Top
Image Alt

انتفاع الميت بالأعمال التي تسبب فيها في حياته، وحكم دعاء الأحياء للأموات

  /  انتفاع الميت بالأعمال التي تسبب فيها في حياته، وحكم دعاء الأحياء للأموات

انتفاع الميت بالأعمال التي تسبب فيها في حياته، وحكم دعاء الأحياء للأموات

أ. الأدلة على انتفاع الميت بالأعمال, التي تسبب فيها في حياته:

مذهب أهل السنة والجماعة: أن الميت ينتفع بالأعمال التي تسبب بها في حياته، فهي من كسْبِهِ الذي يلحقه بعد موته, كثواب الطاعات والقربات التي حصلت بسبب ذلك الكسب؛ ولهذا قرر ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله- وهو يشرح قول الطحاوي -رحمه الله- في عقيدته: “وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات”, حيث قال ابن أبي العز في الشرح: “اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين:

أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته.

والثاني: دعاء المسلمين، واستغفارهم، والصدقة، والحج، على نزاع فيما يصل من ثواب الحج” انتهى كلامه.

والأدلة التي توضح انتفاع الميت بالأعمال, التي تسبب بها في حياته أدلة قرآنية ونبوية:

أما عن أدلة القرآن فقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىَ (40) ثُمّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الأوْفَىَ} [النجم 39: 41].

يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: “ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى, فقال: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي: كل نفس ظلمت نفسًا بكفر, أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، كما قال تعالى: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىَ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىَ}، وقال: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} أي: كما لا يُحمل عليه وزر غيره, كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه.

ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي -رحمه الله- ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم, ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثّهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم, ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما” انتهى كلامه.

ومن الأدلة من السنة المطهرة على انتفاع الميت بالأعمال, التي تسبب فيها في حياته: الحديث الصحيح الذي رواه مسلم -رحمه الله- في صحيحه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))، فصرح الحديث بأن هذه الأشياء الثلاثة التي عملها ابن آدم وسعى فيها في حياته، هي من كسبه، فهي تنفعه ويلحقه ثوابها وعملها الخيري بعد مماته.

يقول ابن كثير -رحمه الله تعالى-:”وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث…)) الحديث، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكدّه وعمله، كما جاء في الحديث: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه))، والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: {إِنّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىَ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدّمُواْ وَآثَارَهُمْ} [يس: 12]، والعلم الذي نشره في الناس، فاقتدى به الناس بعده هو أيضًا من سعيه وعمله, وثبت في الصحيح: ((مَنْ دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا))” انتهى كلام ابن كثير -رحمه الله.

ب. مذهب أهل السنة في حكم الدعاء والانتفاع به، مع ذكر الأقوال في انتفاع الأموات بدعاء الأحياء، والراجح من ذلك:

إن مذهب أهل السنة والجماعة -رحمهم الله تعالى- أن الدعاء للميت يصله وينفعه؛ وذلك لحديث: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…)) الحديث الصحيح السابق، وذكر منها: ((أو ولد صالح يدعو له))، ومن الأدلة على ذلك: الصلاة على الميت ودعاء المصلين للجنازة، وكذلك زيارة القبور والسلام على أهلها والدعاء لهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في جوابه لمن سأل عن الآية: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39], وعن حديث: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله)): هل يقتضي ذلك أن الميت إذا مات, لا يصل إليه شيء من أفعال البر؟: “ليس في الآية, ولا في الحديث أن الميت لا ينتفع بدعاء الخلق له، وبما يُعمل عنه من البر، بل أئمة الإسلام متفقون على انتفاع الميت بذلك, وهذا مما يُعلَم بالاضطرار من دين الإسلام. وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فمن خالف ذلك كان من أهل البدع، قال الله تعالى: {الّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَا وَسِعْتَ كُـلّ شَيْءٍ رّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلّذِينَ تَابُواْ وَاتّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الّتِي وَعَدْتّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرّيّاتِهِمْ إِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السّيّئَاتِ وَمَن تَقِ السّيّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} [غافر: 7- 9]؛ فقد أخبر سبحانه أن الملائكة يدعون للمؤمنين بالمغفرة ووقاية العذاب ودخول الجنة، ودعاء الملائكة ليس عملًا للعبد.

ومن السنن المتواترة التي من جحدها كفر: صلاة المسلمين على الميت، ودعاؤهم له في الصلاة، وكذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فإن السنن فيها متواترة، بل قد ثبت أنه يشفع لأهل الكبائر، وشفاعته دعاؤه وسؤاله الله تبارك وتعالى، فهذا وأمثاله من القرآن والسنن المتواترة، وجاحد مثل ذلك كافر بعد قيام الحجة عليه.

والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة، مثل ما في الصحاح عن ابن عباس رضي الله عنه: ((أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي تُوفِّيت، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم، قال: إن لي مخرفًا -أي: بستانًا- أشهدكم أني تصدقت به عنها)).

وفي (الصحيحين) عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتتلت نفسها ولم توصِ -أي: ماتت- ولو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم)), وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات ولم يوصِ، أينفعه إن تصدقت عنه؟ قال: نعم)).

والأئمة اتفقوا على أن الصدقة تصل إلى الميت، وكذلك العبادات المالية كالعتق, وإنما تنازعوا في العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقراءة, ومع هذا في (الصحيحين) عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن مات وعليه صيام, صام عنه وليه))، وفي (الصحيحين) عن ابن عباس رضي الله عنه: ((أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صيام نذر؟ قال: أرأيتِ إن كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك)).

فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أنه يصام عن الميت ما نذر، وأنه شبه ذلك بقضاء الدين، والأئمة تنازعوا في ذلك، ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة مَن بلغته، وإنما خالفها مَن لم تبلغه، وقد تقدم حديث عمرو بأنهم إذا صاموا عن المسلم نفعه، وأما الحج فيجزي عند عامتهم، ليس فيه إلا اختلاف شاذ.

وفي (الصحيحين) عن ابن عباس رضي الله عنه: ((أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبيصلى الله عليه وسلم, فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ فقال: حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)).

ففي هذه الأحاديث الصحيحة أنه أمر بحج الفرد عن الميت، وبحج النذر كما أمر بالصيام، وأن المأمور تارة يكون ولدًا وتارة يكون أخًا، وشبه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالدين يكون على الميت، والدين يصح قضاؤه من كل أحد؛ فدلّ على أنه يجوز أن يفعل ذلك من كل أحد، لا يختص ذلك بالولد، كما جاء مصرحًا به في الأخ، فهذا الذي ثبت بالكتاب والسنة والإجماع عِلمٌ مفصلٌ مبيّنٌ، فعلم أن ذلك لا ينافي قوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}، و((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) بل هذا حق، وهذا حق، فإنه إنما يستحق سعيه فهو الذي يملكه ويستحقه، كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو حق وملك لذلك الغير لا له، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره كما ينتفع الرجل بكسب غيره، فمن صلى على جنازة فله قيراط، فيثاب المصلي على سعيه الذي هو صلاته، والميت أيضًا يرحم بصلاة الحي عليه” انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله.

وقال شارح (العقيدة الطحاوية) -رحمه الله-: “واختُلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر؛ فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها، واستدل المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة كالصدقة والحج؛ بأن النوع الذي لا تدخله النيابة بحال كالإسلام والصلاة والصوم وقراءة القرآن يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه، كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره.

والدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح. أما الكتاب فقال تعالى: {وَالّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر: 10]؛ فأثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء، وقد دل على انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة، والأدعية التي وردت بها السنة في صلاة الجنازة مستفيضة، وكذا الدعاء له بعد الدفن, وكذا الدعاء لهم عند زيارة قبورهم” انتهى كلامه. إذًا: يتضح مما تقدم أن الدعاء يصل للميت وينتفع به، ومن أدلة ذلك مما لم يتقدم ذكره: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله به ملكًا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل)).

error: النص محمي !!