Top
Image Alt

الوتر على الراحلة، إعادة الوتر، نقضه

  /  الوتر على الراحلة، إعادة الوتر، نقضه

الوتر على الراحلة، إعادة الوتر، نقضه

. صلاة الوتر على الرّاحلة:

يَنقلنا ابن رشد -رحمه الله- إلى جزئيّة أخرى متعلّقة بصلاة الوتر:

هل تجوز صلاة الوتر على الراحلة -أي: الدابة، أو أي من وسائل المواصَلات كالحافلات، والطائرات، والسفن، والقطارات،… ونحو ذلك؟ وهل حيثما توجّهَت به هذه الوسيلة تكون الصلاة صحيحة؟

جمهور العلماء يُجيزون ذلك، لِثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مِن فِعله، وقد قال: ((صلّوا كما رأيتموني أصلّي))؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلّي الوتر أحيانًا على الراحلة، كما كان يصلي السُّنن على الراحلة. وهو ممّا يَعتمدونه في الحُجّة أيضًا. يعني: يأخذ الجمهور مِن هذه العبارة مِن فعْل النبي صلى الله عليه وسلم يأخذون منها دليلًا على أنّه -أي: الوتر- ليس بفَرض؛ إذ لو كان فرضًا ما صلَّاه النبي صلى الله عليه وسلم على الراحلة. فالذي صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان يتنفّل على الراحلة، ولم يصحّ عنه أنّه صلى قطّ فريضة أو مفروضة على الراحلة، بل كان يَنزل ويصلّيها مستقبِل القِبلة.

أمّا الحنفية الذين قالوا: بأنّ صلاة الوتر فريضة، فيتّفقون مع جمهور العلماء على: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفّل على الراحلة، ولم يصحّ عنه أنه صلّى قَطّ فريضة على الراحلة؛ فالحنفية متفقون مع الجمهور في ذلك، وهو أنّ كلّ صلاة مفروضة لا تصلّى على الراحلة، واعتقادهم بالإضافة إلى ذلك أنّ الوتر فرض وجَب عندهم، مِن ذلك أن لا تصلّى على الراحلة -أي: لا يجوز صلاة الوتر على الراحلة- وبالتالي حتّى يحقِّقوا قولهم، ردّوا الخبر الوارد في ذلك بالقياس.

ويقول ابن رشد -رحمه الله- في ذلك: إنّ ردّ الخبر بالقياس ضعيف.

تعليق ابن قدامة على مسألة التطوع في السفر على الراحلة:

يقول ابن قدامة في كتابه (المغني)، تحت مسألة الخرقي: “وله أن يتطوّع في السفر على الراحلة، على ما وصَفْنا مِن صلاة الخوف”.

يقول ابن قدامة في بيان ذلك: لا نَعلم خِلافًا بين أهل العِلم في إباحة التطوع على الراحلة في السفر الطويل. قال الترمذي: هذا عند عامّة أهل العِلم. ما دام تطوّعٌ، فيكون ذلك عند الحنفية وغيرهم. وقال ابن عبد البرّ: أجمَعوا على: أنّه جائز لكلّ مَن سافر سفرًا يَقصر فيه الصلاة: أن يتطوّع على دابّته حيثما توجّهَت به، يومِئ -أي: يخفض رأسه- بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع. وأمّا السفر القصير -وهو: ما لا يباح في القَصر- فإنّه تُباح فيه الصلاة على الراحلة عند إمامنا -أي: أحمد. والليث، والحسن بن حي، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي.

وقال مالك: لا يباح -أي: الصلاة على الراحلة- إلَّا في سفر طويل؛ لأنه رخصة سَفر فاختصّ بالطويل كالقَصر.

يردّ ابن قدامة على هذا الرأي فيقول:

لنا: قول الله تعالى: {وَللّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ} [البقرة: 115]؛ قال ابن عمر: نزلت هذه الآية في التطوع خاصّة؛ حيث تَوجّه بك بعيرك؛ وهذا مطلَق يَتناول بإطلاقه محلّ النزاع. أي: تجوز النافلة على الراحلة سَواء كان السفر قصيرًا أو طويلًا. وعن ابن عمر: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره))، وفي رواية: ((كان يسبّح على ظهر راحلتِه؛ حيث كان وجْهه، يومِئ برأسه)). وكان ابن عمر يفعله. متفق عليهما.

وفي زيادة للبخاري: ((إلَّا الفرائض)). ولمسلم وأبي داود زيادة: ((غير أنَه لا يصلي عليها المكتوبة)). ولم يفرّق بين قصير السفر وطويله، ولأنّ إباحة الصلاة على الراحلة تخفيف في التطوع كي لا يؤدّي إلى قطعها وتقليلها -يعني: من باب الترغيب في القيام بأداء التطوع- وهذا يستوي فيه الطويل والقصير، والقَصر والفطر يُراعَى فيه المشقّة وليس الترغيب أو التشجيع، وإنّما توجد غالبًا -أي: المشقة- في الطويل -أي: في السفر الطويل.

قال القاضي: الأحكام التي يستوي فيها الطويل مِن السّفَر والقصير، ثلاثة: التّيمم، وأكل المَيتة في المخمَصة، والتطوع على الراحلة. أمّا بقية الرّخَص، كالفِطر، وقَصر الصلاة، فتختصّ بالطويل وهي: الفِطر، والجَمع، والمسح ثلاثًا.               

2. إعادة الوتر:

الجزئيّة الأخيرة في موضوع: صلاة الوتر هي: إعادة الوتر؛ ما المقصود بذلك؟

يعني: مَن أوتر في أوّل الليل بعد صلاة العِشاء خَوفًا أن يَغلبه النوم فلا يوتر، لكنّ الواقع أنّه يستيقظ فِعلًا قبل طلوع الفجر، هل يوتر مرّة ثانية؛ لأنّ هذا هو أفضل الأوقات؟ أو إذا صلّى مِن صلاة التهجد شيئًا، فهل يوتر بعدها لأن النبيصلى الله عليه وسلم قال: ((اجعَلوا آخِر صلاة اللّيل وترًا))؟ هذا هو المقصود بعنوان هذه المسألة: “إعادة الوتر”.

وفي ذلك يقول ابن رشد -رحمه الله: 

الرأي الأول: ذهب أكثر العلماء إلى أنّ المرء إذا أوتر ثمّ نام، فقام يتنفّل -أي: يتهجّد. أنّه لا يوتر ثانية؛ لأنه أوتر مِن قَبل، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا وتران في ليلة))، خرّج ذلك أبو داود، والترمذي، والنسائي، وصحّحه ابن حبّان، وحسّنه الترمذي. هذا رأي.

الرأي الثاني: وذهب بعضُ العلماء -وهو: الإمام أحمد. إلى: أنّه يَشفع الوتر الأوّل بأن يضيف إليه ركعة ثانية. يعني: يبدأ صلاة الليل بعد القيام مِن النوم بركعة واحدة، ينوي بها شفع ركعة الوتر التي صلّاها بعد العِشاء، ثم يوتر أخرى بعد التنفل. يعني: بعد قيام الليل يصلِّي ركعة الوتر الأخيرة بعد صلاة الشّفع.

3. نقض الوتر:

هذه المسألة يقول عنها ابن رُشد -رحمه الله: وهي المسألة التي يعرّفونها بــ”نقض الوتر”. يعني: إلغاء ما مضى من الوتر، وصلاة وتر جديد بعد صلاة الليل، إلَّا أن ابن رُشد يميل إلى القول الأوّل الذي لا يقول بإعادة الوتر، عمَلًا بقول النبيصلى الله عليه وسلم: ((لا وتْران في ليلة)).

ويكفي مَن قام من النوم أن يتهجّد، ولا يوتر مرّة ثانية. يقول: وفي هذا -أي: نقْض الوتر، وشفْعه بوتر آخَر- ضَعف من وجهيْن:

أحدهما:

أنّ الوتر ليس ينقلب إلى النّفل بتشفيعه -أي: بصلاة ركعة في أوّل صلاة قيام الليل.

والثاني:

 أنّ التنفل بواحدة غير معروف مِن الشرع، وتجويز هذا ولا تجويزه هو سبب الخلاف في ذلك فمن راعى مِن الوتر المعنى المعقول -وهو ضدّ الشفع- قال: ينقلب شَفعًا إذا أضيف إليه ركعة ثانية -كما قال الحنابلة.

ومن راعى منه المعنى الشرعي قال: ليس يَنقلب شفعًا؛ لأن الشفع نفل قائم بذاته، والوتر أيضًا سُنّة مؤكّدة أو واجبة -كما قال الأحناف- وهي قائمة بذاتها، وليس هناك ما يَضمّ هذه إلى تلك.

error: النص محمي !!