Top
Image Alt

اليهود والمسيح المنتظر

  /  اليهود والمسيح المنتظر

اليهود والمسيح المنتظر

المسيح أو مسيا كلمة عبرية تعني المخلص، وقد جاءت في التوراة دالة على اسم الشخص الذي سيرسله الله -تعالى- إلى بني إسرائيل ليخلصهم، وعندما بعث عيسى عليه السلام آمنت به طائفة وهم النصارى، وكفرت به طائفة وهم بنو إسرائيل الذين لا يزالون بانتظار مسيحهم أو مخلصهم، خلال محنة القرن السابع عشر التي تعرض لها اليهود في كل أنحاء أوروبا -وخاصة في إسبانيا- أصبحوا في وضع سيئ للغاية لم يشهدوه من قبل على مر العصور، تيقظت في أوساط اليهود دعوى المسيح المنتظر لينقذهم مما هم فيه من العنت والعذاب والهوان والإبادة، وراجت في أذهان بعض الكهنة فكرة أن المسيح سيظهر عام 1648 على وجه التحديد.

ولقد انتقلت عدوى هذه الأسطورة إلى نفوس بعض المسيحيين أنفسهم، فقالت طائفة منهم عن إيمان وقناعة بأن المسيح سيكون وسيظهر في سنة 1966، في هذه الأجواء السانحة والظروف المواتية كان على “سباتاي زئيفي” أن يتخذ سبيله حتمًا إلى ادعاء النبوة وهو الذي عرف بالذكاء والطموح، أضف إلى ذلك ما كان عليه من علم ومعرفة في الشئون الدينية، ثم اهتمامه الكبير بالرياضيات الروحية وإتقانه لها، وإدراكه لفن تحضير الأرواح، مما جعله قادرًا على الإتيان بأمور فيها شد واستحواذ على عقول البسطاء والسذج والطيبين، واتخذ قراره الكبير فراح “سباتاي زئيفي” يصوم كل يوم ويغتسل ويتطهر استعدادًا لليوم الموعود، بل وتقول بعض الروايات: إنه لم يباشر زوجتيه الأولتين وظل عزبًا، ولقد أوتي “سباتاي زئيفي” من سرعة البديهة والخاطر والمعرفة الشاملة لقواعد الدين وأصوله والذكاء الحاد، ما أهله للتغلب على مناقشيه ومحدثيه، وتخريج بعض الأمور تخريجًا عجبًا وتفسيرها تفسيرًا غريبًا، حتى إنه -كما يقال- قد حرف بيتًا من الشعر يردده الكثيرون بما يتفق مع هواه. يقول البيت: “حبيبي يشبه الغزال”، فجعله “سباتاي” على النحو التالي: “ربي يشبه “سباتاي زئيفي”.
في سنة 1648 أشاع “سباتاي زئيفي” بين أصحابه المقربين أنه قد نبئ، فصدقوه واتبعوه ولم يجد عسرًا في ذلك حيث إنه قد هيأهم وعبأهم نفسيًّا لذلك ومهد لهم، لكن رئيس الحاخامات في أزمير “جوزيف إسكابا” مع طائفة من رجال الدين ثاروا عليه، ووقفوا في وجه زعمه وعقدوا له محكمة دينية، واتخذوا قرارًا بإعدامه وقتله، ولكن على غير طائل؛ لأن قوانين البلاد لم تكن تسمح لهم بذلك، فأسقط في أيديهم وانكفئوا على نفوسهم يكتمونها ما في صدورهم من ثورة، وأتبع “سباتاي زئيفي” هذا الادعاء المزعوم بمنشور أو بيان وزعه على الناس وجاء فيه: سلام من ابن الله “سباتاي زئيفي”، مسيح إسرائيل ومخلصها إلى كل فرد من بني إسرائيل، لقد نلتم شرف معاصرة مخلص بني إسرائيل ومنقذهم، الذي بشر به أنبياؤنا وآباؤنا فعليكم أن تجعلوا أحزانكم أفراحًا وصيامكم إفطارًا ولهوًا، فلن تحزنوا بعد اليوم فأعلنوا عن فرحتكم بالطنبور والأرج والموسيقى، واشكروا الذي وعدكم فوفى بوعده وواظبوا على عبادتكم كما في السابق، أما أيام المصائب والمآتم فاجعلوها بسبب بعثتي أيام شكر ومسرة ولا تهابوا شيئًا، فإن حكمكم لن يقتصر على أمم الأرض بل سيتعداها إلى جميع المخلوقات في أعماق البحار، فكل هؤلاء مسخرون لكم ولرفاهيتكم، “سباتاي زئيفي”.

ووزع هذا الإعلان وقد كان هذا الإعلان المنشور -والذي سبقه- بمثابة التمهيد لليوم المنتظر سنة ألف وستمائة وستة وستين عند أكثر الناس، ولقد أدرك “سباتاي زئيفي” ضيق محيط بلدة أزمير وانحصار الأمر فيها، فارتحل إلى مدينة إستانبول ونزل على أحد الحاخامين المنافقين أمثاله، فلقي منه كل ترحيب ومساعدة لكن دعوته وادعاءه النبوة لم تجد صداها المطلوب على الصعيد العام، فشد الرحال إلى أثينا ثم عاد إلى أزمير ومنها إلى إستانبول، ثم كر راجعًا إلى أزمير سنة 1659، وأقام في بيت أبيه لا يأتي بأي عمل يشد إليه الناس أو يجلب الأنظار، قد يكون سبب ذلك ترقب عام 1666 العام الموعود، مضافًا إليه السلبية التي واجهها في رحلاته من طائفة الحاخامات والكهان، ولكنه لم يطق الانتظار فخرج إلى القدس سنة 1663 ومنها إلى القاهرة ثم عاد إلى القدس.

وفي كلتا المدينتين لم يظهر شيئًا من دعواه المزعومة خوفًا على نفسه، إلا أنه عند مروره بغزة التقى هناك رجل يدعى إبراهام نطحان، فتعارفا وأظهر له “سباتاي زئيفي” مكنون فؤاده ونبوته فصدقه إبراهام، وتحمل تبعة التبشير له في محيطه وعلى غيره من الأصعدة، فكان إبراهام بهذا رسول “سباتاي” إلى الناس، ففكرة ظهور المسيح المنتظر أو المخلص والمنقذ كانت رائجة في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وكانت لها الريادة على عقول ونفوس المعاصرين، والهيمنة الكاملة على أكثر اليهود وبعض المسيحيين.

وقد ظهرت فتاة يهودية من بولندا في بولونيا، هذه الفتاة جميلة وذكية ومغامرة وقالت بأنها رأت رؤيا، وهي عبارة عن نور سيسطع باهرًا في سنة 1666 من أزمير، وأنها ستكون زوجة لصاحب هذا النور، وقد قالت ذلك بعدما سمعت وترامى إلى أذنها نبأ “سباتاي زئيفي” وزعمه، وسرعان ما وصل علم ذلك إلى “سباتاي” فادعى هو بدوره رؤيا أخرى، بأنه أوحي إليه بالزواج من سارة الفتاة البولونية، ولاسم سارة رنين وجرس خاص في أحاسيس الشعب الإسرائيلي وفي أعماق وجدانه الديني، وتلاقى الدجل على الدجل والنفاق على النفاق؛ إذ كل من الطرفين -“سباتاي” وسارة- يريد المغنم من وراء دعواه، فأرسل “سباتاي” يستدعي إليه سارة وتم زواجهما في القاهرة، وانطلت الحيلة على فئة كبيرة من اليهود السذج البسطاء.

وفي مطلع شهر سبتمبر سنة 1666 حط “سباتاي” رحاله في أزمير عائدًا إليها؛ لأنها منطلقه ومستقره فكانت بينه وبين الحاخامات معارك عنيفة، استطاع بعدها أن ينتصر عليهم ويؤلب حوله الدهماء من الناس والعديد من الأنصار، وأضحى يهود أزمير بأكثريتهم الساحقة طوع إرادته ورهن إشارته، وبدأت الوفود تأتيه من الخارج من رودس و”أدرنة” وصوفيا وألمانيا، وكان لقاء الناس معه في جو مشحون بالتقاليد الدينية المألوفة واستغراق في الانجذاب والأخذ، وأجريت له مراسيم لبس التاج وبدأ ينظم أموره وأمور أتباعه ومريديه وفق نظم وتقاليد جديدة؛ إذ يستقبل زواره بمواعيد ومراسيم معينة وكان -كما تروي المصادر التاريخية- على شغف خاص باستقبال زواره من النساء، وقسم “سباتاي” العالم حسب تعاليمه الجديدة إلى ثمان وثلاثين منطقة، وعين لكل منطقة منها ملكًا، كما فعلت الماسونية من بعد وكما تفعل أيضًا أندية الليونز والروتاري كما سبق الحديث عنها، كما غير بعض العادات والتقاليد اليهودية، وأيضًا كان يوقع رسائله إلى الخاصة والعامة بتوقيع ابن الله الأول والوحيد “سباتاي زئيفي”.

ولم تكن السلطة العثمانية حتى ذلك الحين لتعبأَ أو تهتم بما يجري، وذلك يعود لسببين:

الأول: هو التسامح الديني وحرية الاعتقاد واستقلالية الطائفة اليهودية بأمورها وشئونها.

والثاني: هو انشغال الدولة العثمانية بحرب جزيرة كريت، وكان السلطان حينذاك هو السلطان محمد الرابع، ورئيس الوزراء هو -أو الصدر الأعظم كما يسمونه- هو فاضل أحمد باشا، غير أن بعض أركان الدولة حين رأوا أن أمر “سباتاي زئيفي” قد بدأ يتجاوز اليهود إلى غيرهم من الطوائف وفئات الشعب الأخرى، وأن الأمر الجديد الطارئ يشكل خطورة على الوضع الداخلي للدولة تنبهوا ونبهوا، وعرض قاضي أزمير على رئيس الوزراء ضرورة اعتقال “سباتاي زئيفي”؛ للحد من نشاطه وتقليم أظافره وحسم دعوته، فصدر الأمر بإلقاء القبض عليه واقتيد عن طريق البحر إلى العاصمة.

في التحقيق أنكر “سباتاي زئيفي” كل ما أسند ونسب إليه من تهم، وهذا ما كان متوقعًا، فماذا كان ينتظر من منافق عليل اللسان مثل “سباتاي”، لكن الوقائع كانت دامغة فنال قسطًا من العذاب وأرسل إلى سجن زندان قابي، غير أن وفود الأتباع والأنصار والمريدين أخذت تؤم السجن للزيارة المسموح بها، فغصت بهم الأماكن وبدت إدارة السجن قاصرة عن استقبال الجموع، فشكت ذلك إلى السلطات العليا التي أمرت بنقله -أي “سباتاي زئيفي”- إلى سجن آخر هو شنق قلعة، وحيث ظهرت سارة من قبل في بولندا برؤياها المزعومة وصدقها الناس، خرج يهودي أو أفاق آخر جديد يدعى ناحيم كوهين، وكان حاخامًا ذكيًّا مطلعًا هو الآخر ليزعم أنه هو الآخر المخلص المنتظر، وبأن الكتب المقدسة تبشر وتنبئ بمسيحيين لا بمسيح واحد، وقصد من ثم إلى معتقل “سباتاي” في شنق قلعة، وقابله وناقشه واختصم معه ثم عاد إلى قواعده ينفث سمومه ويبشر بدعوته.

وكما كانت الوفود تأتي من قبل إلى زندان قابي -المعتقل الأول لـ”سباتاي”- أخذت من جديد تترى وتتتابع إلى شنق قلعة، وكان حراس السجن يغضون الطرف عن هؤلاء الزائرين وجموعهم لقاء رشاوى يتقاضونها، وضاقت المدينة بالزائرين فنقصت المواد الغذائية وارتفعت الأسعار، وجأر أهل المدينة بالشكوى إلى السلطة ورفعت عريضة إلى القصر السلطاني العثماني، كما أن وشاية سعى بها المسيح الجديد المزعوم إلى المسئولين، تقول بأن “سباتاي زئيفي” يريد إنشاء دولة داخل الإمبراطورية العثمانية من وراء دعوته المزيفة، وإزاء كل ذلك وما يشكل من خطر على السلطة رأى المسئولون في الدولة أن يضعوا حدًّا نهائيًّا لهذه الظاهرة، فأمروا بنقل “سباتاي زئيفي” إلى قصر “أدرنة” لحسم الأمر، وظن الأتباع والمريدون أن فجرًا جديدًا سوف يبزغ عليهم، وأن سلطانهم سيعلو ورايتهم ستخفق، وأن معجزة المسيح المزعوم “سباتاي” سوف تقلب الأمر لصالحهم رأسًا على عقب.

error: النص محمي !!