Top
Image Alt

اهتمامات علم اللغة وموضوعاته

  /  اهتمامات علم اللغة وموضوعاته

اهتمامات علم اللغة وموضوعاته

نستطيع بسهولة على ضَوْء المبدأين المستخلصين من مفهوم علم اللغة في التعريف الأول -وأعني بهما: العمومية والموضوعية- أن نحدد موضوع علم اللغة، أو الموضوعات التي تدخل في دائرته؛ فدراسة اللغة دراسة علمية تقتضي تحديدَ ظواهرها.

ما الظواهر اللغوية التي يتخذها علم اللغة موضوعًا له؟

إن اللغة تتكون أساسًا من مجموعة من النظم المتعددة التي تؤدي وظائفها معًا في تعاون تام، وأساس هذه النظم الأصوات، فاللغة تتألف من أصوات، والأصوات بمثابة اللبنات التي يتكون منها البناء الشامخ، الذي هو اللغة، ودراسة اللغة يدخل في اختصاصها التعرف على الأصوات وكيفية دراستها، والوقوف على خصائص هذه الأصوات، وصفاتها ومخارجها وكيفية نطقها، وكذلك تصنيف أصوات اللغة بِناءً على هذا إلى مجموعات صوتية يجمع بين أفراد كل مجموعة ظاهرةٌ صوتية واحدة، ثم رَصْد الظواهر الصوتية التي تنشأ عندما تنخرط الأصوات في سياق صوتي، أو عندما تتجاور في التركيب اللغوي، وذلك من واقع الاستعمالات اللغوية، وأخيرًا تقنين أداء الأصوات بصفة عامة.

إن هذه الدراسات الصوتية يدخل ضمن البحوث التي يهتم بها علم اللغة، وعندما تتألف الأصوات في كلمات، فإن علم اللغة يهتم بدراسة هذه الكلمات، سواء كانت على مستوى الأسماء أو على مستوى الأفعال، وعلى مستوى المجرد منها والمزيد، وعلى مستوى التغيرات التي تحدث فيها من إبدال أو إدغام أو قلب، إلى آخر ما يدرسه علم الصرف، أو علم “المورفولوجيا”.

إن علم الصرف يدخل في دائرة اهتمام علم اللغة بهذا الوصف، وعندما تأتلف الكلمات في جمل وعبارات، إن علم اللغة يهتم بهذه الجمل وبهذه العبارات فيما يسمى بدراسة الجملة أو بالدراسة النحوية، فعندما تتناغم هذه النظم الثلاثة -أعني: النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي- لتؤدي دورها الدلالي، فإن علم اللغة يهتم بالدلالة صوتًا وصرفًا ونحوًا، بل يهتم بالدلالة قاموسًا واجتماعًا ونفسًا، فالدلالة بكل أقسامها وبجميع أصنافها من: صوتية، وصرفية، ونحوية، وقاموسية، واجتماعية، ونفسية،… وما إلى ذلك، تدخل في دائرة اهتمام علم اللغة.

ومعنى كل ما تقدم: أن النظم الصوتية والصرفية والنحوية أو التركيبية أو الأسلوبية أو الدلالية من صميم موضوع علم اللغة.

كما يدخل في موضوع علم اللغة أيضًا: البحث عن الأصول التي جاءت منها الكلمات في لغة ما، سواء كانت تلك الكلمات أسماء لأمكنة، أو أعلامًا لأشخاص، أو قبائلَ وعشائر وجبالًا وأنهارًا وأمصارًا، وهذه الدراسة -وإن كانت جزئية على مستوى لغة ما- فإنها تساعد على الوقوف على تطور الأصوات والدلالات، وعلى كشف القوانين الخاضع لها هذا التطور، وهو ما يسمى بـ”الدراسة الاشتقاقية”، إن هذه الدراسة الاشتقاقية تهتم بالوقوف على تاريخ الكلمة؛ بمعنى: معرفة أصل كل كلمة من كلمات اللغة، وهذا مما يفيدنا في تفسير الظواهر الصوتية التي أصابت أصوات اللغة وغيرت من صفاتها أو خصائصها تغييرًا ما، وكذلك تفيدنا كثيرًا في تطور الدلالة، وفي رصد جميع قوانين هذا التغيير والتطور، وهذا اللون من الدرس اللغوي يعد من دراسة اللغة ذاتها لذاتها، فهو من صميم علم اللغة.

ويدخل في موضوع علم اللغة أيضًا: البحوث المتعلقة بأصل اللغة الإنسانية ونشأتها؛ شريطةَ أن تكون دراسة هذه الأمور نابعة من ذات اللغة وواقعها، بعيدة عن الفروض والخيالات والفلسفات.

كما يدخل في موضوع علم اللغة أيضًا: البحوث المتعلقة بحياة اللغة وتطورها، وانتشارها وسعتها، وضيقها، وصراعها، وبقائها أو مماتها، أو تحولها إلى لهجات، بل إن اللهجات تعد علمًا من علوم علم اللغة، فدراسة اللغة من أجل الوقوف على حياتها، وما تعرضت لها من تحول اللغة إلى لهجات، وتحول اللهجات إلى لغات في أغلب الأحيان، وكذا ما عرض لها من تطور أو جمود، ومن غنى أو فقر، ومن اتساع أو ضيق، ومن صراع مع غيرها، وما يتصل بهذا كله من عوامل مؤثرة إيجابًا أو سلبًا، يدخل في دائرة اهتمام علم اللغة.

كما يدخل في موضوعه أيضًا: الكشف عما يؤثر في القضايا الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية وغيرها من الظواهر اللغوية السالفة الذكر من عوامل اجتماعية أو نفسية؛ لذا يفيد علم اللغة من أجل هذا بمعطيات علم الاجتماع اللغوي وعلم النفس اللغوي.

إن دراسة اللغة في ظل العلاقة التي بينها وبين المجتمع دراسة لها أهميتها البالغة بالنسبة لعلم اللغة؛ لأن الدراسات السابقة التي تتصل بأصل اللغة وحياتها وتفرعها إلى لهجات وبأصوات اللغة وبالدلالة والاشتقاق، لن تجد أسباب هذا التطور والتغير إلا عند المجتمع صاحب اللغة، فهو المسئول الأول عن كل ما حدث ويحدث للغة من تطور في الأصوات والصيغ والتراكيب والجمل، وكذا الدلالات، ومن ثم فإن الدراسة اللغوية الاجتماعية تدخل في دائرة علم اللغة.

والعلاقة أيضًا بين اللغة والنفس الإنسانية لا تقل أهمية في مضمار بحوث علم اللغة عن العلاقة التي بين اللغة والمجتمع، فاللغة هي المِرآة التي تنعكس عليها التيارات النفسية والعواطف والانفعالات، ومن هنا فكثير من الظواهر اللغوية ونسبة كبيرة من حجم التطور الذي أصاب اللغة في جميع مستوياتها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية ترجع إلى الحالات النفسية التي يعيشها أبناء اللغة، وسوف تكون الفائدة كبيرة عندما نضع العامل النفسي أمامنا بإزاء العامل الاجتماعي ونحن ندرس اللغة.

إذًا الدراسات اللغوية الاجتماعية والدراسات اللغوية النفسية من صميم اهتمامات علم اللغة.

وهنالك بعض الدراسات اللغوية يراها بعض العلماء لا تدخل في دائرة علم اللغة، كتلك الدراسات المتصلة بتعلم المرء اللغة نطقًا أو كتابةً، وغير ذلك من الدراسات التعليمية كالنحو التعليمي، والصرف التعليمي وغيره.

وهنالك اتفاق بين العلماء بأن الدراسات القائمة على التعصب والهوَى، وفرض مبادئ معينة لا تدخل في دائرة علم اللغة، بل لا يتقبلها العلم عمومًا وعلم اللغة خصوصًا، وباختصار: إن كل ما يتسم بالنظرة الجزئية أو يكون له هدف غير خدمة اللغة ذاتها؛ يعد خارجًا عن موضوع علم اللغة ويدرس بعيدًا عن دائرته، وإنما يمد له علم اللغة يدَ العون، كما هو شأنُه مع كل العلوم التي تتصل باللغة.

error: النص محمي !!