Top
Image Alt

الوجه الثالث من وجوه الترجيح باعتبار الإسناد: رواية صاحب القصة

  /  الوجه الثالث من وجوه الترجيح باعتبار الإسناد: رواية صاحب القصة

الوجه الثالث من وجوه الترجيح باعتبار الإسناد: رواية صاحب القصة

إذا تعارض حديثان وكان راوي أحدهما صاحب القصة المباشر لها، فإنه تقدم روايته على رواية غيره؛ لأن من قرائن ضبط الراوي وحفظه أن يكون هو صاحب القصة، فإن ذلك يشعر بضبطه لها، فهو أعرف بالقصة من غيره.

والمرء أعلم بشأنه وأدرى بحاله فإذا خالفه فيها غيره كانت رواية صاحب القصة هي الراجحة؛ لأنه أكثر اهتمامًا بأمر نفسه وصاحب البيت أدرى بما فيه كما يقال.

قال أبو بكر الحازمي في (الاعتبار) ما نصه: الوجه الثامن: أن يكون أحد الراويين صاحب القصة فيرجح حديثه؛ لأن صاحب القصة أعرف بحاله من غيره وأكثر اهتمامًا. (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)، الصحيفة السابعة والستون.

وأشار الحافظ ابن حجر في شرح باب قول الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} [التوبة: 25] الآية، من كتاب المغازي في شرح حديث أبي قتادة مرفوعًا: ((من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه))، أن صاحب القصة أتقن لما وقع فيها من غيره. انظر (فتح الباري بشرح البخاري)، الجزء السابع، الصحيفة السادسة والثلاثون وستمائة.

مثال ترجيح رواية صاحب القصة، والكلام على هذا المثال على أصول الصناعة الحديثية:

روى الإمام مسلم في (صحيحه)، وأصحاب السنن الأربعة، وأبو بكر بن أبي شيبة في (مصنفه)، وغيرهم، كلهم من طريق يزيد بن الأصم، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين.

قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث، ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال))، قال: وكانت خالتي، وخالة ابن عباس. اللفظ لمسلم.

وأصرح منه اللفظ الذي في رواية أبي داود في (سننه) عن يزيد بن الأصم، ابن أخي ميمونة، عن ميمونة رضي الله عنها قالت: ((تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف)).

– رواه مسلم في (صحيحه) كتاب النكاح، باب: تحريم نكاح المحرِم، وكراهة خطبته، الحديث الثامن والأربعون، الجزء الثاني، الصحيفة الثانية والثلاثون بعد الألف.

– وأبو داود في (سننه) كتاب المناسك، باب: المحرِم يتزوج، الحديث الثالث والأربعون وثمانمائة وألف، الجزء الثاني، الصحيفة التاسعة والستون ومائة.

– والترمذي في (جامعه)، كتاب الحج، باب ما جاء في الرخصة في ذلك، الحديث الخامس والأربعون وثمانمائة، وزاد في آخره: ودفناها في الظلة التي بنى بها فيها. الجزء الثالث الصحيفة الثالثة ومائتان.

– والنسائي في (سننه الكبرى)، كتاب النكاح، ذكر الاختلاف في تزويج ميمونة، الحديث الرابعة وأربعمائة وخمسة آلاف، وزاد في آخره: ((وبنى بها تحت التنضبة)).

ومعنى التنضبة: قرية فوق سرف قرب مكة. انظر: (معجم البلدان) لياقوت الحموي، الجزء الثاني، الصحيفة السابعة والأربعون، و(ترتيب القاموس المحيط) للفيروزآبادي، الجزء الرابع، الصحيفة الخامسة والثمانون وثلاثمائة.

أعود لتخريج الحديث الشريف. الجزء الثالث، الصحيفة الثامنة والثمانون ومائتان.

– وابن ماجه في (سننه) كتاب النكاح، باب المحرم يتزوج الحديث الرابع والستون وتسعمائة وألف، الجزء الأول، الصحيفة الثانية والثلاثون وستمائة.

– وأبو بكر بن أبي شيبة في (مصنفه)، كتاب الحج، من كره أن يتزوج المحرم، الحديث الثامن والعشرون ومائة، وثلاثة عشر ألفًا، الجزء الثامن، الصحيفة الرابعة والتسعون.

– وأخرج البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم. رواه البخاري في (صحيحه) كتاب جزاء الصيد، باب تزويج المحرِم، الحديث السابع والثلاثون وثمانمائة وألف.

الجزء الرابع، الصحيفة الثانية والستون، وفي كتاب المغازي، باب عمرة القضاء، الحديث الثامن والخمسون ومائتان وأربعة آلاف، وزاد في آخره: ((وبنى بها وهو حلال وماتت بسَرِف)).

الجزء السابع، الصحيفة الحادية والثمانون وخمسمائة، وفي كتاب النكاح، باب نكاح المحرم، الحديث الرابع عشر ومائة وخمسة آلاف بمثله، الجزء التاسع الصحيفة السبعون.

ومسلم في (صحيحه)، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته، الحديث السادس والأربعون، والسابع والأربعون، بمثله، الجزء الثاني الصحيفة الحادية والثلاثون وألف، إلى الصحيفة الثانية والثلاثين بعد الألف.

وجه التعارض بين الحديثين:

ظاهر حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها في غير حج وعمرة.

وظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنه تزوجها في عمرة القضاء، وهذا تعارض يترتب عليه حكم شرعي، وقد سبق الجمع بين الحديثين في أقسام الجمع بين الأحاديث المتعارضة ومسالكه، في القسم الثاني الجمع بين تعارض الحديثين الخاصين، المثال الثاني فراجعه هنالك في المحاضرات السابقات إن شئت.

وجه الترجيح برواية صاحب القصة:

جنح بعض العلماء إلى الترجيح بين الحديثين، فكان حديث ميمونة هو الراجح لما يلي:

أولًا: أن ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها راوية الحديث هي صاحبة القصة؛ لأنها تتعلق بزواجها، وقد صرحت بأن الزواج قد تم وهما حلالان غير محرمين، والمرء أعلم بحاله وأدرى بنفسه من غيره، وكما قيل: صاحب البيت أدرى بما فيه.

ثانيًا: حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله عنها موافق للقاعدة الشرعية، التي أسسها حديث مسلم في (صحيحه) كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته، الحديث الحادي والأربعون، والثاني والأربعون، والثالث والأربعون، والرابع والأربعون من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَنْكِحُ المحرم، ولا يُنكَح ولا يخطب))، الجزء الثاني، الصحيفة الثلاثون بعد الألف، فحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه تقعيد قاعدة فهو الأصل.

وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فواقعة تحتمل تأويلات؛ ولهذا ذهب جمهور الفقهاء خلافًا لأبي حنيفة -رحمه الله-: إلى أن المحرم بحج أو عمرة إذا عقد نكاحه لنفسه أو لغيره، فلا ينعقد شرعًا ولا يصح، ونكاحه حينئذٍ باطل.

ثالثًا: حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله عنها في قصة نكاحها وهما حلالان، جاءت كذلك عن غيرها من الصحابة كأبي رافع وصفية بنت حيي رضي الله عنهما روى الإمام الترمذي في (جامعه)، والنسائي في (سننه الكبرى)، وأحمد في (مسنده).

كلهم من طريق حماد بن زيد عن مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلالٌ، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما)).

رواه الترمذي في (جامعه) كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم، الحديث الحادي والأربعون وثمان مائة، قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله-: هذا حديث حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق، عن ربيعة.

الجزء الثالث، الصحيفة مائتان، والنسائي في (سننه الكبرى)، كتاب النكاح، ذكر الاختلاف في تزويج ميمونة رضي الله عنها الحديث الثاني وأربع مائة وخمسة آلاف بمثله.

وقال عقبه: أرسله مالك بن أنس، الجزء الثالث، الصحيفة الثامنة والثمانون ومائتان، وأحمد في (مسنده) الجزء السادس، الصحيفة الثانية والتسعون وثلاثمائة، إلى الصحيفة الثالثة والتسعين وثلاثمائة.

وروى الإمام مالك في (موطئه) كتاب الحج باب نكاح المحرم، الحديث التاسع والستون، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سيلمان بن يسار: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع ورجلًا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل أن يخرج)).

الجزء الأول، الصحيفة الثامنة والأربعون وثلاثمائة، من كتاب (الموطأ) للإمام مالك.

وروى الإمام النسائي في (سننه الكبرى)، كتاب النكاح، ذكر الاختلاف في تزويج ميمونة، الحديث الثالث وأربع مائة وخمسة آلاف، من حديث صفية بنت حيي بن أخطب، أم المؤمنين رضي الله عنها.

قالت: ((تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال، وبنى بها بسرف وكان قبر ميمونة بسرف)). الجزء الثالث، الصحيفة الثامنة والثمانون ومائتان.

هذه ثلاثة أحاديث عن غير ميمونة راوية القصة وصاحبتها:

الأول: عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الرسول بينهما المباشر للواقعة.

والثاني: عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة وحديثه مرسل.والثالث: عن أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها.

error: النص محمي !!