Top
Image Alt

الوسائل والمناهج التي يجب أن نسلكها لمواجهة الأفكار الهدامة

  /  الوسائل والمناهج التي يجب أن نسلكها لمواجهة الأفكار الهدامة

الوسائل والمناهج التي يجب أن نسلكها لمواجهة الأفكار الهدامة

لا بد من بيان الوسائل والمناهج التي يجب أن نسلكها لمواجهة أفكار الشرق والغرب الهدامة:

لقد جاءت الحضارة الغربية كالسيل المزبد تريد أن تجتث كل شيء في طريقها، صالحًا أو غير صالح، دونَ تمييز؛ جاءت وهي تحمل مزيجًا هائلًا من العقائد، والطبيعة، والعمران والاجتماع، والتّجَارب المختلفة؛ في شتى الاتجاهات والفنون، إنّها خليطٌ يُحَيّر العقل؛ حيثُ يقفُ أمامها متسائلًا: هل أرفض تلك الحضارة برمتها، أم آخذ منها وأترك لها؟ ذلك أن أخذها يعني الاستسلام لها بكل ما فيها من خير أو شر، وأن مصير الأمة الإسلامية سيكون هو نفسه مصير الغرب في تعامله وفي جاهليته، وأن يتحمل تلك الأخطار التي تهدد المجتمعات الغربية في أخلاقها، وفي كل سلوكها، كما أنّ تَركها يعني تفويت منافع ومصالح نحن في أمسِّ الحاجة إليها. إذًا؛ فما هو الحل الذي ينبغي أن يسلكه الشخص الذي يريد الحفاظ على دينه، وقيمه الإسلامية، والاستفادة كذلك من الحضارة الغربية؟!! والجواب فيما يلي بالإيجاز:

الخيار الأول: وهو رفض الحضارة الغربية برمتها. هذا الموقف غير سليم ولا يؤيده العقل، ولا الواقع؛ لأنه يؤدي إلى انعزال العالم الإسلامي، وانطوائه، وبعده عن الأسباب التي تقويه اقتصاديًّا وحربيًّا أيضًا، وذلك لما أودعه الله في العالم الغربي من أسباب القوة المادية، المشاهدة التي لا يجهلها أحد، في الوقت الذي تأخر فيه العالم الإسلامي، ولم يحققوا ما أراده الله منهم، من التقدم المادي، وأسباب القوة كما في قوله تعالى: {وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].

بعد أن دعاهم إلى استعمال عقولهم، وشحذ أفكارهم؛ للاستفادة من كل شيء، لا يصطدم مع دينهم الذي ارتضاه لهم، وأخبرهم في أكثر من آية؛ أنه سخر لهم كل ما في هذا الكون، وجعله هبة لهم، كما أرشَدَهم إلى بعض أدوات القوة، كرباط الخيل الذي يساوي الآن الطائرات والسُّفن الحربية، وإلى الحَديد الذي هو قوام الصناعات الحربية، وغيرِها قديمًا وحديثًا، وغير ذلك من أنواع القوة المادية.

كما أنّ لنا في رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم  وأصحابه رضي الله عنهم أسوة حسنة، فقد كانوا يبادرون إلى الاستفادة من أي خبرة فيها نفع لهم، وقوة للإسلام؛ كحفرهم الخندق بمشورة سلمان الفارسي، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأبيِّ أن يتعلم لغة اليهود واشتراطه صلى الله عليه وسلم  على بعض الأسرى أن يعلم أولاد المسلمين الكتابة، وغير ذلك مما فيه نفع المسلمين، وزيادة قوتهم. ولن تجد قطرًا من الأقطار منطويًا على نفسه، غير مستفيد من خبرات الآخرين في شتى المجالات، التي لا تتعارض مع دينه، إلا وجدت ذلك القطر مُتخلفًا في كل شئونه الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، ووجدت الجهل والخرافات؛ قد طغت على أهله، كما تطغى الفيضانات على ما حولها، بل ووجدت ذلك القطر يتنفس الصعداء بين فترة وأخرى، في شكل عِصيان مَدني، وتَمَرّد عَسكري، وشَغَبٍ بصور مختلفة؛ لما يُحِسّه أهله من الغُبن في عيشتهم المتخلفة، والقلق الذي يساورهم على مستقبلهم، ومستقبل أولادهم من بعدهم.

إلا أن هذا لا يعني أن يفتح العالم الإسلامي ذراعيه للحضارة الغربية، بكل ما فيها من سلبيات؛ لا تقرها الشريعة الإسلامية، كما فعل الكثير من المسلمين، سواء أكان ذلك في شكل أفراد أو جماعات، أو دول؛ فلقد لهثوا للحاق بركب الحضارة كما يسمونه دون تروّ وتأنٍّ؛ فكانت العاقبة ما يراه كل مسلم من تفشي الأوضاع الفاسدة، وانتشار الرذائل الغربية، بشكل واضح في أكثر الأقطار الإسلامية، إلا من رحم الله تعالى، وهم قليل بالنسبة لغيرهم، فأقصي الحجاب للمرأة، وخرجت سافرة بل ولا يسترها إلا القليل من الثياب التي تجعلهن كاسيات عاريات، وأحيانًا شبه عاريات.

ولم يعُد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في كثير من ديار المسلمين أي مكان؛ فيهم لابتداع ما يسمونه بالحرية الشخصية له، وانتشار الجريمة بشكل رهيب، وقس على ذلك شئون الحياة المُختلفة التي يَسبحُ فيها العالم المادي، ومن تأثر به على طريقة عيشة البهائم. ولا أظن أحدًا في حاجة إلى ذكر أسماء تلك البلدان الإسلامية، التي غمرتها الحياة الغربية، بكل ما فيها من عهر وسخافة ومجون، تحت أسماء بَرّاقة خادعة، كالتطور. والإنسان العصري والتقدمي، وما إلى ذلك. فكانت النتيجة أن أدخلوا رءوسهم في الحياة الغربية على رجل واحدة؛ لأن الهدم أسهل من البناء، فهدموا دون بناء، فقد حققوا سيئات الغرب ورذائله، ولم يتمكنوا من تحقيق الجانب الآخر المشرق، المتمثل في تلك النهضة الجبارة، في ميدان الصناعة التي تزخر بها بلاد الغرب.

الخيار الثاني: وهو أخذ الحضارة الغربية على علاتها؛ ما طاب منها وما خبث: ويعبُّها كلهفة الظامئ المتلهف إلى الماء العذب، دون التفكير في الفوارق الطبيعية بين تلك الحضارة، وحضارة الإسلام في السياسة، والتفكير، والنظم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وسائر السلوك كما حصل في تركيا بعد أن تأخر خلفاؤها، في القوة المادية والقوة الدينية، وتمالأ عليها الأعداء من كل جانب؛ حيث سقطت فريسة الحضارة الغربية، على يد زعماء افتتنوا بما عند الغرب من التقدم المادي، والإلحاد الذي لا حد لجماحه.

لقد واجهت تركيا الضعيفة طوفان الحضارة الغربية القوية، دون تبصر ووعي، وبعقلية غير متفهمة للأوضاع الجديدة، بل تواقة إلى العلمانية الملحدة، خصوصًا وقد برز شبابٌ كانت ثقافتهم غربية، تمامًا ينظرون إلى الإسلام وإلى تعاليمه، على أنه عقبة كأداء في سبيل رقيهم وتقدمهم. وأن على الحضارة الغربية أن تقوم على أنقاضه راضية مطمئنة، كما شاء لها أولئك الثائرون أمثال “أتاتورك” وأتباعه الذين نادوا بإلحاق تركيا بالحضارة الغربية في ذلك، ما وسعهم من الدعاية لهذا الاتجاه، وقلبوا ظهر المجن لكل حضارة يمت إليها الأتراك بصلة، وخصوصًا الحضارة الإسلامية، وأتاتورك هو الشخصية الهامة التي كان عليها وزر تحويل تركيا إلى ركاب الحضارة الغربية، وهو أعدى أعداء الإسلام في وقته، عاقبه الله بما يستحق.

ووجد كذلك مفكرون متحمسون للحضارة الغربية، ونشرها بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، مثل: “سيد أحمد خان” الهندي و” قاسم أمين” المصري صاحب كتاب (تحرير المرأة) وكتاب: (المرأة الجديدة) و”طه حسين” الذي كان من كبار المتعصبين للحضارة الغربية، ومن كبار المفاخرين بها وكان يود لو أن العالم الإسلامي كله وخصوصًا مصر تنسلخ من كل ماضيها، وتتقدم باحترام لتتقمص الحضارة الغربية بكل ما فيها.

وعلى مُستوى أولي الأمر من الرؤساء مثل: “الحبيب بورقيبة” الذي ظهر إلحاده وعداؤه للدين الإسلامي، ولنبيه العظيم في تصريحاته التي كان يُلقيها في المناسبات مثل: تهجمه على القرآن الكريم، ووصفه له بالتناقض، وتهجمه على الرسول صلى الله عليه وسلم  وأنه بدويُّ يجوب الصحراء، ويؤمن بالخرافات. وغير ذلك من كفرياته، وقد طلب إليه كثير من العلماء منهم الشيخ العلامة ابن باز -رحمه الله- أن يتوب ويرجع إلى الإسلام. والحاصل؛ أن هذا المسلك مرفوض، ولا ينبغي للمسلمين أن يقعوا فيه؛ فإن طريق الحضارة الغربية مملوء بالمخاطر الأخلاقية والدينية والعاقل من اتعظ بغيره وقد أسفر الصبح لذي عينين.

الخيار الثالث: وهو الأخذ من تلك الحضارة بحذر وترو دون اندفاع: فلا ينظر إليها على أنها هي المثل الأعلى للحياة أو المورد العذب؛ وإنما يُنظر إليها على أنها متاع الحياة الدنيا، وأنه سيفارقها أو تفارقه؛ فهي عرض زائل مهما بدت في المظهر الأنيق والصور الخداعة البراقة. فيعتقد المؤمن اعتقادًا جازمًا أن الحياة السعيدة إنّما هي الحياة الآخرة؛ التي جعلها الله ثوابًا لأوليائه، وأن ما وجد على ظهر الأرض من أنواع المتع المباحة؛ فإنما هي عون له من الله على الاستعداد لتلك الحياة، يتمثل قول الله تعالى: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا} [القصص: 77]. فيجمع بين الدنيا والآخرة، أو يجمع الدنيا في يده لا في قلبه، فلا يفتتن بها افتتان من يسمون أنفسهم، أصحاب التجديد الذين لَا هَمَّ لَهم إلا الحياة المادية وزخرفها، أو جماعة التغريب الذين ينظرون بكل تقديس واحترام إلى الحضارة الغربية على أنها هي كل شيء في هذا الوجود. لا حرج على المسلم أن يستفيد من أي أمر لا يتعارض مع دينه، لا حرج عليه، من أن يستفيد من مصانع الغرب، وآلاته المختلفة، ما دام ذلك لم يصل إلى أن يكون على حساب دينه وقيمه، أو تقليدًا أعمى لا يُفَرّق فيه بين المفاهيم الغربية، والمفاهيم الإسلامية، كما هو حال كثير من الأقطار الإسلامية مع الأسف.

ولذلك لا يَحتاج الشخص إلى تفكير عميق، أو دقة ملاحظة، كي تتبين له تلك الأوضاع، التي تردت فيها تلك الأقطار عن وعي أو عن غير وعي، حيث كانوا كحاطب ليل، أو كتلميذ صغير أمام أستاذه، ينظرون إلى الغرب بكل انبهار، ونسوا أنهم يملكون ما لا يملكه الغرب من القيم والمبادئ الإلهية، التي لا يُوجد لها مثيل في تنظيم الحياة البشرية، من جميعِ الجوانب.

ونسوا كذلك أنه يجب أن يكونوا هم القدوة للغرب المتحير في سلوكه، المتخبط في جهله، وأن تقدمهم إنّما هو ظاهر من الحياة الدنيا، وأنّ السعادة كلها في أيدي المسلمين، لو أرادوا تحقيقها، حينما يعتزون بدينهم، ويوصلون إلى تلك القلوب الخاوية، والأفكار البالية في العالم الجاهلي؛ فيرتوون من معينه الفياض، ويخرجون من حياة الفسق والفجور، والظلم والطغيان إلى عدل الإسلام ونوره المشرق دائمًا.

error: النص محمي !!