Top
Image Alt

اهتمام جامعات أوربا بالدراسات الشرقية

  /  اهتمام جامعات أوربا بالدراسات الشرقية

اهتمام جامعات أوربا بالدراسات الشرقية

ننتقل إلى نشاطات المستشرقين، وأهمّ الأنشطة التي مارسوها ويمارسونها في حياتهم العلمية الآن.

من المهمّ أن نعلم أنّ جمهور المستشرقين يحاولون الانتماء إلى مؤسسات علمية، حتى إذا ما كتبوا أو تكلّموا في ندوات أو مؤتمرات يكون لكلامهم صبغة علمية تؤثِّر في المستمع؛ ولذلك نجد أنهم ينتمون أو معظمهم ينتمي إلى العمل في الجامعات الأوربية. وبعضهم أسس جامعات ومراكز ومؤسسات تربوية، ليعمل في رئاستها، وليكون هو المسئول عن وضع المناهج والخطط التربوية لهذه المؤسسات. فكان نشاطهم يتمثّل في كراسي الدراسات الإسلامية والعربية والشرقية بوجهٍ عام في الجامعات الغربية التي أُسّست لهذا الغرض، وينطلقون من هذه الجامعات للتأثير في أبناء الشعوب الإسلامية فكريًّا وسلوكيًّا ونفسيًّا. وجدنا ذلك في الجامعات التي تأسّست فيها كراسي لهذا الغرض في إنجلترا، في إيطاليا بروما، في فرنسا، في إسبانيا، في بلجيكا، في هولندا، تقريبًا لم تَخْلُ دولة أوربية من تأسيس مركز أو قسم في جامعة لهذا الغرض، يرأسه ويعمل فيه مستشرقون يُرَبُّون أجيالًا وأجيالًا تحت أعينهم لنشر النشاط الاستشراقي في العالم.

هناك جمعيات علمية أيضًا في بلاد العالم الإسلامي خرّجت أجيالًا كثيرة تأثّرت إلى حدٍّ كبير بأقوال وكتابات المستشرقين. هذه الجمعيات كان يؤسِّسها ويسيطر عليها فكر استشراقي، ورجال مستشرقون. ولعلّ من أهمِّ ما نشير إليه هنا: المدارس اليسوعية التي تأسّست بعد ظاهرة الاستعمار العسكري في العالم العربي. أسسوا مدارس يسوعية في لبنان، وفي مصر، وفي المغرب. تقريبًا لم تَخْلُ دولة عربية من مدرسة فرنسية، ومدرسة يسوعية، بل جامعة في مصر، في الخرطوم، في لبنان، في الأردن تعمل تحت غطاء سياسي لكن هي في حقيقتها جامعات استشراقية، يعمل فيها مستشرقون، وأسّسها ووضَع مناهجها مستشرقون لنشر النشاط والثقافة الاستشراقية في هذه المناطق.

أيضًا حاول المستشرقون أن يعملوا موسوعات علمية إسلامية، كدوائر المعارف، والمعاجم اللغوية، واتّخذوها وسيلة لِدسِّ الأفكار الاستشراقية السامة التي يريدون دسّها وإقناع الأجيال الإسلامية بها. ولعل من يقرأ دائرة المعارف الإسلامية، ويكتشف الأخطاء الفظيعة التي دسّها المستشرقون في ثنايا هذه الدوائر، يقف تمامًا على أنّ الأغراض لم تكن نزيهة، وأن العمل لم يكن موضوعيًّا ولا علميًّا؛ وإنما كان من باب دسّ السُّم في طبق من عسل. هناك مؤتمرات -كما أشرت إلى ذلك سابقًا- اهتمّ بها المستشرقون، وندوات ولقاءات ومحاورات، بين طرفَي العالَم شرْقِه وغرْبِه، ومحاولة جرّ الصف الإسلامي أو العلماء المسلمين إلى التأثير أو إلى التأثّر بأفكار المستشرقين تحت مسمّيات ومصطلحات برّاقة، كالتنوير، والحداثة، والعلْم، والمنهج العلمي، وما إلى ذلك … وقد نتعرض بالتفصيل لبعض هذه الأشياء فيما بعد، لكن هذه هي أهمّ المجالات التي عمل فيها المستشرقون، بالإضافة إلى الكتب والمؤلّفات التي أغرقوا بها السوق عن التاريخ الإسلامي، والحضارة الإسلامية، والتصوف الإسلامي، وما إلى ذلك.

هذا بإيجاز فكرة عامة عن تعريف “الاستشراق”، ونشأة الاستشراق، وتاريخ الاستشراق، ومدارسه، وعن أهمّ الأسباب التي أثّرت في تاريخه الطويل، وأهمّ هذه الأسباب -كما قلنا- الأسباب الدينية، ومع ذلك لا نلغي الأسباب الأخرى، كلا, وأهمها: السبب السياسي، أو السبب الاستعماري.

error: النص محمي !!