Top
Image Alt

انقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية

  /  انقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية

انقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية

يقول الدكتور يوسف العالم: يجدر بنا في هذا المقام أن نبيِّن أن المقاصد الشرعية تنقسم إلى: أصلية وتبعية، يعني: أن للشارع في أحكامه العادية والعبادية مقاصد أصلية ومقاصد تابعة ومكملة لها، كما في النكاح مثلًا، فإنه مشروع للتناسل بقصد الأصل، ويليه طلب السكن والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية والمودة والرحمة والانتفاع بمال المرأة أو قيامها على شئونه وشئون أولاده وإخوته، وقصد الإعفاف والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين وما أشبه ذلك، فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح؛ فمنه ما هو منصوص عليه أو مشار إليه، ومنه عُلِمَ بالاستقراء والاستنباط من النصوص والقواعد، وما نُصَّ عليه أو استُنبط من هذه المقاصد والتوابع مؤكدٌ للقصد الأصلي، ومقوٍّ لحكمته، ومشروع لطلبه وإدامته، وقصر مثل هذا النوع لا يناقض قصد الشارع ولا يبطل العمل، وإن كانت هذه التوابع تعتبر من مقاصد المكلف؛ لأنها تابعة لقصد الشارع ومؤكدة له. أما إذا كان مضادًّا لقصد الشارع، كما في نكاح المتعة، ونكاح المحلل، ونحو ذلك؛ فإن ذلك يضاد الاستدامة المطلوبة “استدامة عقد النكاح”؛ لأن قصد دوام المواصلة في عقد النكاح مطلوب شرعي، والتوقيت في نكاح المتعة ونكاح المحلل يضاد قصد الشارع؛ ولذلك قال جمهور العلماء ببطلان نكاح المتعة ونكاح المحلل، وهكذا العبادات، فإن القصد الأصلي منها التوجه إلى الواحد المعبود وإفراده للعبادة، ويتبع ذلك قصد التعاقد لنيل الدرجات في الآخرة، وليكون العابد من أولياء الله، وما أشبه ذلك. فإن مثل هذه التوابع مؤكدة للمقصود الأصلي وباعثة عليه ومقتضية للدوام فيه سرًّا وجهرًا، بخلاف ما إذا كان القصد إلى التابع لا يقتضي دوام المتبوع ولا تأكيده، كالتعبد بقصد حفظ المال والدم، أو لينالوا منه حظًّا مما في أيدي الناس؛ كتعظيمهم له، فإن القصد إلى مثل هذه الأمور ليس بمؤكد ولا باعث على الدوام، بل هو مقوٍّ لداعية الترك أو الكذب عن الفعل؛ ولذا لا يدوم عليه صاحبه إلا حيثما يترصد به مطلوبه مقصده، يقول تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللّهَ عَلَىَ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىَ وَجْهِهِ خَسِرَ الدّنْيَا وَالاَُخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11]. فمثل هذا القصد مضادٌّ لقصد الشارع، فإذا قصد العمل لأجله، وأما إن كان مقتضاه حاصلًا بالتبعية من غير قصد فلا يضر، فإن الناكح على القصد المؤكد لبقاء القصد الأصلي -وهو الدوام والاستدامة- قد يحصل له الفراق فيستوي مع النكاح بالمتعة أو التحليل، والمتعبد لله على القصد المؤكد -وهو التقرب إلى الله والتعظيم له وإجلاله- يحصل له حفظ الدم والمال ونيل المراد والتعظيم فيستوي مع المتعبد للرياء والسمعة، ولكن الفرق بينهما ظاهر من جهة أن القاصد للتابع المؤكد حرّ بالدوام، وقاصد التابع غير المؤكد حرّ بالانقطاع. وقد وضح لنا مما تقدم: أن لله تعالى مقاصد من تشريع أحكامه، وإنه لا بد لصحة الأعمال وقبوله والمثوبة عليها بأن تكون الأعمال موافقة لقصد الشارع، فيكون قصد المكلف موافق لقصد الشارع واتباعه، بحيث يكون الشارع حاكمًا، وقصد المكلف محكومًا وتابعًا، فإن ناقض قصدُه قصدَ الشارع أو جعله تابعًا لقصده، فإن عمله يكون باطلًا غير مقبول عند الله عز وجل، وهذا بخلاف ما لو قصد ما يؤكد ويقوي القصد الأصلي للشارع، فإن ذلك لا يؤثر في صحة العمل وقبوله؛ لأنه تأكيد وتقوية.

error: النص محمي !!