Top
Image Alt

انعقاد الجماعة باثنين، انفراد المأموم لعذر، أحكام المسبوق، وأعذار ترك الجماعة

  /  انعقاد الجماعة باثنين، انفراد المأموم لعذر، أحكام المسبوق، وأعذار ترك الجماعة

انعقاد الجماعة باثنين، انفراد المأموم لعذر، أحكام المسبوق، وأعذار ترك الجماعة

باب انعقاد الجماعة باثنين أحدهما صبي أو امرأة:

الحديث الأول:

عن ابن عباس قال: ((بتُُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقمت أصلي معه فقمت عن يساره، فأخذ برأسي وأقامني عن يمينه)) رواه الجماعة.

وفي لفظ: ((صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذٍ ابن عشر، وقمت إلى جنبه عن يساره، فأقامني عن يمينه)) قال: وأنا يومئذٍ ابن عشر سنين. رواه أحمد، والحديث جاء بروايات كثيرة.

والمعنى العام لهذا الحديث نقول في معناه: إيمان كامل برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وحرص دقيق وشديد على التأسي به، والاقتداء بأفعاله صلى الله عليه وسلم كان ذلك وراء الثلاثة الذين ذهبوا إلى بيوت أزواجه صلى الله عليه وسلم ليسألوا عن عبادته السرية التي يقوم به في منازلهن وفي لياليهن، ويتجلى ذلك واضحًا في حديث ابن عباس، وهو الصبي الذي ما زال صبيًّا في سنه، كنّه كالكهل في إيمانه وقوة عقيدته، كالرجل في عنفوان حياته، وشدة تمسكه بدينه، والتفاني في إقامة شرعه، كالهَرمي في حرصه على تقديم ما يمكنه تقديمه من طاعات يلقى به ربّه عز وجل.

وقول ابن عباس ((بِتُّ)) في رواية: ((نِمتُ)).

وقوله: ((يصلي من الليل)) قد تقدم الكلام في هذا في صلاة الليل.

قوله: ((وأقامني عن يمينه)) يُحتمل المساواة، ويحتمل التقدم والتأخر قليلًا، وفي رواية: ((فقمت إلى جنبه وهو ظاهر في المساواة)).

وعن بعض أصحاب الشافعي: يستحب أن يقف المأموم دونه قليلًا، وليس عليه فيما أعلم دليل، وفي (الموطأ) عن عبد الله بن مسعود قال: “دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح، فقمت وراءه -ويسبح يعني: يصلي- فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه”

الحديث الثاني:

عن أبي سعيد، وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من استيقظ من الليل وأيقظ أهله فصليا ركعتين جميعًا كُتب من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات)) رواه أبو داود، وذكر أبو داود أن بعضهم لم يرفع هذا الحديث، ولا ذكر أبا هريرة وجعله كلام أبي سعيد، وبعضهم رواه موقوفًا، وقد أخرجه النسائي، وابن ماجه مسندًا، وفيه مشروعية إيقاظ الرجل أهله بالليل للصلاة.

وقد أخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء))

وحديث الباب استُدل به على صحة الإمامة، وانعقادها برجل وامرأة، وإلى ذلك ذهب الفقهاء، ولكنّه لا يخفى أن قوله: ((فصليا ركعتين جميعًا)) محتمل لأن يصدق عليهم إذا صلى كل واحد منهما ركعتين منفردًا أنّهما صليا جميعًا ركعتين أي: كل واحد منهم فعل الركعتين، ولم يفعلهما أحدهما فقط، ولكنّ الأصل صحة الجماعة وانعقادها بالمرأة مع الرجل، كما تنعقد بالرجل مع الرجل، ومن منع ذلك فعليه الدليل.

باب انفراد المأموم لعذر:

باب انفراد المأموم لعذر. عن أنس بن مالك قال: ((كان معاذ بن جبل يؤم قومه فدخل حرام، وهو يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد مع القوم، فلما رأى معاذ طول، تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه، فلما قضى معاذ الصلاة قيل له ذلك. قال: إنّه لمنافق أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله؟! قال: فجاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ عنده، فقال: يا نبي الله إنّي أردت أن أسقي نخلًا لي فدخلت المسجد لأصلي مع القوم، فلما طول تجوزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أنّي منافق، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال: أَفَتَّانٌ أَنْتَ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟! اقْرَأْ بِكَذَا اقْرَأْ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)).

عن بريدة الأسلمي: ((أنّ معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء فقرأ فيها “اقتربت الساعة” فقام رجل من قبل أن يفرغ فصلى وذهب، فقال له معاذ قولًا شديدًا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه، وقال: إنّي كنت أعمل في نخل وخِفت على الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لمعاذ-: صلِ بـ”الشمس وضحاها” ونحوها من السور)) رواهما أحمد بإسنادٍ صحيحٍ، فإن قيل: ففي الصحيحين من حديث جابر أن ذلك الرجل الذي فارق معاذًا سلّم ثم صلى وحده، وهذا يدل على أنه ما بنى بل استأنف. قيل: في حديث جابر: ((إنّ معاذًا استفتح سورة البقرة)) فعُلم بذلك أنّهما قصتان وقعتا في وقتين مختلفين إمّا لرجل أو لرجلين.

وهذه القصة -قصة حرام مع معاذ- قد رويت على أوجه مختلفة، ففي بعضها لم يُذكر تعيين السورة التي قرأها معاذ، ولا تعيين الصلاة التي وقع ذلك فيها، كما في رواية أنس المذكورة، وفي بعضها: أنّ السورة التي قرأها اقتربت الساعة، والصلاة العشاء، كما في حديث بريدة المذكور، وفي بعضها: أنّ السورة التي قرأها البقرة، والصلاة العشاء كما في حديث جابر الذي أشار إليه المصنف، وفي بعضها: أنّ الصلاة المغرب كما في رواية أبي داود والنسائي وابن حبان.

ووقع الاختلاف أيضًا في اسم الرجل فقيل حرام بن مِلْحان، وقيل: حزم بن أُبي بن كعب، وقيل: حازم، وقيل: سُليم، وقيل: سليمان، وقيل غير ذلك، وقد جُمع بين الروايات بتعدد القصة، وممن جمع بينها بذلك ابن حبان في صحيحه.

قوله: ((فدخل حرام)) بالحاء والراء المهملتين ضد حلال ابن مِلْحان بكسر الميم، وسكون اللام بعدها حاء مهملة.

قوله: ((فلما طول)) يعني: معاذًا، وكذلك قوله: ((فزعم)) قوله: ((أنّي منافق)) في رواية للبخاري فكأنّ معاذًا نال منه، وتناول منه، وفي رواية ابن عيينة، فقال له: “أنافقت يا فلان؟ فقال: لا، والله ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم” وكأنّ معاذًا قال ذلك أولًا ثم قال أصحابه للرجل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أو بلغه الرجل كما في حديث الباب وغيره.

وعند النسائي قال معاذ: ((لئن أصبحت لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأرسل إليه، فقال: ما حملك على الذي صنعت؟ فقال: يا رسول الله عملت على ناضح لي)) يعني: الذي يسقي منه بالماء، ويُجمع بين الروايتين بأنّ معاذًا سبقه بالشكوى فلما أرسل له جاء فاشتكى من معاذ قوله: ((أفتانٌ أنت)) في رواية مرتين -يعني: ذكرت مرتين- وفي رواية ثالثة، وفي رواية: ((أفاتن)) وفي رواية: ((أتريد أن تكون فاتنًا)) وفي رواية: ((يا معاذ لا تكون فاتنًا)) ومعنى الفتنة: أنّ التطويل يكون سببًا لخروجهم من الصلاة، ولترك الصلاة في الجماعة.

قوله: ((لا تطول بهم)) فيه أنّ التطويل منهي عنه فيكون حرامًا، ولكنّه أمرًا نسبي كما تقدم، فنهيه لمعاذ عن التطويل؛ لأنّه كان يقرأ بهم سورة البقرة، واقتربت الساعة.

قوله: ((اقرأ بـ”سبح اسم ربك الأعلى” و”الشمس وضحاها”)) الأمر بقراءة هاتين السورتين متفق عليه من حديث جابر -كما تقدم في أبواب القراءة- وهاتين السورتين أو من كان مثلها في القصر، وفي رواية للبخاري من حديثه: ((وأمره بسورتين من أوسط المفصل)) وتقدم معنى المفصل وهو: أنّه الذي لمْ ينسخ أو أنّه المحكم من القرآن، وقيل: هو من الحجرات إلى آخر القرآن كما في أصح الروايات، وفي رواية لمسلم بزيادة: ((والليل إذا يغشى)) وفي رواية له بزيادة: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق)) وفي رواية لعبد الرزاق بزيادة: ((والضحى)) وفي رواية للحُميدي بزيادة: ((والسماء ذات بروج)) وفيه: أن الصلاة بمثل هذه السور تخفيف، وقد يعد ذلك من لا رغبة له في الطاعة تطويلًا.

قوله: ((العشاء)) كذا في معظم روايات البخاري وغيره وفي رواية: ((المغرب كما تقدم)) فيجمع بما سلف من التعدد -يعني: تعدد القصة- أو بأن المراد بالمغرب العشاء مجازًا وإلّا فما في الصحيح أصح وأرجح -يعني: يرجح ما في رواية الصحيحين.

قوله: ((اقتربت الساعة)) ففي الصحيحين وغيرهما: أنّه قرأ بسورة البقرة، كما أشار إلى ذلك المصنف، وفي روايةٍ لمسلم: ((قرأ بسورة البقرة أو النساء)) على الشك وفي رواية: قرأ بالبقرة والنساء، بلا شك، وقد قوى الحافظ ابن حجر في (الفتح) إسناد حديث بريدة، ولكنّه قال: هي رواية شاذة، وطريق الجمع الحمل على تعدد الواقعة -كما تقدم- أو ترجيح ما في الصحيحين مع عدم الإمكان -يعني: مع عدم إمكان الجمع بين الروايات- كما قال بعضهم: إنّ الحمل بتعدد الواقعة مشكل؛ لأنّه لا يظنّ بمعاذ أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف ثم يعود، وأجيب عن ذلك باحتمال أن يكون معاذ قرأ أولًا بالبقرة، فلما نهاه قرأ بـ”اقتربت الساعة” وهي طويلة بالنسبة إلى السور التي أمره بقراءتها، ويحتمل أن يكون النهي وقع أولًا لما خُشِيَ من تنفير بعض من يدخل في الإسلام، ثم لما اطمأنت نفوسهم ظنّ أن المانع قد زال فقرأ باقتربت؛ لأنّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فصادف صاحب الشغل كذا قال الحافظ.

ويمكن الجمع بأن قول الرجل: (( تجوزت في صلاتي)) كما في حديث أنس، وكذلك قوله: ((فصلى وذهب)) كما في حديث بريدة لا ينافي الخروج من صلاة الجماعة بالتسليم واستئنافها فرادى والتجوز فيها؛ لأن جميع الصلاة توصف بالتجوز كما توصف به بقيتها، ويؤيد ذلك ما رواه النسائي بلفظ: فانصرف الرجل فصلى في ناحية المسجد، وفي رواية لمسلم: فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده، وغاية الأمر أن يكون ما في حديثي الباب محتملة وما في الصحيحين وغيرهما مبينًا لذلك.

باب: المسبوق يدخل مع الإمام على أي حال كان:

باب: المسبوق يدخل مع الإمام على أي حال كان، ولا يعتد بركعة لا يدرك ركوعها.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة)) رواه أبو داود.

وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة)) أخرجه البخاري، ومسلم.

وعن علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام)) رواه الترمذي.

المعنى العام: من فضل الله ورحمته أن يسر الصلاة إن ضاق وقتها كما تفضل بقبولها قضاءً إذا خرج وقتها مع المسئولية عن التأخير، ومع نقص الأجر والثواب إن لم يكن بعذر شرعي، قد يدرك المأموم الإمام في ركعة؛ فهل يكتب له ثواب صلاة الجماعة؟ وقد يبلغ الصبي، ويسلم الكافر، ويدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها، فهل تقبل منه صلاته كاملة؟ وقد يضيق الوقت على المصلي؛ فلا يدرك من الصلاة إلا ركعة، فهل يتم وتقبل صلاته أداءً؟

لقد تفضل الكريم الحليم الرحيم؛ فشرع أن من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك فضيلة الجماعة، ومن أدرك ركعة من الصبح -مثلًا- قبل أن تطلع الشمس؛ فليتم صلاته بعد طلوع الشمس، وقد أدرك وقت الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر -قبل أن تغرب الشمس- فليتم صلاته، وقد أدرك وقت العصر.

هذا الفضل والكرم ينبغي ألا يقابل بالاستهتار والإهمال لأوقات الصلاة، بل لا يقابل بالإهمال للصلاة في أول وقتها؛ لأن الفضل إنما يكون لمن هو أهله، الحريص على اتباع الأوامر، الذي يغفل عن غير قصد، وعن غير إهمال.

والحديث الأول: أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) والحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح، والحديث الثاني: عزاه المصنف إلى الشيخين، والحديث الثالث قال في (التلخيص): فيه ضعف وانقطاع.

قوله: ((فاسجدوا)) فيه مشروعية السجود مع الإمام لمن أدركه ساجدًا.

قوله: ((ولا تعدوها شيئًا)) بضم العين، وتشديد الدال، أي: وافقوه في السجود، ولا تجعلوا ذلك ركعة.

قوله: ((ومن أدرك الركعة)) قيل: المراد بها هنا الركوع، وكذلك قوله: في حديث أبي هريرة: ((من أدرك من الصلاة)) فيكون مدرك الإمام راكعًا مدركًا لتلك الركعة، وإلى ذلك ذهب الجمهور.

قال الإمام الشوكاني: بعد أن ذكر عدة أحاديث في قراءة الفاتحة، قال: قد عرفت مما سلف وجوب الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة، وعرفنا أن تلك الأدلة صالحة للاحتجاج بها على أن قراءة الفاتحة من شروط صحة الصلاة، فمن زعم أنها تصح صلاة من الصلوات، أو ركعة من الركعات بدون فاتحة الكتاب؛ فهو محتاج إلى إقامة برهان يخصص تلك الأدلة، ومن هاهنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور: أن من أدرك الإمام راكعًا دخل معه، وأعتد بتلك الركعة، وإن لم يدرك شيئًا من القراءة.

والأدلة التي استند إليها الشوكاني هي: ما روي عن أبي هريرة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاةٍ جَهَرَ فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: فإني أقول ما لي أنازع القرآن، قال: فانتهي الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهر من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم)) رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي.

وأيضًا استدل بحديث عباده قال: ((صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الصُّبْحِ ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ القِرَاءَةُ ، فَلَمَّا انصرف ، قَالَ :  إِنَّي لأَرَاكُمْ تَقْرَءونَ وَرَاءَ إمامكم ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيْ وَاللَّهِ، فَقَالَ: لاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِأُمِّ القُرْآنِ؛ فإِنَّه لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا)) رواه أبو داود، والترمذي.

وفي لفظ: ((فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن )) رواه أبو داود، والنسائي، والدارقطني، وقال: كلهم ثقات.

وعن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقرأنّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن)) هذا ما استدل به الشوكاني -رحمه الله- من أنه لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب، ويرد على الجمهور بما ذكرنا من قوله، ومن هنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور: أن من أدرك الإمام راكعًا دخل معه، واعتد بتلك الركعة، وإن لم يدرك شيئًا من القراءة، قال: واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة: ((من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى)) رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ، وهو متروك وأخرجه الدارقطني بلفظ: ((إذا أدرك الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى)) ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحِراني، ومن طريق صالح بن أبي الأخضر، وسليمان متروك، وصالح ضعيف.

على أن التقييد بالجمعة في كلا الروايتين مشعر بأن غير الجمعة بخلافها، وكذا التقييد بالركعة في الرواية الأخرى يدل على خلاف المدعى؛ لأن الركعة حقيقة لجميعها، وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لا يصار إليه إلا لقرينة، وقد ورد حديث: ((من أدرك ركعة من صلاة الجمعة)) بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال؛ حتى قال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: لا أصل لهذا الحديث، إنما المتن: ((من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها)) وكذا قال الدارقطني، والعقيلي، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه)).

وليس في ذلك دليل لمطلوبهم؛ لما عرفت أن مسمى الركعة جميع أذكارها، وأركانها حقيقة شرعية، وعرفية، وهما مقدمتان على اللغوية -كما تقرر في الأصول- فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة، وما قبله قرينة صارفة عن المعني الحقيقي، فإن قلت: فأيُّ فائدةٍ على هذا في التقييد بقوله قبل أن يقيم صلبه؟ قلت: دفع توهم أن من دخل مع الإمام، ثم قرأ الفاتحة، وركع الإمام قبل فراغه منها غير مدرك، إذا تقرر لك هذا علمت أن الواجب الحمل على الإدراك الكامل للركعة الحقيقية؛ لعدم وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية، وأدلة وجوب الفاتحة.

وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر، وابن خزيمة، روى ذلك ابن سيد الناس في (شرح الترمذي)، وذكر فيه حاكيًا عمن روى عن ابن خزيمة: أنه احتج لذلك بما روي عن أبي هريرة: ((أنه صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه، وليعدّ الركعة)) وقد رواه البخاري في القراءة خلف الإمام من حديث أبي هريرة أنه قال: ((إن أدركت القوم ركوعًا لم تعتد بتلك الركعة)) قال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفًا، وأما المرفوع: فلا أصل له.

وأما احتجاج الجمهور بحديث أبي بكرة: ((حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة، فقال صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصًا ولا تعد)) ولم يؤمر بإعادة الركعة، فليس فيها ما يدل على ما ذهبوا إليه؛ لأنه كما لم يأمره بالإعادة؛ لم ينقل إلينا أنه اعتد بتلك الركعة، والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها؛ لأن الركوع مع الإمام مأمور به سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتدًّا به أم لا، كما في حديث: ((إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا)) أخرجه أبو داود، وغيره على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أبا بكرة عن العود إلى مثل ذلك، والاحتجاج بشيء قد نهي عنه لا يصح.

وقد أجاب ابن حزم في (المحلى) عن حديث أبي بكرة، فقال: “إنه لا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة، ثم استدل على ما ذهب إليه من أنه لا بد في الاعتداد بالركعة من إدراك القيام والقراءة بحديث: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) ثم جزم بأنه لا فرق بين فوات الركعة والركن، والذكر المفروض؛ لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به”.

والحاصل: أن ما احتج به الجمهور في المقام حديث أبي هريرة حينئذٍ باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة؛ لقوله فيه: ((قبل أن يقيم صلبه)) كما تقدم- وقد علمنا: أن ذكر الركعة فيه منافٍ لمطلوبهم، وابن خزيمة الذي عوَّلُوا عليه في هذه الرواية من القائلين بالمذهب الثاني -كما عرفت- ومن البعيد أن يكون هذا الحديث عنده صحيحًا، ويذهب إلى خلافه.

ومن الأدلة على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة: حديث أبي قتادة، وأبي هريرة المتفق عليهما بلفظ: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): قد استدل بهما على أن من أدرك الإمام راكعًا لم يحتسب له تلك الركعة؛ للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته القيام والقراءة فيه، ثم قال: وحجة الجمهور حديث أبي بكرة، وقد عرفت الجواب عن احتجاجهم له.

قوله: ((فقد أدرك الصلاة)) قال ابن رسلان: “المراد بالصلاة هنا الركعة، أي: صحت له تلك الركعة، وحصل له فضيلتها” انتهى.

قوله: ((فليصنع كما يصنع الإمام)) فيه مشروعية دخول اللاحق مع الإمام في أيِّ جزءٍ من أجزاءِ الصلاة أدركه من غير فرق بين الركوع، والسجود، والقعود؛ لظاهر قوله: ((والإمام على حال)) والحديث -وإن كان فيه ضعف كما قال الحافظ- لكنه يشهد له ما عند أحمد، وأبي داود من حديث ابن أبي ليلى، عن معاذ قال: ((أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال…)) فذكر الحديث، وفيه: ((فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدًا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، قال: فقمت معه فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قام يقضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا)).

وابن أبي ليلى -وإن لم يسمع من معاذ- فقد رواه أبو داود من وجه آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحابنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم… فذكر الحديث، وفيه: ((فقال معاذ: لا أراه على حال إلا كنت عليها…)) الحديث.

باب المسبوق يقضي ما فاته إذا سلّم إمامه من غير زيادة:

الحديث الأول:

عن المغيرة بن شعبة قال: ((تخلفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فتبرز وذكر وضوءه، ثم عمد الناس وعبد الرحمن يصلي بهم، فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته، فلما قضاها أقبل عليهم فقال: قد أحسنتم وأصبتم. يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها)) متفق عليه.

ورواه أبو داود، قال فيه: ((فلما سلم قام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الركعة التي سبق بها لم يزد عليه شيئًا)) قال أبو داود: أبو سعيد الخدري، وابن الزبير، وابن عمر يقولون: ((من أدرك الفرض من الصلاة عليه سجدة السهو)) والحديث أخرجه مسلم بأتم من هذا؛ فرواه عن المغيرة بن شعبة: ((أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك قال المغيرة: فتبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الغائط، فحملت معه إدواة قبل صلاة الفجر، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه أخذت أهريق علي يديه من الإدواة، وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يُخرج جبته عن ذراعيه؛ فضاق كمّا جبته، فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجُبة، وغسل ذراعيه إلى المرفقين، ثم توضأ على خفيه، ثم أقبل قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف؛ فصلى لهم، فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين؛ فصلى مع الناس الركعة الآخرة؛ فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته؛ فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم، ثم قال: أحسنتم، أو قال: قد أصبتم؛ يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها)).

قوله: ((في غزوة تبوك)) هي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وذلك في سنة تسع من الهجرة.

قوله: ((وذكر وضوءه)) قد بينا في الحديث الذي رواه مسلم كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله: ((ثم عمد الناس)) بفتح العين المهملة والميم بعدها دال مهملة أي قصد، و”الناس” مفعول به.

قوله: ((وعبد الرحمن يصلي بهم)) جملة حالية، وفيه دليل على أنه إذا خيف فوات وقت الصلاة، أو فوات الوقت المختار منها لم ينتظر الإمام، وإن كان فاضلا. وفيه أيضًا فضيلة أول الوقت، لا يعادلها فضيلة الصلاة مع الإمام الفاضل في غيره.

قوله: ((يصلي بهم)) يعني صلاة الفجر، كما وقع مبينًا في سنن أبي داود.
قوله: ((فصلى مع الناس الركعة الأخيرة)) فيه فضيلة لعبد الرحمن بن عوف إذ قدمه الصحابة لأنفسهم في صلاتهم بدلًا من نبيهم صلى الله عليه وسلم وفيه فضيلة أخرى له، وهي: اقتداؤه صلى الله عليه وسلم به، وفيه جواز ائتمام الإمام، أو الوالي برجل من رعيته، وفيه أيضًا تخصيص لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمَّن أحد في سلطانه إلا بإذنه)) يعني: أو إلا أن يخاف خروج أول الوقت.

قوله: ((يتم صلاته)) فيه متمسك لمن قال: أن ما أدركه المؤتم مع الإمام أول صلاته.

قوله: ((قد أصبتهم وأحسنتم)) فيه جواز الثناء على من بادر إلى أداء فرضه، وسارع إلى عمل ما يجب عليه عمله.

قوله: ((يغبطهم)) فيه أن الغبطة جائزة، وأنها مغايرة للحسد المذموم، والغبطة: هي تمني أن يكون عنده مثل ما عند غيره؛ حتى يفعل مثله من أعمال الخير، قالصلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) أما الحسد: فهو تمني زوال النعمة عن الغير؛ فالغبطة مغايرة للحسد. قوله: ((لم يزد عليها شيئا)) أي لم يسجد سجدتي السهو فيه دليل لمن قال: ليس على المسبوق ببعض الصلاة سجود، قال بعضهم: وبه قال أكثر أهل العلم، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((وما فاتكم فأتموا)) وفي رواية: ((فاقضوا)) ولم يأمر بسجود سهو.

وقال: جماعة من أهل العلم منهم أبو داود، ومنهم عطاء، وطاوس، ومجاهد، وإسحاق:إن كل من أدرك وترًا من صلاة إمامه؛ فعليه أن يسجد للسهو؛ لأنه يجلس للتشهد مع الإمام في غير موضع الجلوس.

ويجاب عن ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلس خلف عبد الرحمن، ولم يسجد، ولا أمر به المغيرة، وأيضًا ليس السجود إلا للسهو ولا سهو هنا، وأيضًا متابعة الإمام واجبة فلا يسجد لفعلها كسائر الواجبات.

باب الأعذار في ترك الجماعة:

الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه كان يأمر المنادي فينادي بالصلاة -ينادي: صلوا في رحالكم- في الليلة الباردة، وفي الليلة المطيرة في السفر)) متفق عليه.

وأخرج مسلم: عن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما أذّن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن إذا كانت الليلة بادرة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال)).

وأخرج -أيضًا- عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه نادى بالصلاة في ليلة ذاتِ بردٍ وريحٍ ومطرٍ، فقال في آخر ندائه: ألا صلّوا في رحالكم، ألا صلوا في الرحال، ثم قال: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في السفر أن يقول: ألا صلّوا في رحالكم)).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه نادى بالصلاة بضجنان ثم ذكره بمثله، وقال: “ألا صلوا في رحالكم” ولم يعد ثانية: “ألا صلوا في الرحال” من قول ابن عمر.

المعنى العام للحديث:

بعد ذلك نأتي إلى المعنى العام للحديث: لقد شرع الإسلام الصلاة وجعلها خمس صلوات في كل يوم وليلة، وأوجبها على كل مسلم ومسلمة، قال تعالى: {إِنّ الصّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مّوْقُوتاً} [النساء: 103] وقال سبحانه: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ} [البقرة: 43] وجعلها الرسول صلى الله عليه وسلم من أركان الإسلام بل هي من أهم أركانه، لأنها ملازمة للمسلم في كل يوم خمس مرات، قال صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إلى ذلك سبيلًا)).

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)).

وفي حديث ضمام بن ثعلبة: ((حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة قال: هل عليََّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع)).

ولأهمية الصلاة كانت ولا بد أن تُؤدّى في مسجد، وفي جماعة، فالصلاة في المسجد والجماعة تزيد عن الصلاة في البيت والسوق بسبع وعشرين درجة، والجماعة رمز للتضامن واجتماع الأمة، وحرص أفرادها بعضهم على بعض، ورمز للنظام وطاعة القيادة، لكن حينما تكون هذه الفائدة على حساب المشقة والإضرار، يترخص بترك هذه الفائدة مؤقتًا عملًا بقاعدة: “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”.

لقد رخص الإسلام للمسلم في المطر، وفي الليلة الشديدة البرد أن يصلي في بيته، ولا شيء عليه إن هو ترك الجماعة في المسجد، كما رخص في ترك الجمعة، وأن يصليها الإنسان ظهرًا في اليوم المطير الشديد المطر.

ولإعلان هذا الحكم للمسلمين: ((أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنه أن ينادي في الناس في يوم شديد المطر ويقول: من شاء منكم أن يصلي في رحله فليصل، ألا أيها الناس صلوا في رحالكم)) والصحابة -كما هو معلوم- كانوا حريصين على تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بأقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا نبيهم صلى الله عليه وسلم قد رخّص في المطر أن يصلي الإنسان في بيته، ورسخ هذا الحكم عند فقهاء الصحابة، فكان ابن عمر يأمر المؤذن أن يقول في اليوم الذي به مطر، وفي الليلة الباردة يقول: ((أيها الناس، صلوا في رحالكم)) فهذا عذر من الأعذار التي تبيح التخلف عن صلاة الجماعة.

إن الله عز وجل يريد بنا اليسر، ولا يريد بنا العسر، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

قوله: ((أنه كان يأمر المنادي)) المنادي: هو المؤذن بالأذان للصلاة.

والأذان لغة: الإعلام، قال تعالى: {وَأَذّن فِي النّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىَ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ} [الحج: 27] واشتقاقه من الأَذَن بفتحتين، وهو الاستماع.

والأذان شرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، قال القرطبي وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالتكبير، وهو يتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا.

حديث جابر بن عبد الله: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمُطرنا…)):

الحديث الثاني عن جابر قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمُطرنا فقال: ليصل من شاء منكم في رحله)) رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وصححه.

الحديث الثاني:

عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمْعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ)) متفق عليه.

ولمسلم: “أن ابن عباس أمر مؤذنه يوم جمعة في يوم مطير… بنحوه” وفي الباب عن سمُرة عند أحمد، وعن أسامه عند أبي داود، والنسائي، وعن عبد الرحمن بن سمُرة أشار إليه الترمذي، وعن عتبان بن مالك عند الشيخين، والنسائي، وابن ماجه، وعن أبي هريرة عند أبي عدي في (الكامل) وعن صحابي لم يسم عند النسائي.

قوله: “يأمر المنادي” في رواية للبخاري، ومسلم: “يأمر المؤذن” وفي رواية للبخاري: “يأمر مؤذنًا”.

قوله: ((ينادي صلوا في رحالكم)) في رواية للبخاري: ((ثم يقول على أثره)) يعني على أثر الأذان: ألا صلوا في الرحال، وهو صريح في أن القول المذكور كان بعد فراغ الأذان، وفي رواية لمسلم بلفظ: ((في آخر ندائه)).

قال الحافظ: ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى: ((هلموا إلى الصلاة)) ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة، ولو بحمل المشقة يعني يتحمل المشقة.

ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمطرنا فقال: ليصل من شاء منكم في رحله)) فكلمة: ((من شاء)) تدل على الندب، أي: من شاء أن يصلي في الرحال، ومن شاء أن يذهب إلى المسجد، ويتحمل المشقة، ويصلي مع الناس في جماعة.

قوله: ((في رحالكم)) قال أهل اللغة: الرحل: المنزل وجمعه رحال سواء كان من حجر، أو مدر، أو خشب، أو وبر، أو صوف، أو شعر، وقد تقدم هذا الكلام.

قوله: ((في الليلة الباردة وفي الليلة المطيرة)) في رواية للبخاري: ((وفي الليلة الباردة أو المطيرة)) وفي أخرى له: ((إذا كانت ليلة ذات برد ومطر)) وفي (صحيح أبي عوانة): ((ليلة باردة، أو ذات مطر، أو ذات ريح)) وفيه أن كلا من الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة، ونقل ابن بطال: فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، وفي السنن من طريق أبي إسحاق، عن نافع في هذا الحديث: ((في الليلة المطيرة، والغداة القارة)) يعني: الصباح البارد، وفيها بإسناد صحيح أنه: مطر يومًا فرخص لهم، وكذلك في حديث ابن عباس المذكور في الباب: ((في يوم مطير)) قال الحافظ: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخيص لعذر الريح في النهار صريحًا.

قوله: ((ليصل من شاء منكم في رحله)) فيه التصريح بأن الصلاة في الرحال لعذر المطر، ونحوه رخصة، وليست بعزيمة.

قوله: ((في يوم مطير)) في رواية للبخاري: ((في يوم رزغ)) بفتح الراء وسكون الزاي بعدها غين معجمة: ((رزغ)) قال في (المحكم): الرزغ الماء القليل، وقيل: إنه طين ووحل، وفي رواية له ولابن السكن: ((في يوم ردغ)) بالدال بدل الزاي.

قوله: ((إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله؛ فلا تقل حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم)) وفي رواية للبخاري: ((فلمّا بلغ المؤذن: حي على الصلاة, فأمره أن ينادي: الصلاة في الرحال)) وفيه دليل على أن المؤذن في يوم المطر ونحوه من الأعذار لا يقول: حي على الصلاة، بل يجعل مكانها: صلوا في بيوتكم.

وبوّب على حديث ابن عباس -هنا- ابن خزيمة، وتبعه ابن حبان، ثم المحب الطبري: باب حذف حي على الصلاة.

قوله: ((إن الجمعة عَزْمة)) بسكون الزاي: ضد الرخصة.

قوله: ((أن أحرجكم)) بالحاء المهملة، ثم راء، ثم جيم، وفي رواية: ((أن أخرجكم)) بالخاء المعجمة، وفي رواية للبخاري: ((أن أؤثمكم)) وهي ترجِّح رواية من روى بالحاء المهملة.

قوله: ((فتمشوا)) في رواية: ((فتجيئون فتدوسون الطين إلى ركبكم)) والأحاديث المذكورة تدل على الترخيص في الخروج إلى الجماعة والجمعة عند حصول المطر، وشدة البرد والريح.

قوله: ((والدحض)) الدحض بإسكان الحاء, ويجوز فيها الفتح بعدها ضاد الزلق والدحض، والزلق، والزلل، والرزغ، كله بمعنى واحد.

قوله: ((بضَجنان)) ضجنان: بفتح الضاد، وسكون الجيم بعدها نون مفتوحة على وزن فعلان: اسم جبل بناحية مكة بين مكة والمدينة, بينه وبين مكة خمسة وعشرين ميلًا، وكنا قد ذكرنا ذلك في الروايات التي رويناها من (صحيح مسلم).

وقد ذكر البخاري حديث ابن عباس تحت عنوان: باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر، قال الحافظ ابن حجر: وبه قال الجمهور، ومنهم من فرّق بين قليل المطر وكثيره، وعن مالك: لا يرخص في تركها بالمطر, يعني: الجمعة.

وحديث ابن عباس حجة في الجواز.

وقال الزين بن المنير: الظاهر أن ابن عباس لا يرخِّص في ترك الجمعة؛ فقد جمعهم لها.

وأما قوله: ((صلوا أيها الناس في رحالكم)) فإشارة منه إلى العصر؛ فرخّص لهم في ترك الجماعة فيها قال: ويحتمل أن يكون جمعهم للجمعة؛ ليعلمهم بالرخصة في تركها في مثل ذلك ليعملوا به في المستقبل.

قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر: أنه لم يجمعهم، وإنما أراد بقوله: ((صلوا في بيوتكم)) مخاطبة من لم يحضر، وتعليم من حضر.

وروى ابن قانع: قيل لمالك: أتتخلف عن الجمعة في اليوم المطير؟ قال: أما سمعت. قيل: في الحديث: ((ألا صلوا في الرحال)) قال: ذاك في السفر.

وقد رخّص مالك في ترك الجمعة بأعذار أُخَر غير المطر، فروي عنه أنه أجاز أن يتخلفَ عنها لجنازة أخٍ من إخوانه؛ لينظر في أمره، وروي عنه أنه أجاز أن يتخلفَ عنها من له مريضٌ يُخشى عليه الموت.

ويؤخذ من الحديث:

–  يُسْر التشريع، وأن الله عز وجل يريد بنا اليسر، ولا يريد بنا العسر، وما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وأن الله عز وجل يحب أن تؤتى رُخصه كما تؤتى عزائمه.

–  تخفيف أمرِ الجماعةِ في المطرِ، ونحوه من الأعذار، وأن الجماعة متأكدة إذا لم يكن هناك عذر.

–  الجماعة مشروعة لمن تكلّف الإتيان إليها وتحمّل المشقة وأن الجماعةَ مشروعةٌ في أثناء السفر، وكذلك الأذان، فإذا كان هناك جَمْعٌ مسافرون؛ عليهم أن يؤذنوا للصلاة، وأن يصلوا في جماعة.

–  الجمعة تسقط في اليوم المطير، واستدل بهذا الحديث بعضهم على الترخيص بالكلام في الأذان، ومنهم الإمام أحمد، وابن المنذر، وعن الثوري: المنع، وعن الأوزاعي: الكراهة، وعن أبي حنيفة وصاحبيه: خلاف الأولى، وعليه يدل كلام الشافعي ومالك، والذي نميل إليه: الكراهة، إلّا إذا كان هذا الكلام أثناء الأذان في مصلحة الصلاة؛ فلا يُكره.

error: النص محمي !!