Top
Image Alt

الهجرة: موطنها، أهميتها، وسببها

  /  الهجرة: موطنها، أهميتها، وسببها

الهجرة: موطنها، أهميتها، وسببها

سبق الحديث أن المسلمين هاجر منهم نفر إلى الحبشة، وكان في هذه الهجرة تدريب لهم على ترك مكة، وكان في ذلك -أيضًا- اكتشاف لحياة الناس من حولهم، ومذاهبهم، وعقائدهم، وليعلم أهل الإسلام أن ترك الديار والأهل والمال والولد من أجل العقيدة والدين، أمرٌ مشروع، ولربما كان واجبًا حين لا يأمن المسلم على دينه وعقيدته، أو حين يأمره الله -تبارك وتعالى- بذلك فيمتثل، طاعةً لله، ونصرةً لرسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد بلغ عدد الذين هاجروا إلى الحبشة نحوًا من ثمانين مسلمًا ومسلمةً، ولذا فهي هجرة خاصة في عدد المهاجرين، وفي الأهداف المقصودة.

أما الهجرة إلى المدينة فإنها تُعرف بالهجرة العامة؛ لأن جميع المسلمين كُلفوا بها كما تعرف هي أيضًا بالهجرة النبوية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر فيها مع المسلمين. ولما أشتد عنت الكفار، وغلُظ عدوانهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، نزل أمره -تبارك وتعالى- بالهجرة والإذن بها إلى المدينة، فهاجر إليها المسلمون ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي تحديد موطن الهجرة، يروي الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذٍ بمكة للمسلمين: ((قد أُريت دار هجرتكم، أريت سبخةَ ذات نخل بين لابتَيْن)). والسبخة: أرض ذات نَز وملح، فهاجر مَن هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة مَن كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين”. هذا الحديث رواه البخاري.

وقال أبو موسى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرضٍ بها نخل، فذهب وَهْلِي إلى أنها اليمامة، أو هَجَر، فإذا هي المدينة، يثرب)) وهذا الحديث أيضًا أسنده الإمام البخاري. وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله أوحَى إليَّ: أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلتَ، فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قِنسرين)) قال أهل: ثم عزَمَ له على المدينة.

ففي المرحلة الأولى أخبر النبي برؤياه، ثم حدث أبو موسى الأشعري كما سبق في قوله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، أو هجر، فإذا هي المدينة، يثرب)). وبعد ذلك نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بالهجرة.

ولعل تأخير تحديد المكان يؤدي إلى صرف أذهان أهل مكة عن الهجرة، ويبعد ذهنهم عن خطورتها عليهم وعلى تجارتهم؛ لأنهم كانوا يخافون من دخول أهل المدينة في الإسلام، لتأثيرهم على أهل مكة، وبخاصة إذا انضم صلى الله عليه وسلم إليهم، وقادهم بدينه الذي يدعو إليه.

قال ابن إسحاق: لَمَّا أذِنَ الله -تعالى- في الحرب بقوله: {أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَن يَقُولُواْ رَبّنَا اللّهُ} [الحج: 39، 40] قال: فلما أذن الله في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له، ولِمَن اتبعه وأوَى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين، بالخروج إلى المدينة، والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: ((إن الله قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها)) فخرجوا أرسالًا.

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة، فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش من بني مخزوم أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت هجرته إليها قبل بيعة العقبة بسنة، حين آذته قريش مرجعه من الحبشة، فعزَمَ على الرجوع إليها، ثم بلغه أن بالمدينة له إخوانًا، فعزم إليها.

وكان أهل المدينة من الأوس والخزرج أصحاب نخوةٍ، وإباءٍ، وفروسيةٍ، وقوةِ شَكيمةٍ، ألفوا الحرية، وخاضوا الحروب، ولم يخضعوا لأحد.

ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقام الأنصار بنصرته، اجتمع بذلك عدنان وقحطان تحت لواء الإسلام، وكانوا كجسد واحد، وكانت بينهم مفاضلة ومسابقة في الجاهلية، وبذا لم يجد الشيطان سبيلًا إلى قلوبهم؛ لإثارة الفتنة، والتعزي بعزاء الجاهلية باسم الحمية القحطانية أو العدنانية، فكانت لكل ذلك مدينة يثرب أصلح مكان لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وأنفع مكان ليتخذوها دارًا وقرارًا؛ حتى يقوَى الإسلام ويشق طريقه إلى النصر، والفتح، والعز، والتمكين، وتُفتح الجزيرة، ثم يفتح بعد ذلك العالم المأهول بأسره، بإذن الله- تبارك وتعالى.

والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر فضيلة الصبر على شدة المدينة، وضيق العيش بها، ووعد على ذلك الشفاعة يوم القيامة. فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبةً عنها، إلا أبدل الله فيها مَن هو خير منه، ولا يثبت أحدٌ على لأوائها وجَهدها، إلا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة)). والحديث في (مسلم).

وخص النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بفضيلة ليس لغيرها. فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمَن يموت بها)) والحديث أخرجه أحمد بإسناد صحيح، وصححه ابن حبان. وكان عمر رضي الله عنه يقول: “اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم”، وقد استجاب الله -تعالى- دعاءَ الفاروق، فاستُشهد في مِحراب رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

ومن فضائلها: أنها كهف الإيمان، وأنها تنفي خبثَها. عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الإيمان ليئرز إلى المدينة -يئرز أي: ينضم، ويرجع، ويجتمع- كما تأرز الحية إلى جُحرها)). وقال: ((والذي نفسي بيده، لا يخرج منها أحد رغبةً عنها، إلا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألَا إن المدينة كالكير تُخرج الخبثَ، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد)). والحديث في (مسلم).

وهي كما تنفي خبث البشر، تنفي خبث الذنوب والأوزار. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنها -أي: المدينة- طيبة، تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة)) وهذا عند (البخاري).

وأخيرًا، فكما أن مكة حرم، فالمدينة حرم، قال صلى الله عليه وسلم: ((إن إبراهيم حَرَّمَ مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومُدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة)) وقال: ((لا يُختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمن أنشدها أو أشادها -بمعنى: أشاعها، ورفع الصوت بتعريفها- ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرًا، إلا أن يعرف رجل بعيرَه)) والحديث عند أحمد.

أهمية الهجرة، وسبب هجرته صلى الله عليه وسلم:

وترجع أهمية الهجرة إلى المدينة المنورة، إلى أنها تمثل انطلاقة كبرى لانتشار الإسلام بعدما وقف أهل مكة من الإسلام والمسلمين موقفَ العَنَت والكبرياء.

مرةً يبرزون تميزهم بالغِنَى المادي، والوجاهة الاجتماعية، والسلطان القوي. يقول الله -تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيّنَاتٍ قَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِلّذِينَ آمَنُوَاْ أَيّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم: 73]. ومرةً يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بتبديل الآيات والإتيان بغيرها، وفي ذلك يقول الله: {وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالَ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـَذَآ أَوْ بَدّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيَ أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيَ إِنْ أَتّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَىَ إِلَيّ إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15]. ومرةً يتعنتون في المناقشة، يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد لهم آباءهم من قبورهم؛ ليشهدوا بصدقه، قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ مّا كَانَ حُجّتَهُمْ إِلاّ أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الجاثية: 25]. ومرةً ينكرون الحق، مستدلين بعدم الفَهم، وجنوحهم إلى الظن والخيال، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنّ وعْدَ اللّهِ حَقّ وَالسّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مّا نَدْرِي مَا السّاعَةُ إِن نّظُنّ إِلاّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية: 32].

لقد كانت الهجرة من مكة إلى المدينة أمرًا طبيعيًّا؛ لتنطلق الدعوةُ بعد حصار قد طال، وكانت انفراجة لا بد منها لنشر كلمة الحق بين القاصي والداني، والمسلمون قد استعصوا عليهم الانطلاق إلى غايتهم الكبرى، أن تغيير المكان والناس أصبح أمرًا ضروريًّا لتحقيق النجاح المنشود.

error: النص محمي !!