Top
Image Alt

الوراثة والبيئة وآثارهما في النمو

  /  الوراثة والبيئة وآثارهما في النمو

الوراثة والبيئة وآثارهما في النمو

أولاً: أهمية الوراثة للطفل: أشار علماء الوراثة إلى أن الوراثة تؤثّر في نمو الطفل في عديد من الطرق، فالوراثة تتحكّم في لون العينين والشعر، والجلد، وفي الطول والعرض؛ فكثيرٌ من الخصائص الفسيولوجية، سواء السلبية أو الإيجابية لنموّ الطفل تنتقل من جيلٍ إلى الجيل الذي يليه. ولعلنا نستعرض بعد قليل ميكانزمات الوراثة وأهميتها بالنسبة للفرد والمجمع.

إن قدرات الطفل كذلك تشبه الخصائص الجسمية تتأثّر بالوراثة إلا أن الارتباط ليس دائمًا بصورة مباشرة؛ حيث نجد أن القدرات الوراثية تتأثّر وتتشكل في عديد من الطرق عن طريق العالم الخارجي، وبالتالي فإن كل طفلٍ نجده يُظهر قدرات، وأنماط سلوكية متفرّدة،

 إنّ ما يُسمّى بجدل الوراثة البيئة كان موضوعًا للمناقشة والمجادلات الساخنة المثيرة، بواسطة علماء الوراثة من جهة، وعلماء الاجتماع وعلم النفس من جهة أخرى، وجدير بالذكر فإن ثَمّة خصائص كلون العينين ولون الشعر والجلد بين الآباء والأبناء، قد فُسّرت بدقة تامّة، وفُهمت فهمًا جيدًا، بواسطة ميكانزمات التركيب الوراثي، إلا أن وراثة القدرات العقلية والشخصية، ومدى التأثيرية أو القابلية للأمراض تكون عادةً أكثر تركيبًا وتعقيدًا.

إن من الصعوبة بمكان أن نحدّد بدقة التغيّرات أو التأثيرات التي قد تسبّبت بواسطة الوراثة، وتلك التي تأثّرت بالخبرة. وجملة القول ليست الوراثة أو البيئة وحدها تتحكّم في نمو الطفل، وذلك كما يدّعي أنصار كلٍّ من المدرستين؛ حيث إن لكل منهما دورٌ رئيسي في النمو والتفاعل المركب بينهما، كذلك يعتبر عاملًا حاسمًا في نموّ الوليد البشري، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تخيّروا لنطفكم فإن العِرْقَ دَسّاس»، وأيضًا يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «ما من مولود إلا ويُولد على الفطرة، فأبواه يهّودانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه».

نستنتج من هذا أن الوراثة لها دورٌ أساسي في النمو، وعندما نقول: النمو، نعني به النمو المتكامل الجسمي، والعقلي، والنفسي، والانفعالي إلى غير ذلك، وأيضًا البيئة وعلى رأسهم يأتي الأبوان، أو الأسرة في تكوين وتنشئة هذا الطفل.

ثانيًأ. العوامل المؤثرة في النمو الجسمي، ودور المربين في تحقيق النمو السليم:

ومن ثَمّ نستطيع أن نبيّن العوامل المؤثرة في النمو الجسمي للإنسان فيما يلي:

1. من ناحية الوراثة:

يظهر تأثير العامل الوراثي على النمو الجسمي في مرحلة ما قبل الميلاد وبعده، إذ تدل المعطيات على أنه خلال المراحل الأخيرة من النمو قبل الميلاد تُبطئ سرعة النمو، وقد يكون السبب في ذلك عدم الاتساع الكافي في الرّحم، وبينما ينكمش الحيّز المتاح للنمو، فيُبطئ معدل النمو الجسمي، خاصّة عندما تكون الأم ضئيلة الجسم، والأب ضخم الجسم. وإذا كان وزن الطفل وطوله يعكس مستوى متوسط الوالدين، وبالتالي يكون الطفل أكبر حجمًا بالنسبة لرحم الأم؛ فقد يحتاج الأمر معه للتدخل الطبي، وربما قبل استكمال فترة الحمل، ولكن سرعة النمو تعود للتزايد بعد الولادة، وتستمر في ذلك؛ حيث تُوحي الدلائل بأن سرعة نمو هؤلاء الأطفال تكون أكبر في الشهور التالية للولادة، كما أن الترابط بين طول الكبار ووزنهم في مراحل العمر المختلفة ابتداء من الولادة، تعطي دلائل معينة حول هذا التأثير.

2. الجنس:

وهناك تأثير واضح للفروق بين الجنسين في النمو الجسمي، خاصّة الطول والوزن؛ إذ تُظهر البنات بداية النمو السريع مبكرًا، ولكنه لا يبلغ نفس سرعة النمو لدى البنين، وتبدو الفروق بصورة أوضح في طفرة المراهقة، التي تظهر بصورة مبكرة وواضحة عند البنات عنها لدى البنين، ثم يعود الذّكور لاستعادة التفوق في نمو الطول، وإن كان اتّجاه الوزن يختلف تبعًا لاختلاف العامل الوراثي، والصحة العامّة، ونظام التغذية.

3. الغذاء:

للغذاء دورٌ هامّ ورئيسي ليس فقط في النمو الجسمي، وإنما أيضًا في النمو العقلي، والمعرفي، والانفعالي، والاجتماعي؛ فسوء التغذية يعوق القدرة على التحصيل بالكفاءة المطلوبة، نظرًا لأنه يعوق تجدّد الخلايا، وإمداد الفرد بالطاقة اللازمة للعمل، ومن الوجهة الانفعالية نجد أن قيام الأمّ بتغذية الطفل عن طريق الرّضاعة يُقدّم له زادًا عاطفيًّا من الحنان، بالإضافة إلى الزّاد المادي المتمثل في اللبن. الأمر الذي يكفل نموًّا جسميًّا وانفعاليًّا مستقرًّا، وعلاوة على ذلك تعتبر طريقة تناول الغذاء مسألة ثقافية تُصبغ شخصية الفرد بطابع خاص، يتجلّى فيه المستوى الثقافي والاقتصادي والاجتماعي لأسرته، والطابع القومي لوطنه.

ومن هنا يعتبر الغذاء أحد العوامل التي تتفاعل فيها قدرات الفرد الجسمية مع ظروف المجتمع، بدءًا بأسرته، وانتهاءً بالدولة التي ينتمي إليها، وأحوالها الاقتصادية، والاجتماعية هذا. وللغذاء ثلاث وظائف رئيسية هي: تزويد الفرد بالطاقة، وذلك عن طريق المواد الكربوهيدراتية، والسكريات، والنشويات والدهون، تجديد بناء الخلايا التي تتلف، وتقوم الأملاح المعدنيّة بهذه المهمّة؛ فالكالسيوم يُسهم في تكوين المادة الملونة الحمراء في كرات الدم، والبروتينيات تُسهم في بناء الأنسجة، ووقاية الجسم من الأمراض ويقوم بها الفيتامينات الموجودة في الخضروات والفواكه الطازجة، واللحوم والبيض. ولكي يؤدّي الغذاء دوره يتعيّن أن يكون متوازيًا شاملًا العناصر الثلاثة السابقة، وأن يكون كافيًا من حيث الكمّ مناسبًا في تكوينه للمرحلة المائية للفرد، وطبيعة المهام المنوطة به؛ سواء كانت عملًا عضليًّا أم ذهنيًّا.

4. الصحة والمرض:

تتأثّر منحنيات النمو بالصّحة العامة للتركيب العضوي، فالمرض الشديد مثلًا يؤدّي إلى إبطاء سرعة النمو، بل وقد يعدل المستوى النهائي للنمو؛ إذ تؤثر بعض الأمراض البدنيّة التي يُصاب بها الفرد على النمو الجسمي، بل الانفعالي والاجتماعي أيضًا. فالطفل المصاب بالهيموفيليا إذا نزف دمه فإنه لا يتجلّط، بل يظلّ يسيل حتى يُشرف على الهلاك، ولذلك فهو يخشى دائمًا على حياته، ويعيش قلقًا مضطربًا، ويبعد دائمًا عن رفاقه حتى لا يُصاب بأي جرح وهو يلعب معهم، وبذلك تضيق دائرة تفاعلاته الاجتماعية، ويتأخّر نضجه.

والطفل الذي يُصاب بأي حادث يؤثر ذلك على نموّه العضوي، والطفل الذي يُصاب بإعاقة ذهنيّة كالتخلّف العقلي، أو حاسية كالصمّ، وكفّ البصر، أو جسمية كالشلل أو الصرع، كل ذلك يؤثّر على نموّه السوي مقارنة بأقرانه العاديين.

5. الولادة المبتسرة:

يُولد بعض الأطفال ولادة مبتسرة، أي: أنهم يُولدون قبل أن تكتمل المدة الطبيعية للحمل، ولهذا تتأثّر حياتهم، وصحتهم، وسرعة نموهم بمدة حملهم، وقد دلّت بعض الدراسات على أن نسبة الوفيّات بين الأطفال الرّضّع تتناسب تناسبًا عكسيًّا، ومدة الحمل فكلما نقصت هذه المدة زادت نسبة الوفيات، وكلما زادت هذه المدة نقصت نسبة الوفيات. هذا، وتتأثر الحواس عامة بهذه الولادة المبتسرة خاصّة حاسة البصر.

6. السلالة:

تختلف سرعة النمو تبعًا لاختلاف نوع سلالة الطفل، فنمو الطفل المصري مثلًا يختلف إلى حدّ ما عن نمو الطفل الصيني، ويختلف أيضًا عن نموّ الطفل الأوربي، وهكذا يتفاوت النمو باختلاف السلالة الإنسانية التي ينتمي إليها الطفل، وتدلّ الأبحاث العلمية الحديثة على أن سرعة نمو أطفال شعوب البحر الأبيض المتوسط تَفُوقُ سرعة نمو أطفال شعوب شمال أوربا.

7. الهواء النقي وأشعة الشمس:

يتأثر النمو بدرجة نقاء الهواء الذي يتنفسه الطفل؛ فأطفال الريف والسواحل ينمون أسرع من أطفال المدن المزدحمة بالسكان، ولأشعة الشمس أثرها الفعّال في سرعة النمو، وخاصّة الأشعة فوق البنفسجية. ومن ثَمّ يتأكد على المربّين دور كبير لتحقيق النمو الجسمي السليم، خاصّة في المراحل المبكرة من عمر الطفل فعلى الأمّ، وعلى مربيات رياض الأطفال يقع العبء الأكبر في تربية الأطفال؛ حيث يَقُمْنَ بمسئولية كبيرة إزاء النمو الجسمي للطفل، ومن أدوارهم ما يلي:

الاهتمام بتقديم الغذاء الكامل والكافي للطفل، بما يُساعد على نمو جسمه، ووقايته من الأمراض، خاصّة الأغذية الخاصة بالطاقة، والبناء، والوقاية.

الرعاية الصحيّة حتى يَشُبّ الطفل صحيح الجسم سليم البنية.

وقاية الطفل من الأمراض المُعدية، ونزلات البرد، والنزلات المعويّة، وغيرها.

الاهتمام باستكمال التطعيمات ضدّ الأمراض التي تظهر في الطفولة، كشلل الأطفال، والحصبة، والأمراض الأخرى.

رعاية الطفل إزاء أيّ مظاهر شاذّة في النمو مثل: الهزال، أو النحافة الزائدة، أو السمنة، وهي فرط الوزن.

توفير البيئة المناسبة التي تُتِيح للطفل النمو الحركي، والهواء الطلق الذي يُساعد على نمو العضلات، وإمداده بالأكسيجين الكافي، والنقي.

توفير المناخ النفسي السليم في الأسرة بما يحقّق للطفل جوانب نمو سيكولوجي صحيح؛ حيث إن النمو الجسمي يتأثّر بدرجة كبيرة بالنموّ النفسي للطفل.

يجب في مرحلة المراهقة أن يُلِمّ المراهق بالعادات الصحية، وأن يُمارسها في غذائه، ونومه، وعمله؛ حتى لا تَعُوق نموه، وعليه أن يتجنّب التُّخْمَة والأنيميا، وأن ينام وقتًا مناسبًا حتى يوفّر لجسمه الطاقة الضرورية له.

ويجب على الآباء والمربين نحو أبنائهم المراهقين، إزاء النمو والجنس أن يهيئوهم لمرحلة النمو الجديدة، وأن يزوّدوهم بالمعلومات الصحيحة عن التغيرات النمائية في هذه المرحلة، دون حرجٍ، ويبيّنوا لهم أن الأمر لا يعدو أن يكون ظاهرة من ظواهر النموّ المتّصل، خاصّة أن كثيرًا من الفتيات يُصَبْنَ بالهلع والارتياع لأول حيض، وكثير من الفتيان في أوّل مرة يحدث لهم فيها الاحتلام، يشعرون بالإثم والخطيئة.

يجب على المربّين تنمية طائفة متنوّعة من الاهتمامات الفنية، والأدبية، والعلمية، والرياضية في نفوس المراهقين، إلى جانب توجيه المراهق إلى التهذيب النفسي والجنسي. 

ثالثًا: أثر الوراثة والبيئة في نموّ الانفعالات:

وتدلّ الدراسات التي أُجريتْ في هذا الموضوع على أن كلًّا من الوراثة والبيئة تؤثّر في نشوء الانفعالات، وأنه من الصعب أن نفصل فصلًا تامًّا بين كلّ من هذين العاملين، وفيما يلي نلخص أهمّ النتائج التي توصّلت إليها الأبحاث المختلفة في هذا الموضوع.

أثر الجبلة في الاستعدادات الانفعالية:

بيّنتْ كثيرٌ من الدراسات التي أُجريت على الحيوان: أن لتكوين البنية الوراثي -أي: لطبيعة الجبلة- أثرٌ هامٌّ في الاستعدادات المزاجية، والانفعالية؛ فقد أجرى “إيفان بافلوف” الفسيولوجي الروسي المشهور كثيرًا من الأبحاث على الكلاب، وتبيّن له أن السلوك الانفعالي لهذه الحيوانات يختلف باختلاف تكوين بنيتها؛ فبعض الكلاب يتهيّج بشدة، وبعضها يبدو فاترًا كأنه لا يبالي بالأمر.

تستجيب هذه الحيوانات أيضًا لاستجابات مختلفة، تحت ضغط بعض المواقف العصيبة في المعامل التجريبية.

فتميل الكلاب الطويلة الرفيعة الضيّقة الصدر إلى الهياج الشديد، بينما تبدو الكلاب المُمْتلئة الجسم والقصيرة في حالة ذهول، وتميل إلى النعاس، ومع أنه من الصعب إجراء مثل هذه التجارب على الإنسان إلا أن مشاهدتنا للسلوك الانفعالي للناس في حياتنا اليوميّة لتدلّ على وجود فروق كبيرة بين الناس في الاستعدادات المزاجية، والانفعالية؛ فبعض الناس أسرع انفعالًا وأشدّ تهيجًا من البعض الآخر، ولا شَكّ أن جزءًا كبيرًا من ذلك يرجع إلى طبيعة جبلّتنا التي نرثها، وإلى الخصائص الوراثية لغددنا الصّمّاء، ولجهازنا العصبي.

ولنأخذ مثلًا: انفعالات الطفل الرضيع؛ حيث اتّجه اهتمام علماء النفس إلى دراسة الانفعالات الموجودة عند الأطفال في فترة حياتهم الأولى، عقب الولادة، وإذا كانت هناك انفعالات فطرية وراثية؛ فلا بد أننا سنشاهدها عند الأطفال في هذه الفترة المبكرة من حياتهم.

وقبل أن يظهر أثر التعلّم والبيئة، وكان من أوائل الدراسات الهامّة في هذا الموضوع ما قام به “واطسون” عالم النفس الأمريكي، في الربع الأول من القرن العشرين؛ حيث أجرى دراساته على مجموعة من الأطفال في أحد المستشفيات الأمريكية، فكان يقدّم لهم بعض الأشياء التي تُثير الانفعال عادة، مثل: الثعابين، والحيوانات الغريبة، ولهيب النار.

كما كان يقوم بتقييد حركات الأطفال، ويُسقطهم في الهواء مسافات قصيرة، ثم يلتقطهم على وسادة، ويُسمعهم أصوات مفاجئة، وقد استنتج “واطسون” من دراساته أنه توجد عند الطفل الرضيع ثلاثة انفعالات هي الخوف، والغضب، والحب؛ فالصوت العالي المفاجئ، وفقدان السند، والسقوط كانا يثيران انفعالًا عند الطفل، وقد سمّاه انفعال الخوف.

وكان تقييد حركات الطفل يُثير انفعالًا عند الطفل سمّاه انفعال الغضب. وكان الرّبت على الطفل وتدليك بدنه بخفّة، ولمس المناطق الحساسة من جلده يُثير عنده انفعالًا، سمّاه “واطسون” انفعال الحب.

وكان “واطسون” يعتقد أن هذه الانفعالات الثلاثة فطرية، وأن جميع الانفعالات الأخرى التي يظهرها الأطفال -فيما بعد- إنما تنشأ عن هذه الانفعالات الثلاثة، عن طريق التعلّم.

ويمكننا أن نصف هذه الاستجابة الانفعاليّة باختصار، بأنها حالة من التهيّج العامّ.

نموّ الانفعالات إن السلوك الانفعالي كأيّ سلوك إنساني آخر، ينمو، ويتطور بنمو الإنسان وتطوره؛ فحينما ينمو الطفل تبدأ حالة التهيّج العام في التميّز، وتتخذ صورًا مختلفة، وتأخذ في الظهور بالتدريج بعض التعبيرات الانفعالية المتميزة؛ ففي حوالي الشهر الثالث يتميّز من حالة التهيّج العام انفعالان مختلفان، هما السرور والضيق، وفي حوالي الشهر الثالث تتميّز في انفعال الضيق ثلاثة انفعالات متباينة هي الخوف، والغضب، والاشمئزاز. وفيما بعدَ الشهر الثالث يبدأ انفعال السرور أيضًا في التميز، فيظهر انفعالان جديدان هما الزهو والحب، ثم تأخذ الانفعالات الأخرى في الظهور بعد ذلك.

ويؤثّر كلٌّ من النضوج والتعلم في نموّ الانفعالات، غير أن حدوث نمو الانفعالات على نَسَقٍ واحد تقريبًا عند الأطفال في أثناء السنة الأولى من حياتهم، يُوحي بأن النضوج هو العامل الأساسي الذي يُؤثّر على نموّ الانفعالات في هذه الفترة المبكرة من حياة الطفل، وكلما تقدّم الطفل في السّنّ كان أثر التعلّم أكثر وضوحًا، ونعني بالنضوج النموّ الذي يحدث نتيجةً للعوامل الوراثية وحدها، ويظهر أثر النضوج واضحًا في تهيئة البناء العضلي، والغُدَدِي، العصبي، اللازم لظهور بعض الانفعالات.

فقد بيّنت بعض الدراسات مثلًا أن الأطفال عادة لا يبتسمون، ولا يضحكون في الشهرين الأولين؛ لأن الحركات العضليّة التي يشملها الابتسام والضحك لا تكون قد نَضَجَتْ بعد، ويظهر أثر النضوج أيضًا بوضوح في ظهور بعض الملامح، والتعبيرات الانفعالية، كالابتسام، والضحك عند الأطفال، الذين يُولدون صمًّا عميًا، فمثل هؤلاء الأطفال يبتسمون ويضحكون، بالرغم من أنهم لم يُشاهدوا، ولم يسمعوا أحدًا يبتسم، أو يضحك. وهذا يدل على أن النضج هو العامل الأساسي في ظهور هذه الملامح، والتعبيرات الانفعالية.

أما التعلم فيظهر أثره في نموّ الانفعالات واضحًا مما نشاهده من تعلّم الأطفال لكثير من التعبيرات الانفعالية الجديدة، فقد يتعلّم الطفل مثلًا التعبير عن انفعال الغضب بكثير من الاستجابات المختلفة، فقد يمتنع عن الطعام، وقد يُغادر الغرفة، أو المنزل، وقد يدفع الباب بشدّة، وقد يُحطّم أثاث المنزل، وقد يستخدم كثيرًا من الألفاظ غير المستحبّة. وكل هذه الأفعال لا شَكّ أمور يتعلّمها الأطفال من ظروف البيئة التي ينشئون فيها.

وإذا نظرنا إلى التعبيرات الانفعالية في بعض المجتمعات لشاهدنا وجود بعض الاختلافات بين هذه المجتمعات، في التعبير عن بعض الانفعالات، وهذا لا شَكّ يدلّ على أثر التعلّم في التعبير الانفعالي؛ فالمصريون مثلًا يعبّرون عن الدهشة برفع الحاجب، وفتح العينين، بينما يعبّر الصينيّون عن الدّهشة بإخراج ألسنتهم، ويعبّر المصريون عن السرور والإعجاب بالتصفيق، بينما يُعبّر الصينيون بالتصفيق عن القلق وخيبة الأمل.

ويتعلّم الإنسان أيضًا حينما يَكْبُر كيف يعدلّ انفعالاته، وكيف يضبطها، ويسيطر عليها؛ فالطفل الصغير قد يُظهر انفعال الغضب لأتفه الأسباب، ولكنه يتعلّم حينما يَكْبُر كيف يضبط انفعال الغضب في كثير من المواقف التي كانت تُثيره من قبل.

error: النص محمي !!