Top
Image Alt

انتقاد القاضي عياض للحاكم

  /  انتقاد القاضي عياض للحاكم

انتقاد القاضي عياض للحاكم

بقي أن نذكر أيضًا: الاعتراض على الحاكم في قوله: “إنَّ الإمام مسلم بن الحجَّاج أراد أن يخرج الصَّحيح على ثلاثة أقسام، ولما فرغ من هذا القسم الأول -الذي هو القسم الأول عنده- أدركته المنيَّة -رحمه الله تعالى- وهو في حدِّ  الكهولة”. فقد انتقد العلماء عليه ذلك أيضًا.  وقبل أن نُبيِّن نقد العلماء، نُبيِّن:

تقسيمُ مسلم للأخبار وناقليها في مقدمة (صحيحه):

فقد قسمها إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأوَّل: الأخبار التي سلمت من العيوب سندًا ومتنًا؛ لأن رواتها من أهل الاستقامة في الأحاديث والإتقان فيها، وليس في روايتهم اختلافٌ شديد، ولا تخليطٌ فاحش. وهذه الأخبار يتقصَّاها في (صحيحه).

القسم الثَّاني: أخبار يقع في أسانيدها بعض من ليسوا موصوفين بالحفظ والإتقان، كرواة القسم الأول، لكنَّ اسم الستر والصدق وطلب العلم يشملهم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم. وهذا القسم ذكَر مسلم أنه يتبع به أحاديث القسم الأول، أي: يذكرها في المتابعات والشواهد، وللدَّلالة على اختلاف الروايات، أو حيث لم يجد من القسم الأول حديثًا يضعه في الباب الذي يُترجم له.

القسم الثَّالث: أحاديث قوم متَّهمين بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، ومن يغلب على حديثهم المُنكر أو الغلط، ولا يُخرِّج مسلم في “كتابه” أحاديث هؤلاء. وقد ذكر الحاكم -كما قلنا-: إنَّ مسلمًا لم يُخرِّج إلا لهؤلاء، ثم اخترمَته المنيَّة.

قال القاضي عياض: وهذا ما قبِله الشيوخ والناس من الحاكم، وتابعوه عليه.

قال: وليس الأمر كذلك، بل ذكر حديث الطبقة الأولى، وأتى بأحاديث الثَّانية على طريق المتابعة والاستشهاد، أي: حيث لم يجد في الباب من حديث الأولى شيئًا، وأتى بأحاديثِ طبقة ثالثة، وهم أقوام تكلَّم فيهم أقوام وزكَّاهم آخرون ممن ضُعِّف رواتهم ببدعة، وطرح الرَّابعة كما نصَّ عليه.

قال القاضي عياض: والحاكم تأوَّل أنَّ مرادَه أن يُفردَ لكلِّ طبقةٍ كتابًا، ويأتيَ بأحاديثها خاصَّة مفردةً؛ وليس ذلك مراده.

قال: وكذلك عللُ الأحاديث التي ذكر أنَّه يأتي بها، قد وفَّى بها في مواضعها من الأبواب، من اختلافهم في الأسانيد: كالإرسال والإسناد، والزِّيادة والنَّقص، وتصاحيف المُصحِّفين.

قال: ولا يُعترضُ على هذا بما قاله ابنُ سفيان صاحبُ مسلم وراوي كتابِه: إنَّ مسلمًا أخرج ثلاث كتب من المسندات:

أحدها: هذا الذي قرأه على النَّاس.

والثَّاني: يُدخل فيه عكرمةَ وابنَ إسحاق وأمثالَهما.

والثَّالث: يُدخل فيه من الضُّعفاء.

فإنَّ ذلك لا يطابقُ الغرضَ الذي أشار إليه الحاكم، ممَّا ذكره مسلمٌ في صدر كتابه.

قال السُّيوطي: وما قاله عياضٌ ظاهرٌ جدًَّا.

قال ابنُ الصَّلاح: وقد عِيبَ على مسلم روايته في (صحيحه) عن جماعةٍ من الضُّعفاء والمتوسِّطين الَّذين ليسوا من شرط الصَّحيح، أي: فهذا يدُلُّ على أنَّ مسلمًا لم يكتفِ بالقسم الأول الذي ذكره الحاكم.

والجواب على هذا من وجوه:

أحدها: أن ذلك في من هو ضعيفٌ عند غيره، ثقةٌ عنده.

الثاني: أنَّ ذلك واقعٌ في المتابعات والشَّواهد لا في الأصول؛ فيذكر الحديث الأول بإسناد نظيف ويجعله أصلًا، ثم يُتبعه بإسناد أو أسانيدَ فيها بعض الضُّعفاء، على وجه التَّأكُّد والمبالغة، والزِّيادة فيه تُنبِّه على فائدةٍ فيما قدَّمه.

الثَّالث: أن يكون ضعفُ الضعيف الذي اعتدَّ به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط، كأحمد بن عبد الرحمن ابن أخي عبد الله بن وهب، اختلط بعد الخمسين ومائتين، بعد خروج مسلم من مصر.

الرَّابع: أن يعلو بالضَّعيف إسنادُه، وهو عنده من رواية الثِّقات نازل؛ فيقتصر على العالي ولا يُطوِّل بإضافة النَّازل إليه، مكتفيًا بمعرفة أهل الشَّأن في ذلك؛ فقد روينا أنَّ أبا زُرعة أنكر عليه روايته عن أسباط بن نصر، وقَطن، وأحمد بن عيسى المِصري، فقال: “إنَّما أدخلت من حديثهم ما رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنَّه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من روايةٍ أوثقَ منه بنزول، فأقتصر على ذلك”.

ولامَه أيضًا على التَّخريج عن سويد، فقال: “كنت آتي بنسخة حفصٍ عن ميسرةَ بعلوٍّ”.

الخلاصة:

هذا، ويحسن بنا أن نلخِّص هذا الموضوع جملةً، وأن نجمع ما تفرّق منه، فنقول:

إنَّ الحاكم قد قسَّم الصحيح إلى عشرة أقسام:

خمسة أقسام منها صحيحة متَّفق على صحَّتها.

وخمسةٌ مختلفٌ في صحتها.

المتَّفق على صحته:

القسم الأول: عدَّ الحاكمُ من الصَّحيح المتَّفق على صحته: أن يكون راويه من الصَّحابة له راويان فأكثر عدول، وأن يروي عن التَّابعيِّ الذي رواه عن الصَّحابي راويان فأكثر عدول، وهكذا حتى يصل إلى البخاري أو مسلم. وقال: قد اقتصر البخاري ومسلم على هذا.

القسم الثاني: أن يروي عن التَّابعي -الذي روى عن الصحابي الذي له راويان- أيضًا راويان من أتباع التَّابعين، وهكذا إلى أن يصل إلى الَّذي خرَّج هذا الحديث من أصحاب “الصِّحاح”.

ولكنَّ الحاكم لم يسلم له ذلك، وتصدَّى له العلماءُ بالنَّقد في هذا:

فأوّلًا: نقده الحافظ ابن حجر -كما بيّنّا- في  كل هذه الأقسام.

ونقده ابن طاهر المقدسي والحازمي، نقداه في الأقسام الأربعة الصَّحيحة المتَّفق عليها. وأثبتا هما أو واحدٌ منهما: أنَّ هناك من الأحاديث -أحاديث الصحابة- ما ليس لبعضهم إلا راوٍ واحد، وكذلك أحاديث التابعين ما ليس له إلا راوٍ واحد.

كما ذكر الحازميُّ: أنَّ هناك من المفاريد -وهو القسم الثالث من الصَّحيح المتفق عليه، والَّذي نفى الحاكم أن يكون عند البخاري ومسلم- والغرائب ما يثبت خلاف ما ذكر الحاكم. ومن هذا: الحديثُ المشهور: ((إنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى)). فقد تفرَّد بروايته عن عمر بن الخطاب: علقمةُ بن وقَّاص الليثي، وتفرَّد عن علقمة بن وقاص اللَّيثي: محمَّد بن إبراهيم التَّيمي، وتفرَّد عن التَّيمي: يحيي بن سعيد الأنصاري. وأثبت ذلك بطبيعة الحال من الصَّحيح ممَّا لا يُستطاع الجدال فيه.

إلا أنَّنا قلنا: إنَّه إنصافًا للحاكم، قد ذَكر في مقدمة (مستدركه): أنَّ البخاري ومسلمًا قد رويا للصحابي الذي ليس له إلا راوٍ واحد. وكأنَّه رجع عما قال في كتابه (المدخل إلى كتاب “الإكليل”).

ثم تطرّقنا بعد ذلك إلى نقد الحاكم أيضًا في قوله: إنَّ الإمام مسلمًا لم يروِ إلا عن القسم الأول ثمَّ اخترمته المنيَّة؛ فلم يروِ عن الأقسام الثانية، وقد كان ينوي أن يروي عنها. نقده القاضي عياض في ذلك، وبيَّن أنه روى عن الأقسام التي ذكرها مسلم في مقدَّمة (صحيحه).

error: النص محمي !!