Top
Image Alt

الوقف والابتداء

  /  الوقف والابتداء

الوقف والابتداء

أفرده بالتصنيف خلائق، منهم: أبو جعفر النحاس، وابن الأنباري، والزجاج، والداني، والعماني، والسجاوندي، وغيرهم. وهو فن جليل، به يعرف كيف أداء القراءة. روى النحاس عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “لقد عشنا برهة من دهرنا، وإنّ أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن. وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم، فنتعلّم حَلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلّمون أنتم القرآن اليوم. ولقد رأينا اليوم رجالًا يُؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما أمْره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه”.

قال النحاس: “فهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلّمون الأوقاف كما يتعلّمون القرآن”.

قال السيوطي: “وقول ابن عمر: “لقد عشنا برهة من دهرنا” يدل على: أن ذلك إجماع من الصحابة ثابت. وقد أخرج هذا الأثر البيهقي في (سُننه).

وعن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزَّمل:4]، قال: “الترتيل: تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف”.

وقال النكزاوي: “باب الوقف عظيم القدر، جليل الخطر، لأنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن، ولا استنباط الأدلة الشرعية منه، إلا بمعرفة الفواصل”.

قال ابن الجزري: “لما لم يمكن القارئ أن يقرأ السورة أو القصة في نفس واحد، ولم يجز التنفس بين كلمتين حالة الوصل بل ذلك كالتنفس في أثناء الكلمة، وجب حينئذ اختيار وقف للتنفس والاستراحة، وتعيّن ارتضاء ابتداء بعده، وتحتّم ألا يكون ذلك مما يُحيل المعنى ولا يُخل بالفهم؛ إذ بذلك يظهر الإعجاز، ويحصل القصد. ولذلك حضّ الأئمة على تعلّمه ومعرفته. وفي كلام عليّ دليل على وجوب ذلك، وفي كلام ابن عمر: برهان على أن تعلّمه إجماع من الصحابة. وصح بل تواتر عندنا: تعلّمه والاعتناء به من السلف الصالح، كأبي جعفر يزيد بن القعقاع، أحد أعيان التابعين، وصاحبه الإمام نافع، وأبي عمرو، ويعقوب، وعاصم، وغيرهم من الأئمة. وكلامهم في ذلك معروف، ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب؛ ومن ثمّ اشترط كثير من الخلف على المجيز ألاّ يجيز أحدًا إلا بعد معرفته الوقف والابتداء. وصح عن الشعبي أنه قال: إذا قرأت {كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن:26]، فلا تسكتْ حتى تقرأ: {وَيَبْقَىَ وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:27]”.

أنواع الوقف:

اصطلح الأئمة على: أنّ لأنواع الوقف والابتداء أسماء، واختلفوا في ذلك على أقوال كثيرة: فقال ابن الأنباري: “الوقف على ثلاثة أوجه: تام، وحسن، وقبيح.

فالتام: الذي يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده، ولا يكون بعده ما يتعلق به، كقوله: {فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة:5]، وقوله: {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة:6].

والحسن: هو الذي يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، كقوله: {الْحَمْدُ للّهِ} [الفاتحة: 2]، لأن الابتداء بـ{رَبّ الْعَالَمِينَ} لا يحسن، لكونه صفة لما قبله.

والقبيح: هو الذي ليس بتام ولا حسن، كالوقف على {بِسْمِ} كمن قوله: {بِسْمِ اللّهِ}. قال: ولا يتم الوقف على المضاف دون المضاف إليه، ولا المنعوت دون نعته، ولا الرافع دون مرفوعه، وعكسه، ولا الناصب دون منصوبه، وعكسه…” إلى آخر كلامه -رحمه الله-.

وقال غيره: الوقف ينقسم إلى أربعة أقسام: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك.

وقيل: غير ذلك على تفاصيل لا نطيل بها.

قال ابن الجزري: “أكثر ما ذكر الناس في أقسام الوقف غير منضبط، ولا منحصر، وأقرب ما قلته في ضبطه: أن الوقف ينقسم إلى: اختياري واضطراري، لأن الكلام إما أن يتم أو لا؛ فإن تم كان اختياريًا… ” إلى أن قال: “وإن لم يتم الكلام كان الوقف عليه اضطراريًا، وهو المسمى بالقبيح، لا يجوز تعمّد الوقف عليه إلا لضرورة من انقطاع نفَس ونحوه، لعدم الفائدة، أو لفساد المعنى، نحو: {صِرَاطَ الّذِينَ} [الفاتحة: 7]. وقد يكون بعضه أقبح من بعض، نحو: {فَلَهَا النّصْفُ وَلأبَوَيْهِ } [النساء:11]، لإيهامه أنهما مع البنت شركاء في النصف. وأقبح منه، نحو: {إِنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْىِ} البقرة:26]، {فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ} [الماعون:4]، {لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ} [النساء: 43]. فهذا حكم الوقف اختياريًّا واضطراريًّا.

وأما الابتداء، فلا يكون إلا اختياريًّا، لأنه ليس كالوقف تدعو إليه ضرورة؛ فلا يجوز إلا بمستقلّ بالمعنى، موفٍ بالمقصود، ومثّل لذلك بالوقف على {لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ} و{الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ} [المائدة: 17]؛ فالابتداء بـ {ابْنُ} قبيح، وبـ{عُزَيْرٌ} و{الْمَسِيحُ} أشد قبحًا.

وقد يكون الوقف حسنًا، والابتداء به قبيحًا، نحو: {يُخْرِجُونَ الرّسُولَ وَإِيّاكُمْ} [الممتحنة: 1].

وقد ضبطت جلّ المصاحف الآن بعلامات للضبط تسهّل للقارئ معرفة الوقوف ومن ذلك:

وضع كلمة: “صلي” فوق الكلمة، تعني: أن الوقف جائز، لكن الوصل أوْلى.

ووضع كلمة: “قلي”، تعني: أن الوصل جائز، ولكن الوقف أوْلى.

ووضع حرف: “ج”، يعني: أن الوقف والوصل مستويان.

ووضع كلمة: “لا”، يعني: الوقف الممنوع.

ووضع حرف: “م” فوق الكلمة، يعني: الوقف اللازم.

ووضع ثلاث نقاط فوق كلمة، يتلوها ثلاث نقاط فوق كلمة تأتي بعدها، يعني: إذا وقفتَ على إحداهما، فلا تقفْ على الأخرى؛ ويسمَّى: وقف التعانق.

وكان أبو عمرو يتعمّد الوقف على رؤوس الآي، ويقول: “هو أحبّ إليَّ، فقد قال بعضهم: إن الوقف عليه سنّة”.

وقال البيهقي في (الشُّعب) وآخرون: “الأفضل: الوقف على رؤوس الآيات، وإن تعلّقت بما بعدها، اتّباعًا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنّته”.

روى أبو داود وغيره، عن أم سلمة: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية، يقول: {بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ} ثم يقف، {الْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ} ثم يقف، {الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ} ثم يقف)).

والتوقف عن القراءة ثلاثة أنواع: الوقف، والقطع، والسكت:

فالقطع: عبارة عن قطع القراءة رأسًا، فهو كالانتهاء؛ فالقارئ به كالمعرض عن القراءة، والمنتقل إلى حالة أخرى غيرها. وهو الذي يُستعاذ بعده للقراءة المستأنفة، ولا يكون إلا على رأس آية، لأن رؤوس الآي في نفسها مقاطع. أخرج سعيد بن منصور في سننه، عن ابن أبي الهذيل أنه قال: “كانوا يكرهون أن يقرؤوا بعض الآية، ويدَعوا بعضها”. إسناده صحيح.

وعبد الله بن أبي الهذيل تابعي كبير، وقوله: “كانوا” يدل على: أن الصحابة كانوا يكرهون ذلك.

والوقف: عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمنًا يتنفس فيه عادة بنيّة استئناف القراءة، لا بنيّة الإعراض؛ ويكون في رؤوس الآي وأوساطها، ولا يأتي في وسط الكلمة، ولا فيما اتصل رسمًا.

والسكت: عبارة عن قطع الصوت زمنًا هو دون زمن الوقف عادة، من غير تنفس. واختلاف ألفاظ الأئمة في التأدية عنه مما يدل على طوله وقصره.

قال ابن الجزري: “والصحيح: أنه مقيّد بالسماع والنقل، ولا يجوز إلا فيما صحت الرواية به لمعنى مقصود بذاته”.

وللوقف في كلام العرب أوجُه متعدّدة، والمستعمل منها عند أئمة القراءة تسعة: السكون، والرَّوْم، والإشمام، والإبدال، والنقل، والإدغام، والحذف، والإثبات، والإلحاق.

فأما السكون فهو: الأصل في الوقف على الكلمة المحرّكة وصلًا، لأن معنى الوقف: الترك والقطع، ولأنه ضد الابتداء؛ فكما لا يُبتدأ بساكن، لا يوقف على متحرك؛ وهو اختيار كثير من القراء.

وأما الرَّوم فهو عند القراء: عبارة عن النطق ببعض الحركة، ويختص بالمرفوع، والمجرور، والمضموم، والمكسور.

وأما الإشمام فهو عبارة عن الإشارة إلى الحركة من غير تصويت، ويختص بالضمة سواء كانت حركة إعراب أم بناء، إذا كانت لازمة، أما العارضة، وميم الجمع عند مَن ضم، وهاء التأنيث، فلا روم في ذلك ولا إشمام.

وفائدة الرّوم والإشمام: بيان الحركة التي تثبت في الوصل للحرف الموقوف عليه، ليظهر للسامع أو الناظر كيف تلك الحركة الموقوف عليها.

فهناك أبواب من الإشمام، مثل: إشمام الصاد زايًا في قراءة: {الصّرَاطَ} و{أَصْدَقُ} ، و{يَصْدِفُونَ}، وإشمام الياء الواو في: {قِيلَ}، {وَجِـيءَ}، {وَغِيضَ}، ونحوها…

وأما الإبدال ففي الاسم المنصوب المنوّن، يوقف عليه بالألف بدلًا من التنوين.

وفي الاسم المفرد المؤنث بالتاء، يوقف عليها بالهاء بدلًا منها، وغير ذلك…

وأما النقل ففيما آخره همزة بعد ساكن؛ فإنه يوقف عليه عند حمزة بنقل حركتها إليه، فتحرك بهاء ثم تحذف هي.

وأما الإدغام ففيما آخِره همز بعد ياء أو واو زائدتين؛ فإنه يوقف عليه عند حمزة أيضًا بالإدغام، بعد إبدال الهمز من جنس ما قبله، نحو: {النّسِيَءُ}.

وأما الحذف ففيما يسمّى بياءات الزوائد عند من يثبتها وصلًا، ويحذفها وقفًا.

وأما الإثبات ففي الياءات المحذوفات وصلًا عند من يُثبتها وقفًا، نحو: {بِاللّهِ} و{النّصْرُ}.

وأمّا الإلحاق فما يلحق آخِر الكلِم من هاءات السكت عند مَن يلحقها في:
“عَمَّ” و”فِيمَ”، والنون المشددة من جمع الإناث نحو: “هُنَّ”، والنون المفتوحة نحو: {الْعَالَمِينَ}، والمشدد المبني نحو: {خَلَقْتُ بِيَدَيّ} [ص: 75].

و{بِمُصْرِخِيّ} [إبراهيم: 22].

وقد أجمعوا على: لزوم اتّباع رسم المصاحف العثمانية في الوقف إبدالًا، وإثباتًا، وحذفًا، ووصلًا، وقطعًا؛ إلا أنه ورد عنهم اختلاف في أشياء بأعيانها، كالوقف بالهاء على ما كُتب بالتاء، وغيرها… ومن القراء من يتّبع الرسم في الجميع.

error: النص محمي !!