Top
Image Alt

الوجه الخامس: ترجيح الحديث المشتمل على زيادة محفوظة

  /  الوجه الخامس: ترجيح الحديث المشتمل على زيادة محفوظة

الوجه الخامس: ترجيح الحديث المشتمل على زيادة محفوظة

وأقرر هذا الوجه بادئ ذي بدء بما قعده الإمام أبو بكر الحازمي -رحمه الله تعالى- في (الاعتبار)، فقال ما لفظه: الوجه الثالث والأربعون أن يكون في أحد الخبرين زيادة لا تكون في الثاني، فيرجح الأول؛ لأن الزيادة عن الثقة مقبولة ولذلك قدم الترجيع في الأذان على خبر من رواه من غير ترجيع. انتهى كلام أبي بكر الحازمي في (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)، الصحيفة السادسة والثمانون.

وانظر أيضًا (الواضح في أصول الفقه) لابن عقيل الحنبلي، الجزء الخامس الصحيفة الحادية والتسعون: أن يكون أحدهما زائدًا.

وبالمثال يتضح المقال: ثبت في صيغة الأذان الترجيع، وفي صيغة أخرى بغير ترجيع، ومعنى الترجيع أن يقول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله أشهد أن محمد رسول الله، يقولها بصوت خفيض يسمع من حوله، ثم يرفع بها صوته بعد ذلك، ويقول: أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله أشهد أن محمد رسول الله.

هكذا يفعل المؤذن في الأذان، إذًا فالترجيع هما الشهادتان يقولهما المؤذن مرة بصوت خفيض، ومرة بصوت مرتفع.

وثبت في صيغة الأذان الترجيع وفي صيغة أخرى بغير ترجيع، وأذكر لك الحديثين وتخريجهما، وأتكلم على موضع الشاهد فيهما إن شاء الله تعالى.

أولًا: حديث صيغة الآذان بغير ترجيع، روى أبو داود واللفظ له والترمذي وابن ماجه كلهم من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدثني أبي عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يُعْمل؛ ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده.

فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به فقلت: ندعو به إلى الصلاة قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى قال: فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله أشهد أن محمد رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.

قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمد رسول الله، حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.

فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال: ((إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيته فليؤذن به فإنه أندى صوتًا منك، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلله الحمد)).

رواه أبو داود في (سننه)، وهذا لفظه في كتاب الصلاة باب كيف الأذان الحديث التاسع والتسعون وأربعمائة، الجزء الأول الصحيفة الخامسة والثلاثون ومائة.

وللترمذي في (جامعه) أبواب الصلاة، باب ما جاء في بدء الأذان الحديث التاسع والثمانون ومائة مختصرًا ببعضه، وقال: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح، الجزء الأول الصحيفة الثامنة والخمسون وثلاثمائة إلى الصحيفة التاسعة والخمسين وثلاثمائة.

وابن ماجه في (سننه) كتاب الأذان والسنة فيه، باب بدء الأذان الحديث السادس بعد السبعمائة بتمامه، وزاد في آخره شعرًا لعبد الله بن زيد الأنصاري الجزء الأول، الصحيفة الثانية والثلاثون ومائتان إلى الصحيفة الثالثة والثلاثين ومائتين.

ثانيًا: حديث آخر وفيه صيغة الأذان بالترجيع، أخرج الإمام مسلم في (صحيحه)، واللفظ له وأهل السنن الأربعة من حديث أبي محذورة الجمحي المكي المؤذن رضي الله عنه ((أن نبي الله صلى الله عليه وسلم علمه هذا الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله أشهد أن محمد رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله أشهد أن محمد رسول الله، حي على الصلاة -مرتين- حي على الفلاح -مرتين- الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله))، رواه مسلم في (صحيحه) كتاب الصلاة، باب صفة الأذان الحديث السادس الجزء الأول، الصحيفة السابعة والثمانون ومائتان.

وأبو داود في (سننه) كتاب الصلاة، باب كيف الأذان الحديث خمسمائة، وذكر التكبير في أوله مربعًا وصيغة الترجيع عنده ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله أشهد أن محمد رسول الله تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله.

وزاد في آخره فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. الحديث، الجزء الأول، الصحيفة السادسة والثلاثون ومائة، والترمذي في (جامعه) أبواب الصلاة باب ما جاء في الترجيع في الأذان، الحديث الحادي والتسعون ومائة مختصر جدًّا، وفيه الترجيع وقال أبو عيسى: حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح.

وقد روي عنه من غير وجه الجزء الأول، الصحيفة السادسة والستون وثلاثمائة، والنسائي في (سننه) كتاب الآذان خفض الصوت في الترجيع في الأذان، الحديث التاسع والعشرون وستمائة، ووقع في أوله التكبير مربعًا ووصف الترجيع بقوله: ثم قال بصوت دون ذلك الصوت يُسمع من حوله، الجزء الثاني الصحيفة الثالثة إلى الصحيفة الرابعة.

وفي (كيف الأذان الحديث الحادي والثلاثون وستمائة، وذكر في أوله التكبير مربعًا، الجزء الثاني الصحيفة الرابعة إلى الصحيفة الخامسة، وابن ماجه في (سننه) كتاب الأذان والسنة فيها باب الترجيع في الأذان، الحديث الثامن بعد السبعمائة، وفيه التكبير مربعًا، وزاد قصة في أوله وأخرى في آخره.

الجزء الأول، الصحيفة الرابعة والثلاثون ومائتان إلى الصحيفة الخامسة والثلاثين ومائتين.

وجه ترجيح الحديث المشتمل على زيادة محفوظة:

حديث أبي محذورة رضي الله عنه اشتمل على زيادة الترجيع في الأذان وهي زيادة محفوظة، فتترجح على حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه الذي لم يذكرها وزيادة الثقة مقبولة.

قال ابن الصلاح في النوع السادس عشر: مذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث فيما حكاه الخطيب أبو بكر أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرد بها، سواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه ناقصًا مرة، ورواه مرة أخرى وفيه تلك الزيادة أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصًا، خلافًا لمن رد من أهل الحديث ذلك مطلقًا (مقدمة ابن الصلاح)، الصحيفة الأربعون.

وبإثبات الترجيع في الآذان قال به جمهور الفقهاء خلافًا لأبي حنيفة، الذي احتج بحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه. ومن أوجه ترجيح إثبات الترجيع في حديث أبي محذورة رضي الله عنه فوق أنه زيادة ثقة، أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي لقنه بنفسه الأذان بالترجيع، والترجيع عمل أهل الحرمين، وهم أعرف بالسنن من غيرهم، انظر (فتح المنعم شرح صحيح مسلم) لصاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين -رحمه الله- الجزء الرابع الصحيفة الخامسة والعشرون.

error: النص محمي !!