Top
Image Alt

باب: إحداد المعتدة

  /  باب: إحداد المعتدة

باب: إحداد المعتدة

والإحداد: هو الامتناعُ عن الزينة، يقال: أحدتْ المرأةُ على زوجها فهي مُحِدٌّ، وحدَّت أيضًا. وحدود الله: ما يجب الامتناع دونها. ويسمى الحاجب حدَّادًا؛ لأنه يمنع الناس من الدخول. هذا معنى كلمة إحداد.

في البداية كانت عدة المرأة التي يُتوفى عنها زوجُها حولًا كاملًا كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة: 240] أي: فليوصوا وصيةً: {لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} أي: متعوهن متاعًا، ولا تخرجوهن إلى الحول، فنُسخ ذلك بالآية القرآنية: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].

والإحداد واجبٌ على المرأة في هذه الفترة في مدة عدة الوفاة عند عامة أهل العلم، بمعنى: أن تمتنع من الزينة والطيب -وسيأتي تفصيل ذلك في موضوعه- لقد كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي زوجها لبست شر ثيابها، ودخلت بيتًا صغيرًا حقيرًا، ولم تغتسل، ولم تمس ماءً، ولم تقلم ظفرًا، ولم تخرج من بيتها إلا بعد حول، وإذا خرجت فتخرج بعد الحول بأقبح منظر، لكن الإسلام جاء بعد ذلك بالعدة والحداد.

أباح الحدادَ لغير الزوج ثلاثة أيام، وللزوج مدة العدة أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحامل، وللحامل حتى تضع حملها -كما سبق-.

إن المرأة حين تحدّ على زوجها فإن إحدادها على زوجها رمز للوفاء من ناحية، وإبعاد لها عن دواعي الزواج بآخر مدة العدة من ناحية أخرى، وتنفيس لأعماق حزنها، ورفع الكبت عن مشاعرها، ومسايرة لطبيعة الحزن في النفس البشرية من انصرافها عن المباهج والزينة وقتَ المصائب من ناحية ثالثة. ولما كانت طبيعةُ المرأة المبالغة في هذه المظاهر، وضَعَ الشارع الحدود والضوابطَ، فلا يحلّ للمرأة الإحداد على غير زوج مهما كان عزيزًا أكثرَ من ثلاثة أيام.

وفي حِداد المرأة المعتدَّة نتناول هذا الحديث عن أم سلمة: ((أن امرأة توفي زوجها، فخشوا على عينها، فأتوا رسولَ الله صلى الله عليه  وسلم فاستأذنوه في الكحل فقال: لا تكتحل، كانت إحداكن تمكث في شرّ أحلاسها أو شر بيتها، فإذا كان حول، فَمَرَّ كلب رمت ببعرة، فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر)).

هذا الحديث يبين أن الإحداد واجب على المرأة في مدَّة عدَّة الوفاة، وهو أن تمتنعَ عن مظاهر الزينة والطيب، فلا يجوز لها أن تَدْهنَ رأسَها بأي دُهن كان، سواء كان فيه طِيب أو لم يكن؛ لما فيه من الزينة، ولها أن تدهن جسدها بدهن لا طيبَ فيه، فإن كان فيه طيب فلا يجوز.

والحديث صريح أيضًا أن المرأة لا يجوز لها أن تكتحل بكحل فيه طيب، لذلك لما سألوه صلى الله عليه  وسلم عن هذه المرأة التي توفي زوجها فخشوا على عينها -أي: خافوا على عينها- فأتوا رسول الله صلى الله عليه  وسلم فاستأذنوه في الكحل، فالنبي صلى الله عليه  وسلم نهى عن ذلك، فقال: ((لا تكتحل)) وهذه الجملة فيها دليل على تحريم الاكتحال على المرأة في أيام عِدتها من موت زوجها، سواء احتاجت إلى ذلك أم لا.

وجاء في حديث أم سلمة أخرجه الإمام مالك في موطئه وغيره: ((اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار)) ولفظ أبي داود: ((فتكتحلين بالليل، وتغسلينه بالنهار)) هذا إذا اضطرت إليه. ولهذا قالوا: لا بأسَ بالكحل الفارسي؛ لأنه لا زينةَ فيه، بل هو يزيد العين مرهًا وقبحًا، وكلمة “المره” مرض في العين لترك الكحل، أما إذا اضطرت المرأةُ إلى الكحل، فقد أجازه الكثير من أهل العلم للمرأة إذا اضطرت إلى كحل فيه زينة، ومن هؤلاء: سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وعطاء، والنافعي، وإليه ذهب مالك، وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: تكتحل به ليلًا وتمسحه بالنهار، وهو يستند في هذه الأحاديث التي ذكرناها: لفظ أبي داود: (( فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار)).

قال ابن حجر في (الفتح): ووجه الجمع -أي: بين النهي في قوله صلى الله عليه  وسلم: ((لا تكتحل)) وفي قوله: ((تكتحلين بالليل، وتغسلينه بالنهار))- بينهما أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإذا احتاجت -أي: إذا كانت المرأة محتاجة إلى الكحل- فإنه لا يجوز لها أن تكتحل به بالنهار، ويجوز بالليل، مع الأولى تركه، فإذا فعلت مسحته بالنهار، وهذا للجمع بين الأحاديث.

وروي عن أم سلمة قالت ((دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرًا، فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر ليس فيه طِيب، قال صلى الله عليه  وسلم: إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء، فإنه خِضاب قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر، تغلفين به رأسَك)). ومعنى قوله: ((يشبّ الوجه)) أي: يوقده ويلونه، ويحسنه، ورجل مشبوب: إذا كان أسودَ الشعر، أبيضَ الوجه.

ففي هذا الحديث دليل على أن المرأة لا تكتحل في حالة عدم احتياجها إلى الكحل، أما إذا كانت محتاجة إليه للضرورة فإنها تكتحل بالليل وتغسله بالنهار.

قال سفيان وأصحاب الرأي: لا تلبس الثوب المصبوغَ، وقال مالك: لا تلبس المصبوغ إلا بالسواد، ولا يجوز لها استعمالُ الطيب. هذا بالنسبة للمرأة المعتدة في حالة وفاة زوجها.

أما المعتدة عن الطلاق -حتى نكمل المسألة-: هل المرأة المعتدة عن الطلاق يجب عليها الإحداد في العدة؟

نُظِرَ، إن كانت العدة رجعية لا يجب، لو كان هذا الطلاقُ طلاقًا رجعيًّا فإنه لا يجب على المرأة الإحداد، بل لها أن تصنع ما يميل قلب زوجها إليها؛ ليراجعها، أما إذا كانت بائنة أو في الخلع أو طلاقات ثلاث، فهذا فيه قولان:

– القول الأول: يجب عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها، وهو قول سعيد بن المسيب، وبه قال أبو حنيفة.

– والثاني: لا يجب، وهو قول عطاء، وبه قال مالك. هذا بالنسبة إلى إحداد المعتدَّة.

((لا تكتحل، كانت إحداكُن تمكث في شَرِّ أحلاسها)) المراد بالأحلاس الثياب أي: تمكث في شر ثيابها، وأحلاس جمع حلس بكسر الحاء، وهو الثوب أو الكِساء الرقيق.

((تمكث في شر أحلاسها، أو شر بيتها)) وشر بيتها أي: أضعف موضع فيه، كأن تجلس في الأمكنة المظلمة في البيت.

((فإذا كانت حول)) مضى حولٌ على ذلك أي: تجلس المرأة في بيتها بهذه الصورة حولًا، ((فمر كلب رمت ببعرة)) البعرة -بفتح الباء- وعن مالك في رواية: ((ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل)) ترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالًا لها.

وظاهر هذه الرواية أن رميها بالبعرة يتوقف على مرور الكلب، سواء طال زمن انتظار مروره أم قصر، وبه جزم به بعض الشراح، وقيل: ترمي بها مَنْ عَرَضَ من كلب أو غيره، ترى من حضرها أن مقامها حولًا أهونَ عليها من بعرة ترمي بها كلبًا أو غيره.

واختلفوا في المراد برمي البعرة، وما عَلاقة هذا بذاك؟

فقيل: إن رميها بالبعرة إشارةٌ إلى أنها رمت العدة رميَ البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانتْ فيه، كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها؛ استحقارًا له، وتعظيمًا لحق زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل لعدم عودها إلى مثل ذلك.

أما قوله: ((حتى تمضيَ أربعة أشهر وعشر)) هذه هي عدة المتوفى عنها زوجها.

وقد تحدث العلماء في الحكمة من ذلك من كونها أربعةَ أشهر وعشرًا، فقيل: إن هذه الفترة الزمنية هي التي يَكمل فيها خِلقة الولد، وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر؛ لنقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقل على طريق الاحتياط.

فهذا الحديث فيه مشروعية ووجوب الحداد على المرأة المعتدة التي توفي عنها زوجها.

وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا يحل لامرأةٍ مسلمةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحدَّ فوق ثلاثةِ أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرة)) وذكر هذه الجملة: ((تؤمن بالله واليوم الآخر)) لكي يحثّ المرأة المؤمنةَ، ويثير فيها دواعيَ الإيمان بالله عز وجل.

((أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرة)) قال العلماء: والحكمة في وجوب الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق، أن الزينة والطيبَ يدعوان إلى النكاح، ويوقعان فيه، فنهيت عنه -أي: نهيت المرأة المتوفى عنها زوجها عن الزينة والطيب- ليكون الامتناع من ذلك زاجرًا عن النكاح لكون الزوج ميتًا لا يمنع معتدته من النكاح، ولا يراعيه ناكحها، ولا يخاف منه، بخلاف المطلق الحي ، فإنه يُستغنى بوجوده عن زاجر آخر، قاله النووي.

والحق أن الزوج المطلق لا يَستحق في الغالب أن تبدي زوجته الأسف والحزن على فراقه بأي مظهر من مظاهر الإحداد وإن مُنعت من الزواج بغيره مدة العدة؛ استبراء للرحم. واستدل بعضهم من إطلاق الإحداد على الزوج أربعة أشهر وعشرة، على أن الحامل لا يلزمها الإحداد بعد هذه المدة وإن لم تضع حملها، والجمهور على أنها يلزمها الإحداد في جميع العدة حتى تضع، سواء قصرت المدة أم طالت، فإذا وضعت فلا إحدادَ عليها، ولو كان الوضع بعد ساعةٍ من وفاة الزوج.

error: النص محمي !!