Top
Image Alt

الوحدانية والتوحيد

  /  الوحدانية والتوحيد

الوحدانية والتوحيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

أقسام التوحيد:

أ. التفريق بين الوحدانية والتوحيد من حيث اللغة:

يقال في اللغة: وَحِد بكسر الحاء، ووَحُد بضم الحاء، أي: صار منفردًا، إذ أصل الوحدة الانفراد، أو كما يقول الراغب -رحمه الله: هي الشيء الذي لا جزء له ألبتة.

ويُقال: وَحَّده توحيدًا، أي: جعله واحدًا، أو عَدَّه واحدًا.

والواحد: مشترك لفظي يطلق على الله تعالى، مع ملاحظة الفارق بين الوَحدة في الحالين، فالوَحدة في جانب الخلق جميعًا عارضة تقبل التحول، بل قد تكون ادّعائية، كقولهم: فلان واحد دهره، أو نسيج وحده.

أما الوَحدة في جانب الخالق جل شأنه فهي أصلية غير عارضة ولا مُدَّعاة، وهي حقيقة يقينية لا تقبل التحول والانتقال، وقد أحسن الراغب – رحمه الله- حين قال بعد أن بيّن استعمالات لفظ الواحد قال: “والوَحدة في كلها عارضة، وإذا وُصف الله بالواحد فمعناه هو الذي لا يصح عليه التجزّي ولا التكثّر”.

ولفظ أحد مشترك لفظي كذلك، لكنه إذا وقع وصفًا فلا يكون إلا لله تعالى؛ لأنه أكمل من الواحد، كما قال أبو حاتم.

وأَحَد: أرقى دلالة على معنى الوَحدة، أما الفرق بين الوحدانية والتوحيد فهو أن الوحدانية صفة ذاتية لله، والتوحيد إيمان المكلف واعتقاده أن الله متصف بذلك.

ولذلك يقول صاحب (القاموس المحيط): “التوحيد: الإيمان بالله وحده، والله الأوحد والمتوحد: ذو الوحدانية”.

الوحدانية: مصدر بمعنى الوَحدة، زيدت عليه ألف ونون للمبالغة في النسبة إلى الرب والروح والجسم؛ على وجه المبالغة. وجاء لفظ الوحدانية على هذا البناء للدلالة على اتصافه تعالى بالوحدة المطلقة، البالغة غاية الكمال، والثابتة له سبحانه قبل أن يكون الخلق جميعًا، كما قال تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ} [الحديد: 3] وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء غيره)) رواه البخاري عن عمران بن حصين في كتاب بدء الخلق من كتاب (الجامع الصحيح) جزء 4 ص 73.

أما التوحيد شرعًا: فهو الإيمان الجازم بتفرد الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، ونفي الشركاء عنه سبحانه اعتقادًا وعملًا، على الوجه الذي جاء به الوحي الإلهي، على ألسنة الرسل عليهم السلام.

ويتلخص من هذا: أن الوحدانية هي صفة الله، وهي حقيقة قائمة بذاته جل شأنه، سواء اعترف الناس بذلك أم لم يعترفوا، فالوحدانية قائمة بذاته جل شأنه.

ب. موقف القرآن من الوحدانية والتوحيد:

لقد وقف القرآن موقفًا شاملًا في هذا الباب، وعُني بأمر الوحدانية والتوحيد غاية العناية، وأبرزها في الآيات المكية والمدنية جميعًا، وموقف القرآن في هذا الجانب واسع مستفيض يحتاج إلى مجلدات تفرد له.

جـ. سرُّ اهتمام القرآن البالغ بالوحدانية والتوحيد:

اهتم القرآن اهتمامًا بالغًا بالوحدانية؛ لأن الوحدانية صفة جامعة من صفات الله، واهتم القرآن بالتوحيد أيضًا؛ لأن التوحيد عقيدة ملزمة، لا يُقبل عمل العبد إلا إذا قام بها على وجهها الشرعي، ولأن التوحيد هو العقيدة التي كثر فيها انحراف البشر، عن حقائق الفطرة التي خُلقوا عليها، وعن حقائق الوحي الإلهي الذي جاء على ألسنة الرسل عليهم السلام.

د. جوامع ألفاظ الوحدانية والتوحيد:

لقد تحدث القرآن الكريم عن هذه القضية الكبرى، بألفاظ شتى، تدور حول تقريرها وتأكيدها بطريق الإثبات.

مثل: لفظ الواحد والأحد، والرب والإله، أو بطريق نفي أضدادها. مثل: الشرك والشركاء والشفعاء والأنداد، والدعاء والعبادة لغير الله، وغير ذلك كثير.

وعلى سبيل المثال فقد ورد لفظ: واحد، وما تفرع منه في القرآن الكريم في ثمانية وستين موضعًا.

منها ثمان وعشرون مرة وصفًا لله تعالى، وتقريرًا لوحدانيته. مثل قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]. ومثل قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ} [الزمر: 45].

وقد ورد لفظ أَحَد في القرآن الكريم خمسًا وثمانين مرة.

ومن العجيب أن لفظة أحد جاءت مرة واحدة وصفًا لله تعالى، وهو قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وكأن هذا نوع من التأكيد لوحدانية الله تعالى، من حيث اللفظ والمعنى والعدد جميعًا.

وقد ورد لفظ أحد بصيغ أخرى غير الوصف، تتعلق بالله تعالى بوجهٍ ما. مثل: رد الأحدية إليه عن طريق الاستثناء. قال تعالى: {يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39].

ومثل نفي الشركاء مطلقًا قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26، 27]، وقوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26] وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: 41].

هـ. الوحدانية أصل الأصول جميعًا:

القرآن العظيم يتحدث عن الوحدانية باعتبارها الصفة الإلهية الجامعة لكل صفات الكمال، فهو سبحانه واحد في ذاته، وهو سبحانه واحد في صفاته، فلا يشاركه أحد في علمه، ولا في قدرته أو إرادته أو حكمته، أو أي صفة من صفاته جل شأنه، وهو واحد في أفعاله سبحانه، فلا يشاركه أحد في خلقه ولا رزقه، كما قال تعالى في كلمة جامعة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

هو أيضًا واحد في أسمائه لا يشاركه فيها أحد، والواحد من هذه الأسماء الحسنى، جاء ذلك في حديث أبي هريرة،الذي رواه الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي، وقد عُني الوحي الإلهي أبلغ العناية ببيان تقرير كل ما يتعلق بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وجعل ذلك رأس الإيمان ولبَّ الاعتقاد خاصة: صفة الوحدانية؛ باعتبارها الصفة الجامعة لكل كمال يليق بالله تعالى. والله تعالى متفرد بالوحدانية المطلقة، وكل شيء في الكون كله سواه مبثوث على نمط الزوجية المكررة ذات الأشياء والنظائر. والقرآن الكريم يتحدث عن التوحيد باعتباره رأس الإيمان، والأصل الذي ينبغي أن يتقرَّر في النفس والقلب قبل كل شيء، ثم في العمل والسلوك؛ لأنه مقياس كل شيء بعده، فلا يقبل عمل بدونه، ولا تقبل شفاعة، ولا تعطى مغفرة لمن أخلَّ به. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].

error: النص محمي !!