته”، صلّى عدّة مرات أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وكلّما سلّم كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم له: «ارجعْ فصلِّ، فإنّك لم تُصلِّ!». فلما أتمّ الثالثة قال له: يا رسول الله. علِّمني؛ فإنّي لا أحسن غير ذلك. فاشتهر بأنه مسيء صلاته. وهذا الذي رواه أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي علّمه الصلاة: «إذا أردت الصلاة، فأسْبِغ الوضوء، ثم استقبلِ القِبلة، ثم كبِّرْ. ثم اقْرأ…». فمفهوم هذا: أنّ التكبيرة الأولى هي الفرْض فقط، ولو كان ما عدا ذلك من التكبير فرضًا لذَكره له النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر سائر فروض الصلاة.

وأمّا ما نُقل مِن فعْله وهو يعارض هذا الكلام، فمنها: حديث أبي هريرة أيضًا، رواه الشيخان -وهو غير هذا-: “إنه كان يصلّي فيكبِّر كلّما خفض ورفع، ثم يقول: إنّي لأشْبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم”. فإذا كان أبو هريرة يكبِّر كلّما خفض وكلّما رفع، ويؤكِّد على أنّ هذا هو أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكون الفعل قد عارض التعليم السابق للرّجل المسيء صلاته.

ومنها أيضًا: حديث مطرِّف بن عبد الله بن الشخير -أيضًا الحديث رواه الشيخان- قال: “صلّيت أنا وعمران بن الحصين خلْف علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فكان إذا سجد كبّر، وإذا رفع رأسه من الركوع كبّر. فلما قضى صلاته وانصرفنا، أخذ عمران بيده فقال: أذكرني هذا صلاةَ محمد صلى الله عليه وسلم”.

فكون الراوي يقول: إنّ هذه الصلاة التي صلاها عليّ بن أبي طالب ذكّرتْه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رأينا عليّ بن أبي طالب يُكبّر كلّما سجد وكلّما رفَع، دلّ ذلك على أنّ التكبير مطلوب، وهذا في الفعل، وقد عارض القول كما سبق من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم للرّجل المسيء صلاته.

فالقائلون بإيجابه -إيجاب التكبير في جميع الصلوات- تمسّكوا بهذا العمل المنقول في هذه الأحاديث العملية، وقالوا: الأصل أن تكون كلّ أفعاله التي أتتْ بيانًا لواجب محمولة على الوجوب، كما قال صلى الله عليه وسلم: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، و«خذُوا عنِّي مناسكَكُم».

وقالت الفرقة الأولى -أي: التي أوجبت التكبير في الإحرام فقط، وهم الجمهور-: ما في هذه الآثار يدل على أنّ العمل عند الصحابة إنما كان على إتمام التكبير -يعني: هذا هو التمام-، أمّا الفرْض فيتحقّق بما هو أدنى من ذلك؛ ولذلك كان أبو هريرة يقول: “إني لأشْبَهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم”. وقال عمران بن حصين: “أذْكرني هذا بصلاته صلاةَ محمد صلى الله عليه وسلم”، أي: التّمام والكمال، أمّا الفرض فيتحقّق بالتكبير في تكبيرة الإحرام فقط، وما عداها يكون سُنّة.

وأمّا مَن جعل التكبير كلّه نفلًا، فضعيف، ولذلك سمّاه ابن رشد: شاذًّا، لأن القائل بذلك قاس التكبير على سائر الأذكار التي في الصلاة، مثل: “سبحان ربي العظيم”، “سبحان ربي الأعلى”، وهي أذكار ليست واجبة. وقياس التكبير عليها خطأ.

قال أبو عمر ابن عبد البرّ: وممّا يؤيد مذهب الجمهور -أي: أن تكبيرة الإحرام فقط هي الفرْض وما عداها من التكبيرات سُنّة-: ما رواه شعبة بن الحجاج، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزة، عن أبيه، قال: “صلّيتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يُتمّ التكبير. وصلّيتُ مع عمر بن عبد العزيز، فلم يتمّ التكبير”، والحديث رواه أحمد والبيهقي. ونقل البخاري عن الطيالسي، أنه قال: هذا لا يصح -أي: الرواية غير صحيحة، لأنه إذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتمّ الصلاة، فمَن الذي يُتمّها إذًا-. هذا الكلام غير لائق.

وما رواه أحمد بن حنبل عن عمر رضي الله عنه: أنه كان لا يُكبّر إذا صلى وحده، وكأنّ هؤلاء رأوا أنّ التكبير إنما هو لمكان إشعار الإمام للمأمومين بقيامه وقعوده في الانتقالات، ويشبه أن يكون إلى هذا ذهب مَن رآه كلّه نفلًا.

إذًا، نحن أمام ثلاثة أقوال في التكبير.

القول الأول: القائل بوجوب التكبير، نظَر إلى الآثار الواردة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاة أبي هريرة، وصلاة علي بن أبي طالب، واعتبر ذلك على التمام -تمام التكبير-.

القول الثاني: إنه ليس بواجب، فمعتمدهم في ذلك: القياس على أنّ التكبيرات أذكار والأذكار ليست واجبة؛ وهذا قياس خاطئ.

القول الثالث: وهو قول جمهور العلماء الذين قالوا بوجوب تكبيرة الإحرام فقط، وسُنّيّة التكبيرات الأخرى، فقد جمعوا بين الأحاديث كلّها، فأخذوا الوجوب من عموم الأحاديث العملية بالإضافة إلى حديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته، واعتبروا الجوانب العمليّة سُنة لإتمام التكبير في باقي الصلوات.

المسألة الثانية: لفظ التكبير:

نأتي إلى المسألة الثانية، وهي خاصة أيضًا بالتكبير، ولكن بلفظ التكبير.

قال مالك وأحمد: لا يُجزئ من لفظ التكبير إلّا: “الله أكبر”.

وقال الشافعي: “الله أكبر” و”الله الأكبر”، اللفظان كلاهما يُجزئ -يعني: بأل وبدون أل-.

وقال أبو حنيفة: “يُجزئ من لفظ التكبير: كلّ لفظ في معناه: مثل: “الله الأعظم”، “الله الأجلّ”، “الله الأكبر”.

إذًا، لفظ التكبير أو ما في معناه من التعظيم والتبجيل والجلال والإكرام، كله صحيح عند أبي حنيفة.

الراجح هو: ما قاله صلى الله عليه وسلم، وما علَّمه لأصحابه، وما قاله الصحابة في صلاتهم، وهي الأشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما قاله مالك، وأحمد بن حنبل: أنه لا يجزئ من لفظ التكبير إلّا: “الله أكبر”.

سبب اختلاف الفقهاء في اللفظ:

قال ابن رشد في سبب اختلاف الفقهاء في اللفظ يقول: سبب اختلافهم: هل اللفظ هو المتعبَّد به -يعني: ذات اللفظ- أو معناه. وقد استدل المالكيون، والشافعيون طبعًا، ومعهم الحنابلة، بقوله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الطّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، بإسناد صحيح، وقال الحاكم: هو على شرط مسلم.

قالوا: والألف واللام هنا للحصر: «تحريمها التكبير»، أي: لا يجوز التحريم بغيره، والحصر يدل على أنّ الحكم خاص بالمنطوق به -أي: التكبير-، وأنه لا يجوز بغيره. وهذا هو الراجح.

دعاء التوجّه:

المقصود بدعاء التوجه: دعاء الاستفتاح، -يعني: بعدما نكبّر تكبيرة الإحرام، وننتهي من نية الصلاة، وقبل أن نقرأ (فاتحة الكتاب)-، هناك دعاء يسمَّى “دعاء التّوجه”، ويُسمّى أيضًا “دعاء الاستفتاح”.

أما تسميته “دعاء التّوجّه”، فلأن الإنسان يحضر نفسه للتوجّه إلى الله، كما توجَّه إلى قِبلته، وتوجّه بالصلاة إليه؛ فإنه يدعو أن يكون ذلك مقبولًا منه، فسُمِّي: “دعاء التّوجّه”.

ويُسمَّى أيضًا: “دعاء الاستفتاح”: يعني: الإنسان يستفتح بالذي هو خير، قبل أن يبدأ قراءة (الفاتحة) يدعو بدعاء الاستفتاح، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

وفي ذلك يقول ابن رشد:إن هناك أربعة أقوال في الدعاء، هي:

القول الأول: بالوجوب هو مذهب الشافعي.

القول الثاني: بالاستحباب هو مذهب أبي حنيفة وأحمد.

القول الثالث: الجمْع بين التوجّه والتسبيح هو قول أبي يوسف.

القول الرابع: أنه ليس واجبًا ولا سُنة هو قول مالك.

ورجح أكثر أهل العلم -ومنهم: عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي- مذهب الإمام أحمد بأن الاستفتاح يكون بالتسبيح: “سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدّك، ولا إله غيرك”. وهذا قول أحمد  

قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلْم من التابعين وغيرهم…

ويرجّح ابن قدامة صيغة التسبيح: “سبحانك اللهم وبحمدك…”، فيقول: لنا ما روت عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدّك، ولا إله غيرك»، رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي.

قال أحمد: ولا يجهر الإمام بالافتتاح، وعليه عامّة أهل العلْم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر به، وإنما جهر به عُمر ليعلم الناس. وإذا نسي الاستفتاح، أو تركه عمدًا وشرع في الاستعاذة، لم يَعُد إليه؛ لأنه سُنّة فات محلُّها. وكذلك إذا نسي التعوّذ وشرع في القراءة، لم يعد إليه. ثم قال: ثم يستعيذ.

وجملة ذلك: أنّ الاستعاذة قبل قراءة (الفاتحة) في الصلاة سُنّة. وبذلك قال الحسن، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال مالك: لا يستعيذ، لحديث أنس.

ويردّ ابن قدامة على كلام الإمام مالك أنه لا يستعيذ، بأن الاستعاذة مطلوبة، بقول الله تعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل: 98]، وعن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح -بالأدعية التي ذكرناها أو ببعضها- ثم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، مِن همْزِه ونفْخه ونفْثه»، قال الترمذي: “هذا أشهر حديث في الباب”.

وصفة الاستعاذة: أن يقول: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”؛ وهذا قول أبي حنيفة والشافعي؛ لقولهU: { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ }.

وعن أحمد، أنه يقول: “أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم”، لخبر أبي سعيد، ولقول الله تعالى: { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [فصلت: 36]، وهذا متضمّن للزِّيادة.

ونقل حنبل عنه: أنه يزيد بعد ذلك: “إن الله هو السميع العليم”. وهذا كلّه واسع، وكيفما استعاذ فهو حسَن. ويُسِرّ الاستعاذة ولا يجهر بها، لا أعلم فيه خلافًا.

إذًا،نحن أمام دعاء التوجّه أو الاستفتاح، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وقد عرفنا اختلاف الفقهاء في ذلك بين قائل بالوجوب، ومَن يقول بالسُّنِّية، وبين من يقول بعدم الوجوب ولا السُّنِّية.

ماذا يقول ابن رشد عن سبب الاختلاف في هذه القضية؟ يقول: سبب الاختلاف: معارضة الآثار الواردة، وهناك سببان:

السبب الأول: تعارض الأحاديث مع العمل.

السبب الثاني: أن الفقهاء أنفسهم اختلفوا: هل هذه الآثار صحيحة، أو غير صحيحة؟

قال القاضي -يعني: ابن رشد-: قد ثبت في الصحيحيْن، و(سنن أبي داود)، والنسائي، عن أبي هريرة: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة، قال: فقلت: يا رسول الله. بأبي أنت وأمي، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب. اللهم نقِّني من الخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيض من الدّنس. اللهم اغسِلْ خطاياي بالماء والثّلج والبرَد»، وهذا لفظ البخاري.

وقد ذهب قوم إلى استحسان سكتات كثيرة في الصلاة، منها: سكتة حين يكبِّر، وسكتة حين يَفرُغ من قراءة أمّ القرآن -(الفاتحة)-، وسكتة إذا فرغ من القراءة قبل الركوع. وممّن قال بهذه السكتات: الشافعي، وأبو ثور، والأوزاعي. وأنكَر ذلك: مالك وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه.

البسملة:

والبسملة، يعني: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.

هل هذه الجملة يجب قراءتها قبل قراءة (الفاتحة)؟

هل هي آية من (الفاتحة)؟

هل هي آية من القرآن؟

هل هي آية من كل سورة من سوَر القرآن الكريم؟

هل قراءتها واجبة، أو سُنّة، أو ممنوعة؟ -نعم هناك من يقول إنّ قراءتها ممنوعة-.

يحكي لنا ابن رشد هذه الأقوال تحت هذه الجملة المسألة الرابعة، فيقول:

اختلفوا في قراءة: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في افتتاح القراءة -أي: افتتاح سورة: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الفاتحة: 2]- في الصلاة.

فمنَع مالك في الصلاة المكتوبة، جهرًا كانت أو سرًّا -يعني: لا نقرأها، لا نقول:{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } لا في الصلاة الجهرية كالمغرب والعشاء والصبح، ولا في الصلاة السّريّة كالظهر والعصر.

لا في استفتاح (أمّ القرآن)، ولا في السوَر القصيرة التي سنقرؤها بعد (الفاتحة)، ولا في غيرها من السوَر. وأجاز ذلك في النافلة -لو كنت أصلي نافلة- مثل: صلاة الضّحى، أو قيام الليل، أو التراويح، أو الوتر، أو السّنن الراتبة، تجوز البسملة في السّنن، أو في صلاة النوافل. تلك وجهة نظر الإمام مالك.

أمّا أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، فقالوا: يقرؤها مع (أمّ القرآن) في كلّ ركعة سرًّا، حتى لو كانت الصلاة جهرية يُسرّ بها. أمّا إذا كانت الصلاة سرِّيّة فيُسرّ بها كسائر الصلاة.

إذًا، قراءة البسملة يُسرّ بها عند أبي حنيفة، والثوري، وأحمد، في الصلاتيْن: الجهريّة والسِّرّيّة.

وقال الشافعي: يقرؤها ولا بد. -يعني: لا بد من قراءة: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }-، يجهر بها في الصلاة الجهرية، ويُسرّ بها في الصلاة السّريّة. وهي عنده -أي: الشافعي- آية من سورة (الفاتحة)؛ وبهذا القول قال: أحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد.

واختلف قول الشافعي: هل هي آية من كلِّ سورة؟ أم إنما هي آية في سورة (النمل) فقط:{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النحل: 30، 31]، ومِن (فاتحة الكتاب) -كما سبق-.

ويفصل ابن قدمة القول في ذالك فيقول تحت عنوان مسألة الخرقي: ويبتدئها بـ{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. يقول ابن قدامة: وجملة ذلك: أن قراءة: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} مشروعة في الصلاة في أوّل (الفاتحة) -وكلمة “مشروعة” تشمل: الوجوب، والسُّنِّيّة، والاستحباب-، وأوّل كلّ سورة في قول أكثر أهل العلْم.

وقال مالك والأوزاعي: لا يقرؤها في أوّل (الفاتحة)، لحديث أنس.

وعن ابن عبد الله بن المغفّل قال: “سمعني أبي وأنا أقول: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } فقال: أي، بنيّ! محدث -بدعة- إيّاك والحدث. قال: ولم أر واحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدَث في الإسلام -يعني: منه-. فإنّي صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها -أي:{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }-، فلا تَقُلْها إذا صلّيتَ. فقُلْ: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ…} [الفاتحة: 2، 3] إلخ”، أخرجه الترمذي وقال: “حديث حسن”.

يردّ ابن قدامة على هذا الكلام، ويؤكِّد أن قراءة: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قبل (الفاتحة) مطلوبة، يقول: ولنا ما رُوي عن نعيم المجمر، أنه قال: “صلّيتُ وراء أبي هريرة فقرأ: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ثم قرأ بأمّ القرآن، وقال: والذي نفسي بيده، إنّي لأشبَهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم”، أخرجه النسائي.

وروى ابن المنذر: “أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة:{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }”.

وعن أمّ سلمة: “أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }، وعدّها آية، و{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } اثنيْن”.

فأمّا حديث أنس: فقد سبق جوابه، ثم نحمله على أنّ الذي كان يسمع منهم: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }، وقد جاء مصرّحًا به.

روى شعبة وشيبان، عن قتادة قال: “سمعت أنس بن مالك قال:”صلّيت خلف النبيصلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }”. وفي لفظ: “وكلّهم يُخفي: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }. وفي لفظ: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُسِرّ بـ{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وأبا بكر، وعمر”، رواه ابن شاهين. وحديث عبد الله بن المغفل محمول على هذا أيضًا، جمْعًا بين الأخبار.

ثم قال الخرقي: “ولا يجهر بها، كما قال أبو حنيفة”.

يعني: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } -ولا تختلف الرواية عن أحمد-: أن الجهر بها غير مسْنون.

قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلْم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومَن بعدهم من التابعين، ومنهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. وذكره ابن المنذر عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعمار. وبه يقول الحَكم، وحمّاد، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي.

ويروى عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: الجهر بها. وهو مذهب الشافعي -طبعًا في الصلاة الجهرية-، أمّا الجهر بها في الصلاة السِّرية فلا؛ لحديث أبي هريرة: أنه قرأها في الصلاة. وقد صحّ أنه قال: “ما أسمعَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعْناكم، وما أخفى علينا أخفيْناه عليكم”، متفق عليه.

وعن أنس: أنه صلى وجهر بـ{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وقال: “أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم”، ولِما تقدّم من حديث أمّ سلمة وغيره؛ ولأنها آية من (الفاتحة)، فيجهر بها الإمام في صلاة الجهر كسائر آياتها.

في الدلالة على أنه يقرؤها ويُسِرّ بها، ولا يجهر بها، لنا حديث أنس، وعبد الله بن المغفّل، وعن عائشة رضي الله عنها : “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }”، متفق عليه.

وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: قسمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصْفيْن، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }، قال الله : حَمِدني عبدي…»، وذكر الخبَر… إلخ، أخرجه مسلم.

وهذا يدلّ على أنه لم يذكر{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ولم يجهر بها. وحديث أبي هريرة الذي احتجّوا به ليس فيه أنه جهَر بها، ولا يمتنع أن يُسمع منه حال الإسرار كما سُمع الاستفتاح والاستعاذة من النبي صلى الله عليه وسلم مع إسراره بهما. وقد روى أبو قتادة: “أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُسمِعهم الآية أحيانًا في صلاة الظهر”، وحديث أمّ سلمة ليس فيه أنه جهَر بها.

error: النص محمي !!