Top
Image Alt

الوجه الثالث: ترجيح الحديث الذي يشهد له ظاهر القرآن أو السنة أو….

  /  الوجه الثالث: ترجيح الحديث الذي يشهد له ظاهر القرآن أو السنة أو….

الوجه الثالث: ترجيح الحديث الذي يشهد له ظاهر القرآن أو السنة أو….

الوجه الثالث من وجوه الترجيح باعتبار أمور خارجية: ترجيح الحديث الذي يشهد له ظاهر القرآن أو السنة أو الإجماع أو القياس أو عمل أهل المدينة:

فهذه خمسة أمور: القرآن والسنة والإجماع والقياس وعمل أهل المدينة، إذا وجد واحد من هذه الخمسة وخالفه حديث آخر ترجح عليه، وأضرب لك مثالًا على كل مرجح من هذه المرجحات الخمسة، وأبدأ بضرب الأمثلة عليها على ترتيبها الذي ذكرته في هذا الوجه الثالث:

ومثال ترجيح الحديث الموافق لظاهر القرآن الكريم من جملة القرائن المشعرة بنوع متابعة للراوي أن تكون روايته موافقة لظاهر القرآن، أو لظاهر لفظ القرآن الكريم، فتترجح على الرواية الأخرى المخالفة لها في سياق المتن.

ويقرر هذا الوجه من وجوه الترجيح الإمام الكبير أبو بكر الحازمي في كتابه الفريد (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)، فيقول ما لفظه: الوجه السابع والعشرون أن يكون أحد الحديثين موافقًا لظاهر القرآن دون الآخر، فيكون الأول أولى بالاعتبار، نحو قوله عليه السلام: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها)).

فهذا حديث يعارضه نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الأوقات، التي نهي عن الصلاة فيها غير أن الحديث الأول يعاضده ظواهر من الكتاب، نحو قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصّلَوَاتِ} [البقرة: 238]، وقوله: {وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ} [آل عمران: 133]، إلى غير ذلك من الآيات. انتهى كلام الإمام أبي بكر الحازمي في (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)، الصحيفة التاسعة والسبعون إلى الصحيفة الثمانين.

وبالمثال يتضح المقال: أخرج الإمام البخاري والإمام مسلم في (صحيحيهما)، واللفظ لمسلم من طريق أبي عمر حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسًا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ((يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟)) الحديث بطوله.

وفيه قوله تعالى للمؤمنين في الموقف يوم القيامة ((فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساقٍ فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً، إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه)) الحديث بطوله.

رواه البخاري في (صحيحه)، كتاب التفسير سورة النساء، باب ((إن الله لا يظلم مثقال ذرة)) يعني زنة ذرة، الحديث الواحد والثمانون وخمسمائة وأربعة آلاف مختصرًا، الجزء الثامن الصحيفة الثامنة والتسعون.

ومسلم في (صحيحه) كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤيا، الحديث الثاني بعد الثلاثمائة واللفظ له، الجزء الأول الصحيفة السابعة والستون ومائة إلى الصحيفة الواحدة والسبعين ومائة.

ومدار الحديث على زيد بن أسلم، واختلف عليه في لفظه على وجهين:

الوجه الأول: بلفظ ((فيكشف عن ساقٍ)) رواه عن زيد هكذا.

  1. أبو عمر حفص بن ميسرة وروايته هي المخرجة قريبًا في (الصحيحين).
  2. هشام بن سعد المدني، وروايته أخرجها مسلم في (صحيحه) كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤيا، الحديث الثالث والثلاثمائة ولم يسق لفظه إنما قال: نحو حديث حفص بن ميسرة إلى آخره، وقد زاد ونقص شيئًا، الجزء الأول الصحيفة الواحدة والسبعون ومائة.
  3. وعبد الرحمن بن إسحاق المدني وروايته أخرجها الإمام أحمد في (مسنده) الجزء الثالث، الصحيفة السادسة عشرة إلى السابعة عشرة.
  4. خارجة بن مصعب بن خارجة الضبعي، قال فيه ابن حجر: متروك وكان يدلس عن الكذابين ويقال: إن ابن معين كذبه (تقريب التهذيب)، الصحيفة السادسة والثمانون ومائة، الترجمة الثانية عشرة وستمائة وألف (تهذيب التهذيب)، الجزء الثالث الصحيفة السادسة والسبعون، إلى الثامنة والسبعين الترجمة السابعة والأربعون ومائة.

ورواية خارجة أخرجها أبو داود الطيالسي في (مسنده)، الحديث التاسع والسبعون ومائة وألفان، عن خارجه بن مصعب الضُّبَعي عنه به الصحيفة التاسعة والثمانون ومائتان.

والوجه الثاني: بلفظ ((فَيَكشِفُ عن ساقه))، وفي لفظ ((يكشف ربنا عن ساقه))، روى هذا اللفظ عن زيد بن أسلم سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم أبو العلاء المصري، وثقه العجلي ومحمد بن سعد وابن خزيمة والدارقطني والخطيب والبيهقي وابن عبد البر والذهبي، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال الساجي وأبو زرعة وابن حجر: صدوق.

وقال أحمد بن حنبل: ما أدري أي شيء حديثه يخلط في الأحاديث، وشذ ابن حزم في تضعيفه بقوله في (المحلى): ليس بالقوي، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، انظر ترجمته في المصادر والمراجع الآتية (تقريب التهذيب)، الصحيفة الثانية والأربعون ومائتان، الترجمة العاشرة وأربعمائة وألفان (تهذيب التهذيب) للحافظ ابن حجر، الجزء الرابع الصحيفة الرابعة والتسعون إلى الصحيفة الخامسة والتسعين، الترجمة التاسعة والخمسين ومائة.

(الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم الرازي، الجزء الرابع الصحيفة الحادية والسبعون، الترجمة الواحدة بعد الثلاثمائة بعد الثلاثمائة، (ميزان الاعتدال) للحافظ الذهبي، الجزء الثاني الصحيفة الثانية والخمسون وثلاثمائة الترجمة التسعون ومائتان وثلاثة آلاف.

(الطبقات الكبرى) لمحمد بن سعد كاتب الواقدي، الجزء السابع الصحيفة الرابعة عشرة وخمسمائة، ورواية سعيد بن أبي هلال الليثي أخرجها البخاري في (صحيحه)، كتاب التفسير سورة {نَ وَالْقَلَمِ} [القلم: 1] باب {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42]، الحديث التاسع التاسع عشر وتسعمائة وأربعة آلاف، بلفظ: ((يكشف ربنا عن ساقه))، الجزء الثامن الصحيفة الواحد والثلاثون وثلاثمائة.

وفي كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نّاضِرَةٌ}(22) {إِلَىَ رَبّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23]، الحديث التاسع والثلاثون وأربعمائة وسبعة آلاف بلفظ: ((فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق فيكشف عن ساقه))، الجزء الثالث عشر الصحيفة الواحدة والثلاثون وأربعمائة.

ووجه ترجيح رواية الجماعة على رواية سعيد بن أبي هلال أن رواية الجماعة، التي بلفظ: ((نعم فيكشف عن ساق)) موافقة للفظ الذي جاء به القرآن الكريم في سورة القلم، وهو قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}(42) {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم: 42، 43].

فتكون هي الرواية الراجحة، وتكون رواية سعيد بن أبي هلال رواها بالمعنى وإن كانت صحيحة الإسناد؛ ولأجل هذا رجح الإمام الإسماعيلي في (مستخرجه على البخاري) رواية الجماعة، واستنكر لفظة عن ساق، وقال عن رواية الجمعة: عن ساق هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة.

لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين -تعالى الله عن ذلك- {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، انظر (فتح الباري بشرح البخاري)، الجزء الثامن الصحيفة الثانية والثلاثون وخمسمائة.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في (الفتح): أما قوله: ((هل بينكم وبينه علامة تعرفونها فيقولون: الساق))، فهذا يحتمل أن الله عرفهم على ألسنة الرسل من الملائكة، أو الأنبياء أن الله جعل لهم علامة تجليه الساق، وذلك أنه يمتحنهم بإرسال من يقول لهم: أنا ربكم وإلى ذلك الإشارة إلى قوله تعالى: {يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ} [إبراهيم: 27].

وهي وإن ورد أنها في عذاب القبر، فلا يبعد أن تتناول يوم الموقف أيضًا. انتهى كلام الحافظ ابن حجر في (فتح الباري بشرح البخاري)، الجزء الثالث عشر الصحيفة السابعة والثلاثون وأربعمائة.

ومثال ترجيح الحديث الموافق لسنة أخرى دون الآخر، قال أبو بكر الحازمي في كتاب (الاعتبار) ما لفظه: الوجه الثامن والعشرون أن يكون أحد الحديثين موافقًا لسنة أخرى دون الآخر، نحو قوله عليه السلام: ((لا نكاح إلا بولي)) يقدم على الحديث الآخر ((ليس للولي مع الثيب أمر))؛ لأن الأول رواه أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويؤيده حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)). انتهى كلام أبي بكر الحازمي في (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)، الصحيفة الثمانون إلى الصحيفة الحادية والثمانين.

أي: إذا تعارض ظاهر حديثين، وكان أحدهما موافقًا لحديث آخر في نفس الباب، وإن اختلفت ألفاظه واتفقت معانيه والثاني ليس كذلك، فيرجح ما وافقه حديث آخر؛ لأنه يزداد قوة بتلك الموافقة.

وبالمثال يتضح المقال: روى الإمام مسلم في (صحيحه)، كتاب النكاح باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت الحديث السابع والستون من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وأذنها سكوتها))، الجزء الثاني الصحيفة السابعة والثلاثون بعد الألف، وظاهره يدل على أن للمرأة أن تلي عقد نكاحها بنفسها بغير ولي.

وقد عارضه ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن حبان والحاكم، من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي))، وصححه غير واحد من الحفاظ منهم علي بن المديني والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي وعبد الرحمن بن مهدي.

ورواه أبو داود في (سننه) كتاب النكاح، باب في الولي، الحديث الخامس والثمانون بعد الألفين، الجزء الثاني الصحيفة التاسعة والعشرون ومائتان، والترمذي في (جامعه) كتاب النكاح باب ما جاء ((لا نكاح إلا بولي))، الحديث الواحد بعد المائة وألف، الجزء الثالث الصحيفة السابعة وأربعمائة.

وابن ماجه في (سننه) كتاب النكاح، ((باب لا نكاح إلا بولي)) الحديث الحادي والثمانون وثمانمائة وألف، الجزء الأول الصحيفة الخامسة بعد الستمائة.

وأحمد في (مسنده)، الجزء الرابع الصحيفة الرابعة والتسعون وثلاثمائة، والصحيفة الثالثة عشرة وأربعمائة والصحيفة الثامنة عشرة وأربعمائة، وابن حبان في (صحيحه) كتاب النكاح باب الولي، الحديث الخامس والستون بعد أربعة آلاف والسادس والستون بعد أربعة آلاف، والثامن والسبعون بعد أربعة آلاف، والحادي والسبعون بعد أربعة آلاف.

وقال: والخبر صحيح مرسلًا ومسندًا معًا، لا شك ولا ارتياب في صحته، الجزء السادس الصحيفة الثانية والخمسون ومائة، والثالثة والخمسون ومائة، والرابعة والخمسون ومائة والسادسة والخمسون ومائة، والحاكم في (مستدركه) كتاب النكاح وقال: فقد استدللنا بالروايات الصحيحة، وبأقاويل أئمة هذا العلم على صحة حديث أبي موسى بما فيه غنية لمن تأمله. إلى آخر كلامه.

الجزء الثاني الصحيفة التاسعة والستون ومائة، إلى الثانية والسبعين ومائة، فيترجح حديث أبي موسى الأشعري هذا لموافقته لأحاديث أخرى، منها ما رواه الترمذي واللفظ له وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل فنكاحها باطل فكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)).

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، أخرجه الترمذي في (جامعه) كتاب النكاح باب ما جاء ((لا نكاح إلا بولي))، الحديث الثاني ومائة وألف، الجزء الثالث الصحيفة السابعة وأربعمائة إلى الصحيفة الثامنة وأربعمائة، وأبو داود في (سننه) كتاب النكاح باب في الولي، الحديث الثالث والثمانون بعد الألفين والرابع والثمانون بعد الألفين، الجزء الثاني الصحيفة التاسعة والعشرون ومائتان. وابن ماجه في (سننه) كتاب النكاح باب ((لا نكاح إلا بولي))، الحديث التاسع والسبعون وثمانمائة وألف بنحوه، الجزء الأول الصحيفة الخامسة بعد الستمائة، وابن حبان في (صحيحه) كتاب النكاح باب الولي، الحديث الثاني والستون بعد أربعة آلاف بنحوه، ووقع عنده ((فنكاحها باطل)) مرتين، الجزء السادس الصحيفة الواحدة والخمسون ومائة. والحاكم في (مستدركه)، كتاب النكاح وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، الجزء الثاني الصحيفة الثامنة والستون ومائة.

error: النص محمي !!