Top
Image Alt

انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام

  /  انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام

انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام

أ. انتهاء الحرب في الإسلام:

تنتهي الحرب في الإسلام بأحد طُرق خمسة:

  1. باعتناق العدو للإسلام: فتُعصم الدماء والأموال، وتُصبح بلاده بالإسلام “دار إسلام”، يجرى عليهم حُكم الإسلام، وتُطبّق فيها تشريعاته وأحكامه. وهذا حُكم متّفق عليه بين جمهور الفقهاء.
  2. بالدخول مع المسلمين في صُلح مؤقّت: وهو: الهدنة، أو مؤبّد وهو: عقد الذِّمّة. ويترتّب على عقد الصلح المؤقّت: إنهاء الحرب، وتمتّع المهَادنين بالأمان على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم؛ لأنّ الهُدنة أو الموادعة عقد أمان أيضًا؛ فيجب كفّ الأذى عنهم حتى يتأتى ناقض للعهد منهم. كذلك يترتب بالأوْلى على عقْد الذِّمّة أو الصلح الدائم: إنهاء الحرب بصفة دائمة، وأمْن كلٍّ من المسلمين وغيرهم على أنفسهم وأموالهم وبلادهم وأعراضهم، بثبوت العصمة بالعقد. وتصبح ديارهم جزءًا من “دار الإسلام”، ويكون لهم ما لَنا وعليهم ما علينا. ويُترَكون وما يَدينون، ويدفعون الجزية مقابل عدم تكليفهم بواجبات الجهاد أو الدفاع عن البلاد. قال علي رضي الله عنه: “إنما بذلوا الجزية لتكون أموالُهم كأموالنا ودماؤهم كدِمائنا”.
  3. بالفتح: أي: بضمِّ الدّول المفتوحة لدار الإسلام، على أن يكون الخاضعون لدولة الإسلام لهم ما للمسمين، وعليهم ما على المسلمين؛ وهذا يكون بعد وجود حرب مشروعة وفْق قواعد الإسلام. ولا بدّ من استقرار الفتح واستكماله، وانتهاء الأعمال العسكرية أو الحربية. ويلاحظ أنه لم يُعتبر الفتح غير مشروع بين الدول إلاّ في السنين الأخيرة من عصرنا الحديث -كما يقول الدكتور وهبة الزحيلي- وذلك بعد تقرير تحريم الحرب غير الدفاعية، ومن الناحية النظرية فقط لا في الواقع العملي.

وتُترَك الأرض عادة عقب الفتح بيد أهلها الأصليِّين بعد فرض ضريبة عقارية عليهم، هي: ضريبة الخراج، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سواد العراق والشام ومصر، وأقرّه بقيّة الصحابة؛ فكان إجماعًا -كما بيّنّا من قبْل.

  • بترْك القتال، أو بالانسحاب الجماعي للجيش: إذا رأى القائد مصلحة في الانصراف عن الحرب، إمّا بضرر في الإقامة بسبب حوادث الطبيعة، أو لإدراك مصلحة يخشى فواتها إذا استمر القتال، أو للمحافظة على الجيش أمام قوّة حربية كبيرة للعدو، كانسحاب المسلمين بقيادة خالد بن الوليد أمام جيش الروم الكثيف في موقعة مُؤتة بالشام، وغير ذلك ممّا قرأناه أو سمعنا عنه.

وترْك القتال يُنهي الحرب من الناحية المادية الفعلية فقط، لا من الناحية الشرعية المستقِرة، أي: إنّ حالة الحرب تظل قائمة إلى أن يتحقّق النصر، أو قبول الإسلام، أو رضى بعقد معاهدة أو صلح.

  • بالوسائل السلمية: كالتحكيم، وهو: اتفاق بين الطرفيْن أو أكثر على إحالة النزاع بينهم إلى طرف آخَر ليحكم فيهم. وبعبارة فقهائنا وهو: تولية الخصميْن حاكمًا يَحكم بينهما، فيكون الحُكم فيما بين الخصميْن كالقاضي في حقِّ الناس كافة، وفي حق غيرهم بمنزلة المُصلح. ولا مانع من اشتراك غير المسلم في التحكيم، ولا مانع أيضًا من تطبيق قواعد القانون الدولي، أو قواعد الحق والعدالة في التحكيم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حدّد مقدّمًا لسعد بن معاذ في قضية التحكيم في يهود بني قريظة القواعد التي يقضى بها.

قواعد التحكيم في محكمة العدل الدولية لا تخرج عن كونها: إمّا اتفاقًا دوليًا، أو عُرفًا عامًا سارت الدول على مقتضاه، أو قاعدة من قواعد العدل والإنصاف. فإذا أضرّت قاعدة ما بالمسلمين، كانوا بالخيار -كما هو المقرّر دوليًا- في عدم عرض النزاع على محكمة العدل المذكورة.

أثر الحرب في الأشخاص والأموال:

للحرب آثار كثيرة في أشخاص العدو وأمواله. أمّا عن أثر الحرب في أموال العدو، فيظهر ممّا وضّحه فقهاؤنا في بحث: الفيء والغنائم.

و”الفيْء” -كما قلنا من قبْل- هو: المال الذي يؤخذ من غير قتال، أي: بطريق الصلح، كالجزية، والخراج.

و”الغنيمة” هي: ما أُخذ من أموال أهل الحرب عنوة، بطريق القهر والغلبة. وقد تناولنا هذا وغيره في كلامنا السابق عن: موارد بيت المال، أو عن النظام المالي في الإسلام.

معاملة الأسرى في الإسلام:

أمّا عن أثر الحرب في أشخاص العدوّ، فيتجلّى بصفة بارزة في الأسرى، لأنّ العادة تقضي بأن يقع عقِب القتال في سلطة المتحاربين بعض أفراد من العدو يُعتبَرون أسرى حرب.

وفي البداية، أُلْفِت انتباهكم إلى ما جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية) من دراسة جيدة مفصّلة عن الأسرى، ابتداءً من تعريف الأسير، والألفاظ ذات الصلة به، كالسّبي، والرهينة، ثم من يجوز أسْرهم ومن لا يجوز، ومعاملة الأسير قبْل نقله لدار الإسلام، وحُكم الإمام في الأسرى مّن الفداء بالمال، أو بأسرى المسلمين، وماذا لو أسلم الأسير؟ وبمَ يُعرف إسلامه؟ وأموال الأسير، وحكم أسرى البغاة، والذمِّيِّين، والحربيّين، والمرتدّين إذا أعان هؤلاء الأعداء، وما يتعلّق بذلك من أحكام. ثم انتقلت الموسوعة إلى تفصيل أحكام أسرى المسلمين إذا تترّس بهم الكفار، وكذلك استنقاذهم ومفاداتهم، ومدَى تطبيق بعض الأحكام الشرعية عليهم، كحقّ الأسير في الغنيمة، وفي الإرث والتصرفات المالية، وجنايته، ونكاحه، والاستعانة به، وما ينتهي به الأسر بما يُقرِّره الإمام من قتْل، أو استرقاق، أو منٍّ، أو فداء بمال، أو عن طريق تبادل الأسرى، أو بموت الأسير قبل قرار الإمام فيه، أو بفراره؛ أحكام ومسائل كثيرة، أنصح بالاطّلاع عليها ما دام الوقت لم يتّسع للوقوف عند أهمِّها على الأقل.

أما عن معاملة الأسرى في الإسلام؛ فلقد اتّسمت معاملة المسلمين لأسرى العدو بالرفق، والرحمة، والإنسانية، والتكريم، والبِر، والإحسان من الناحيتيْن: النظرية والواقعية.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((استَوصُوا بالأسارى خيرًا)).

قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} [الإنسان: 8، 9].

وبناءً عليه قال الفقهاء: لا يجوز تعذيب الأسرى بالجوع والعطش وغيرهما من أنواع التعذيب، لأنّ ذلك التعذيب من غير فائدة.

وقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في بني قريظة، بعد أن احترق النهار في يوم صائف: ((لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم، وحرّ السلاح! قيلوهم حتى يبردوا)). يا لها من رحمة!.

واستمرّ هذا المنهاج في تاريخ المسلمين على مدى العصور، بالإحسان إلى الأسرى، عملًا بوصية الرسول الأعظم فيهم. فكان يربط الأسير في المسجد -في مبدأ الأمر- حتى يتقرّر مصيره، إما باعتناق الإسلام، أو المن عليه بدون مقابل، أو بالمفاداة ومبادلة الأسرى. ويُقدّم له الطعام والشراب، والكسوة الملائمة، والعلاج الناجع. ولا يُكرَه الأسير على الإدلال بالأسرار العسكرية.

وقد دخل عمر بن العزيز في مفاوضات مع البيزنطيِّين أو الرومان للبحث في مشكلة الأسرى المسلمين وغير المسلمين، ومفاداتهم عقب الحملات التي توجّهت إلى آسيا الصغرى طوال حُكم الخلفاء السابقين.

وكانت معاملة الأسرى في الحروب الصليبية من قبل صلاح الدين الأيوبي مَثَلًا أعلى للتسامح، والترفّع، والسموّ؛ إذ توسّل إليه رهط من النساء وناشَدْنه أن يفكّ سراح أزواجهنّ وأولادهن، فتأثّر صلاح الدين بتوسّلاتهن، وأمر بردِّ الأسرى إلى أقاربهم. ووزّع الصدقات على اليتامى والأرامل، وعمل على إسعاف الجرحى، ومعالجة المرضى بحجّاج المسيحيِّين. وكان الصليبيون على العكس، يقتلون الأسرى، كما فعل ريتشارد قلب الأسد، الذي قتل من المسلمين أمام بيت المقدس ثلاثة آلاف. وقتل الصليبيون في الحملة الصليبية الأولى من الأهالي ما يزيد عن سبعين ألْفًا.

وقد حكى القانون الدولي هذه المعاملة الرحيمة بالأسرى في ظل الإسلام؛ فأوجب صيانة حياة الأسرى، وأوصى بحسن معاملتهم بما تقتضيه الإنسانية المتمدِّنة، ونظّم معاملتهم في لائحة “لاهاي” في الحرب البرية سنة (1907)، وفي اتفاقية “جنيف” الثانية (1929، 1949).

ولم يعتبر القانون الدولي الأسرى إجراءً زجريًّا، بل تدبيرًا احتياطيًّا إزاء عدو مجرّد من السلاح، بعد أن كانت معاملة الأسرى بين الدول يشوبها الشيء الكثير من القسوة المتعمّدة أو الإهمال المؤذي. ولم تتشبّع الدّول بفكرة أنّ أسير الحرب ليس مجرمًا حتى يعامل معاملة المجرمين، إلا في أواخر القرن الثامن عشر.

مصير الأسرى في رأي الفقهاء:

على أية حال؛ فإن فقهاءنا يروْن: أنّ مصير الأسرى يتحدّد بحسب رأي الإمام. يفعل ما يراه مصلحة ملائمة من اختيار أحد أمور هي عند الحنفية: القتل، أو الاسترقاق، أو ترْكهم أحرارًا ذمّة للمسلمين، إلا مشركي العرب والمرتدّين، فإنهم لا يُسترَقُّون، ولا يكونون ذمة.

وهي أربعة عند غير الحنفية: القتل، الاسترقاق، المنّ، والفداء بمال أو أسرى.

وأضاف المالكية أمرًا خامسًا هو: عقْد الذِّمّة معهم، وتكليفهم بالجزية.

ونشير هنا إلى: أنّ التخيير بين هذه الأمور الأربعة أو الخمسة أو الأقل، كان مراعىً فيه العرف القائم بين الأمم قبل بزوغ فجر الإسلام. واستمر الحال لفترة ما بعد الإسلام على سبيل المعاملة بالمثْل. ولكن لم يلجأ المسلمون إلى قتل الأسير إلاّ في حالات نادرة وبقدر محدود، كقتل اثنيْن يوم بدر، وواحد يوم أُحُد، وقتْل بني قريظة بالتحكيم، والأمر بقتل ثمانية يوم فتح مكة بظروف خاصة مشدّدة أملَتْها ضرورة العداوة والإمعان في الأذى من قِبَل هؤلاء، أو لنقض العهد المتكرر والاستخفاف بالمسلمين، حسْمًا لمادة الفساد، واستئصالًا لجذور الشر وشرايين الفتنة التي تستمر لولا التخلص منهم الذي تلجأ إليه الضرورة. وهذا ما يتمّ إليه الآن سرًّا في المعتقلات والسجون بالتسميم أو التعذيب ونحوه…

والإسلام يحترم جثث القتلى؛ فلا يمنع من تسليمها للعدو، كما حصل في تسليم جثة نوفل بن عبد الله عقِب الخندق. ويحرم التمثيل بالقتلى. ويُدفَنون ولا يتركون على ظهر الأرض، كما دفن قتلى المشركين في القليب -أي: البئر- بعد بدر.

ويجوز وقف القتال لنَقْلهم. ويعالج الجرحى والمرضى، ولا يُجهز عليهم.

وأمّا الاسترقاق، كان أيضًا معاملة بالمثْل، لقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وقوله تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194]. وفي حالات محدودة، حيث استرقاق الأعداء بالفعل أسرى المسلمين. فلو لم يعامَلوا بالمثْل لاستمرّ العدو في فعْله. ولم يُحرّم الإسلام الرِّقّ، لأنه كان عماد الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ وإنما كان دوره أفعل وأقوى في إيقاظ الضمير البشري، حينما أوصى بضرورة الإحسان إلى الأرقّاء، وتنبيه الناس إلى أنّ الأصل في الإنسان الحرية والرق عارض، وأنه لا بد من الالتفات إلى وجود ظلم في المجتمع، لأن الأهم فكريًا وعمليًا ليس وجود الظلم الواقع، وإنما شعور بالظلم والتفكير في رفْعه واستئصاله؛ وهذا ما مهّد لتحرير الأرقّاء وتحريم الرق. فأيّدت الدولة العثمانية -الممثِّلة للخلافة الإسلامية- مشروعَ إلغاء الرقيق، وأظهرت ارتياحًا حسَنًا نحو ذلك؛ لأن دين الإسلام يأمر بالحرية.

وإذا كان مؤتمر “فينّا” سنة (1815م) قد حرّم الاتّجار بالرقيق، واتّفاقية جنيف سنة (1949م) قد منعت الاسترقاق، إلاّ أنّ أكثر الدول المعاصرة في أوربا وأمريكا ما تزال تميِّز بين الجنس الأبيض والجنس الملوّن، وتظل مشكلة التفرقة العنصرية تشجب السياسة الاستعمارية في إفريقيا، وفي فلسطين، وأيضًا في العراق. ويعامَل الزنوج في أمريكا معاملة سيِّئة تمتد إلى إهدار كرامة الإنسان نفسها. وكان النازيون وغيرهم من المستعمِرين في الحرب العالمية الثانية يقتلون الآلاف المؤلّفة من الأسرى، ويذيقونهم قبل القتل أشدّ العذاب.

وإذا كان قتل الأسير أمرًا استثنائيًّا -كما بيّنّا- في واقع التاريخ الإسلامي، وكان الرّق محرّمًا عالميًا -كما لاحظنا- فلم يَعُد مجال إلا القول بمقتضى التشريع الدائم للأسرى المقرّر في القرآن الكريم، وهو: إمّا المنّ أو الفداء. وقد قال عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعطاء، وغيرهم…: “إن حُكم الأسرى: إمّا المنّ، أو الفداء فقط دون سواهما، لقوله تعالى: {فَشُدّواْ الْوَثَاقَ فَإِمّا مَنّا بَعْدُ وَإِمّا فِدَآءً} [محمد: 4]؛ فخيّر بين هذيْن بعد الأسر لا غير. ويُكرَه قتل الأسرى”.

يقول الشيخ أبو زهرة: “ذكرْنا أنّ الإسلام يحافظ على الكرامة الإنسانية في الحرب كما يحافظ عليها في السِّلم، ولذلك كان رفيقًا في الأسرى لا يهدر آدميّتهم. ولم يعرف التاريخ محاربًا كان رفيقًا بالأسرى غير الإسلام؛ فالقرآن الكريم قد اعتبر أبرّ القربات التي تكون من المؤمن، وأخص أوصاف المؤمنين: أنهم يُطعمون الطعام للمسكين والأسير”.

قال النبي صلى الله عليه وسلم ((استوصُوا بالأسارى خيرًا)). ولماذا كانت تلك الوصايا بالأسرى؟!.

الجواب: أنهم يؤسَرون ونيران الحرب ملتهبة، وربما كان مِن بعضِهم مَن قَتَل، فيكون الاعتداء عليه غليظًا لشفاء الغيظ وحبّ الانتقام، كما فعَل الأوربيون والأمريكان فيمن سمّوْهم: “مجرمي الحرب”.

فلو أنّ الله تعالى استبدل بنصرهم هزيمة، لكانوا بمقتضى هذا المنطق الغريب في العقل ولا ينفّذ إلاّ قانون الانتقام، هم مجرمو الحرب، لِما اقترفته أيديهم الآثمة.

فالإسلام حث على إكرام الأسير، منعًا لتك الروح الانتقامية الغليظة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصِي بأسرى بدر، وكأنهم في ضيافة وليسوا في أسر، حتى إنّ بعض الذين نزل هؤلاء في ديارهم كانوا يُؤثِرونهم بالطعام على أولادهم.

والمسلمون حينئذ يكونون في جهاديْن إذًا: أوّلهما: جهاد السيف ونيران الحرب قائمة. حتى إذا انتهت الحرب كان الجهاد الثاني: هو ضبط النفس حتى لا تسترسل في الغيظ، فيقع منها بالمغلوبين -وخصوصًا الأسرى- ما لا يرضاه الله العليم الخبير، ولا النبي الكريم، ولا الدين القويم.

وماذا يصنع الإسلام بالأسرى بعد أن يأخذهم؟.

فقد ذكر القرآن الكريم: أنّ القائد أو وليّ الأمر مُخيّر بين اثنيْن لا ثالث لهما: إمّا أن يَفديَهم، وإمّا أن يَمنّ عليهم بإطلاق سراحهم.

والفداء قد يكون بالرءوس، فيُطلَق أسارى المسلمين في نظير أن يطلق المسلمون أسراهم.  وقد يكون المال، فإن كان الأسير فقيرًا لا مال له أو رُؤي من المصلحة الإسلامية إطلاقه.

ففي هذه الحال يمنّ عليه، ويكون الصفح الجميل؛ وهو العلاج السليم في هذه الحال، ويكون العفو عن عباد الله.

ولم يَفرض القرآن الكريم الاسترقاق -هو الأمر الثالث-؛ وبذلك يتبيّن أنّ القرآن ليس فيه إذْن بالاسترقاق، بل فيه ما يَنفيه؛ إن لم يكن بصريح العبارة، فإنه يكون بما تضمّنته الإشارة، أو بدلالة الإشارة.

وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُنشِئ رقًّا على حُر قط، وما كان عنده من رقيق في الجاهلية فقد أعْتقه، وما أُهدي عليه من رقيق بعد ذلك أعْتَقه.

إذًا، فلماذا كان في الإسلام رق؟ ولماذا وُجد الرق في عهد الراشدين وهم الذين اهتدوا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم؟!.

الجواب: أنّ نصوص القرآن لم تَمنعْه صراحة، وإن كانت أمْيَل إلى المنع. والنبي لم يُقرّه، وإن لم يمنعْه. وبقي الأمر فيه لِما يقضي به قانون المعاملة بالمثْل؛ فإذا كان الأعداء يَسترقُّون، كان للمسلمين أن يسترقّوا، مِن قِبَل المعاملة بالمِثْل. وإن كانوا لا يسترقّون، فلا يحلّ للمسلمين أن يسترقّوا لأن ذلك يكون اعتداءً، وهم منهيّون عنه على وجْه العموم: {وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] وتكرّر هذا النهي العظيم في القرآن الكريم.

هذه أحكام الحرب في الإسلام، وفيها نرى الرحمة، والفضيلة، والكرامة الإنسانية، والله سبحانه بكل شيء عليم.

مظاهر الرأفة والرحمة بالأسرى في الإسلام:

وهكذا يتّضح لنا مدى عناية الشريعة الإسلامية بأمْر أسرى الحرب منذ أربعة عشر قرنًا؛ بل ما أكثر مظاهر الرأفة والرحمة بهم! والتي يمكن إجمالها فقط في الآتي:

  1. وجوب تسليم الأسرى لرئيس الدولة ليتّخذ ما يراه مصلحة عامة للدولة في نطاق الشرع.
  2. عدم جواز التفريق في الأسرى بين الوالد وولده الصغير الذي لا أم له، وبين الوالدة وولدها، أو الأخ وأخيه، مراعاة للنواحي الإنسانية؛ فـ((لا تولَه والدة على ولدها)) كما قال المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم.
  3. وجوب المعاملة الطيبة للأسرى.
  4. عدم إلحاق الأذى أو صنوف التعذيب بأسرى الحرب، بما في ذلك أساليب الإكراه المادي والمعنوي، حتى في استجوابهم من أجل الحصول على المعلومات العسكرية مثلًا. وأظن أنّنا أصبحنا نسمع عن أنماط من التعذيب في سجون العدو تقشعر منها الأبدان الرحيمة، ابتداءً من الحرمان من الطعام والشراب، والنوم، والصدمات الكهربائية، ونزع الأظافر، وإطفاء السجائر في الجسم والأماكن الحساسة، ووضع خراطيم المياه أو الهواء في فتحة الشرج، والتحرش الجنسي بصوَره المختلفة. وغير ذلك ممّا نصّت عليه الاتفاقيات الدولية، آخذة بآداب الإسلام في معاملة الأسرى في الحرب وخاصة اتفاقية “جنيف” سنة (1949م).

هذا، وبالله التوفيق.

error: النص محمي !!