Top
Image Alt

الوجه الرابع: الإعجاز العلمي وضوابطه

  /  الوجه الرابع: الإعجاز العلمي وضوابطه

الوجه الرابع: الإعجاز العلمي وضوابطه

1. مقدمة: الوجه الرابع من أوجه الإعجاز في القرآن الكريم: الإعجاز العملي. الإعجاز العلمي بابٌ واسعٌ في القرآن الكريم، ولعله في عصرنا الحاضر يعتبر من أعظم وجوه الإعجاز التي تجذب الناسَ، وتحمل الخَلْقَ في العصر العلمي وعصر الحضارة، وعصر الرقي إلى الإيمان واليقين بأن هذا القرآن الكريم هو من عند علام الغيوب سبحانه وتعالى. إذِ انكشفت في هذا القرآن أسرار علمية، وآيات إعجاز علمي ما عرفتها البشرية إلا في القرن الأخير، أو في السنوات الأخيرة؛ وقد أشار إليها القرآن الكريم أو تحدث عنها بالإشارة أو بصريح العبارة قبل أربعة عشرة قرنًا من الزمان، ما كانت البشرية تعلم شيئًا عنها في هذا الوقت. في البداية نُقرر أن القرآن الكريم كتاب عقيدة وهداية، يهدي الناس إلى طريق الرشاد، يدينهم بالعبودية لله رب العالمين، وقد أعلن القرآن ذاته هذه الوظيفة، وحدد تلك الغاية في غير آية، قال تعالى: {الَمَ (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ} [البقرة: 1، 2]، وقال جَل من قائل: {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16]. فوظيفةُ القرآن هي هدايةُ العالَم، وهي أسمى وظيفة في الوجود، وغايته أعظم غاية، وأجل مهمة في إنقاذ البشر، فعظمة هذا الكتاب لا تتوقف إذن على انتحال وظيفة أخرى له. بيد أن هذا الكتاب العظيم قد تضمن من الآيات في الأفاق وفي الأنفس ما كان دلائلَ إعجازٍ باهرةٍ بجانب رسالتها الأساسية في هِداية الثقلين لعبادةِ الحقِّ -جل وعلا- وهذا أمر يجلي جانبًا من عظمة هذا الكتاب. والمستقرئ لكتاب الله يقف على أكثرِ من ألف آيةٍ فيه، تتحدث عن عظيمة القدرة الإلهية، ودلائل توحيده -جل وعلا- سواء منها ما يتعلق بالسموات والأرض، وما بينهما من الأمور الكونية، أو ما يتعلق بالإنسان والشجر والدواب. وكثير من هذه الآيات لم ترِد من قبيل الإخبار العلمي المباشر للإنسان؛ لأن غاية القرآن الأولى هي هداية الخلق إلى ربهم بذكر آيات القدرة البديعة، ولفت أنظارِهم إلى ما فيها من آلاء ونعم؛ لشكر الخالق وعبادته، كما أن الكسب العلمي متروك لاجتهاد الإنسان يحصله ويبرع فيه على قدر طاقته عبر القرون، وحسب مختلف الثقافة والفنون؛ والقرآن يدعو البشر إلى التطلع في الآفاق فقال: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الاَيَاتُ وَالنّذُرُ عَن قَوْمٍ لاّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101]، وقال: {وَفِيَ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]. وقبل الشروع في بيان الإعجاز العلمي للقرآن، وذكر بعض الآيات كنماذج لذلك، ينبغي أن نقف على بعض القواعد والحقائق التي ينبغي مراعاتها في هذا الصدد، وبخاصة عند الحديث عن الإعجاز العلمي. 2. قواعد عن الإعجاز العلمي: لقد قرر العلماء عدةَ قواعد، أهمها ما يأتي: أولًا: أن القرآن كتاب هداية ودعوة إلى الإيمان برب العالمين، هذه رسالته الكبرى وغايته العظمى، مثلما نطق القرآن: {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} فوظيفته الأساسية: هداية الثقلين إلى سعادة الدارين. ثانيًا: أن القرآن لم يجعل تلك العلوم الكونية من موضوعه الأساس بشرح حقائقها وبيان قوانينها؛ وذلك لتغير أحوالها، ولأن حقائقها وتفاصيلها تعلو على أفهام العامة لدقتها وخفائها، وما ذكرت آياتها إلا لدلالة الخلق على خالقهم. ثالثًا: إن عظمة هذا الكتاب لا تتوقف على شرح هذه العلوم الكونية، أو تفصيل تلك الآيات النفسية وفي الآفاق، ولا ينقصه أن نلتقط له وظيفة جديدة من هذا النوع، فليس هذا من مقاصده، إذ ليست غايته شرح حقيقة علمية عن الفلك، أو علوم الكيمياء، أو الطبيعة، أو أن يضيف بابًا في علم الرياضة أو الطب أو الجيولوجيا، لا؛ فمهمته ليست البحث في الشئون الكونية، أو المسائل العلمية؛ بل غايته أسمى وأجل من ذلك، وما ذكر فيه من هذه الآيات فإنما ذلك وسائل ودلائل على القدرة والوحدانية؛ لتحقيق الهداية الربانية. رابعًا: إن الإصرار على جعل هذه العلوم الكونية ونظرياتها العلمية من علوم القرآن ومعارفه الأساسية خطأ؛ إذ إن هذه العلوم تتجدد نظرياتها، وتتغير مع الزمن، وتخضع بسنة التبدل مع الأيام، وكثيرًا ما تبطل وتنقض بعد طول ثبات، وإنَّ حِرصَ البعض على أن يتضمن القرآن الكريم كل نظرية علمية، وأن يستخرجوا من آياته مسائل العلم، وقوانين الكون، وأسرار الطبيعة؛ استنادًا إلى قوله -جل وعلا-: {وَكُلّ شَيْءٍ فَصّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} [الإسراء: 12]، وقوله: {مّا فَرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمّ إِلَىَ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]، غير سديد؛ فإن القرآن الكريم ما أنزل لهذا، ولو حملناه أو فسرناه بهذه النظريات المتغيرة فقد جعلناه عرضةً للنقائض، كلما تبدلت النظريات أو تغيرت القوانين. وهذا لا يمنع أن يكون القرآن تفصيلًا لكلِّ شيءٍ، وتبيانًا لكل ما يحتاج إليه البشر، وكان ضروريًّا لهم في دينهم أو دنياهم. خامسًا: إن القرآن الكريم حث على النظر والبحث في هذه العلوم، والاستفادة من تلك الآيات؛ لينتفع بها الإنسان، وهذا في عشرات الآيات: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} [يونس:101] ، {أَوَلَمْ يَتَفَكّرُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ مّا خَلَقَ اللّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ وَأَجَلٍ مّسَمّى وَإِنّ كَثِيراً مّنَ النّاسِ بِلِقَآءِ رَبّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8]، {إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ} [آل عمران: 190]، آيات كثيرة. كما بين سبحانه أن هذه الآيات -آيات القدرة- في الكون وفي الأنفس أنها مسخرة للإنسان، مهيأة لمنافعه، فقال: {وَسَخّرَ لَكُمْ مّا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ} [الجاثية: 13]، وأنه يجب على الإنسان أن يستفيد منها في إطار هدي الله وشرعه، وإلا صارت شقاءً عليه. سادسًا: إن القرآن عندما يعرض لهذه الكونيات يشعر بأنها مربوبة لله، مقهورة له، خاضعة لقدرته ومراده، يقول -جل وعلا-: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسّمَاوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]، ويقول أيضًا: {الشّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنّجْمُ وَالشّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 5، 6]. وهكذا كل هذه الدلائل من السموات والأرض، وهما من المخلوقات العظيمة: {لَخَلْقُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلَـَكِنّ أَكْـثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [غافر: 57]، كلها مربوبة مقهورة لله رب العالمين. سابعًا: من الحقائق التي لا بد أن نعرفها أن القرآن الكريم وهو يحدثنا عن آيات الله في الكون، ويحثنا على التأمل فيها، إنما يحدثنا عنها حديث العلم والإحاطة، حديث الخبير بأسرارها، المدبر لأمرها، العالِم بكل شئونها، مثلما يقول سبحانه: {عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرّةٍ فِي السّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ} [سبأ: 3]، وما يذكره القرآن عنها هو الحقيقة اليقينية، لا يختلف مع حقيقة علمية أو قاعدة يقينية ثبت رسوخها، ولم تأت حقيقة علمية تنقض ما ذكره القرآن، أو تبطل شيئًا مما قرره، فلا تناقض ولا اختلاف بين حقائق الكون وما في القرآن الكريم؛ لأن الكون خلقُ اللهِ سبحانه، والقرآن كلام الله -جل وعلا- فلا يمكن أن يكون بينهما أدنى تعارض؛ بل هو الحق الثابت، والقول الصادق، والخبر اليقين: {وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]. وقد رأينا أن العلوم تتقدم وتتطور في شتى المجالات، ولم يتعارض شيء منها قد ثبت مع آية من آيات هذا الكتاب المجيد. ثامنًا: إن الإعجاز العملي للقرآن الكريم يختلف عن التفسير العلمي له، نعم؛ فالتفسير العلمي يستلزم كافةَ العلوم والمعارف النافعة، كعلوم اللغة والأصول وعلوم القرآن، بجانب توظيف المعارف الكونية في تطورها المستمر، وثوابتها العلمية واستنتاجاتها؛ والتفسير العلمي بهذا هو جهد بشري، من أصاب فيه فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد. أما الإعجاز العلمي للقرآن الكريم: فلا يجوز أن يوظفَ فيه إلا القطعي من الثوابت العلمية؛ وذلك لأن المقصود بالإعجاز العلمي هو إثبات أن القرآن الكريم الذي أُوحي به إلى نبي أمي قبل أربعة عشر قرنًا يحوي من حقائق هذا الكون ما لم يتمكن الإنسان من معرفته والوصول إليه، إلا في هذه العقود الأخيرة من هذا القرن، وبعد مجاهدات طويلة عبر القرون المتواصلة، وهذا لا يمكن لعاقل أن يتصور إمكانية حدوثه إلا بوحي من الله العليم الخبير. هذه الأمور الثمانية لا بد من مراعاتها كقواعد ثابتة عندما ننطلق إلى التفسير، أو إلى الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.

error: النص محمي !!