Top
Image Alt

باب اجتناب النجاسة، وباب حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، وباب الصلاة على الفراء والبسط

  /  باب اجتناب النجاسة، وباب حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، وباب الصلاة على الفراء والبسط

باب اجتناب النجاسة، وباب حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، وباب الصلاة على الفراء والبسط

. حديث جابر بن سَمُرة: “أصلّي في الثَوْب…؟”:

عن جابر بن سَمُرة قال: ((سَمِعْت رجلًا سَأل النّبي صلى الله عليه  وسلم قال: أُصَلّي في الثّوب الذي آتِي فيه أهلي؟ قال: نَعَم، إلّا أنْ تَرَى فيه شيئًا فَتَغْسله)). رواه أحمد وابن ماجه.

وعن مُعاوية قال: قُلْت لأمّ حَبِيبة: ((هَل كان يُصلِّي النّبي صلى الله عليه  وسلم في الثّوب الذي يُجامِع فيه؟ قالت: نعَم، إذا لم يَكُن فيه أذًى)). رواه الخمسة إلّا الترمذي، والخَمْسة هم: أصحاب “السُّنن” الأرْبع، مع الإمام أحمد -رَحِِمهم الله تعالى-.

قال الشوكاني -رحمه الله-: حديث جابر بن سَمُرة، رجال إسناده عند ابن ماجه ثِقَات. وحديث معاوية رجال إسناده كُلّهم ثِقات.‌

والحدِيثان يَدلّان على تَجنّب المُصلّي للثّوب المتنجِّس. وهل طهارة ثوب المُصلّي شَرْط لِصِحّة الصّلاة أم لا؟ فَذَهب الأكثر إلى أنّها شرط -يعني: طهارة ثوب المُصلّي شَرْط في صِحّة الصلاة. ورُوي عن ابن مسعودٍ، وابن عباسٍ, وسعيد بن جُبيْر، وهو مرْويٌّ عن مالك, أنّها ليست بواجبة. ونَقل صاحب (النّهاية) عن مالك قوليْن: أحدُهُما: إزالة النّجاسة سُنّة، وليست بِفرْض.

وثانِيهما: أنّها فرْضٌ مع الذِّكر -مع التّذكر، يعني: بهذه النّجاسة، ساقطة مَعَ النّسيان؛ فلا يُعيد الصّلاة إذا صَلّى بها وهو نَاسٍ. قال الإمام الشوكاني: وقديم قوَْل الشافعي: أنّ إزالة النّجاسة غير شَرْط.

واحتجّ الجمهور الذين يقولون: إنّ طهارة ثوْب المُصلّي وكذلك طَهارة بَدَنه: شَرْط لِصحّة الصّلاة، بِحُجَج، منها: قول الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّر} [المدثر: 4].‌ قال في (البحر): والمرادُ: للصّلاة؛ للإجْماع على: أنّه لا وُجوب في غيرِها، -يعني: لا يَجِب على غير المُصلّي أنْ يُطهّر ثيابها، والوُجوب لا يَسْتلزِم الشّرْطية.

ومِن الحُجَج التي احتجّ بها الجمهور على أنّ طهارة الثّياب والَبدَن شرطٌ لصحّة الصّلاة -الحديثان المذكوران في الباب. ويُجاب عَنْهما بأنّ الثّاني فِعْل وهو لا يدلّ على الوجوب، وهو حديث معاوية: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم كان يُصلّي في الثّوب الذي يُجامع فيه)). فهذا فِعْل، والفعل لا يدلّ على الوجوب، فضلًا عن الشّرطية.

أمّا الحديث الأوّل -وهو حديث عائشة رضي الله  عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم وافق على أنْ يُصلِّيَ الرّجل في الثّوب الذي أتَى فيه أهْلَه، ما يدلّ على الوجوب. ولو سلّمنا أنّ قوله: ((إلّا أنْ تَرى فيه شيئًا فَتغْسله)) يدلّ على الوجوب لأنّه خبرٌ في مَعْنى الأمر، فهو غير صالحٍ للاسْتدْلال به على المطلوب، لأنّه أمْرٌ كما سَبَق، والأمر لا يدلّ على الشّرطية.

ومن أدِلّة الجمهور على أنّ طهارة الثّياب والبَدَن شَرْط في صحّة الصّلاة حديث غَسْل المنيّ وفَرْكه, وهو في “الصّحِيحيْن” وغيرهما. قال الإمام الشّوكاني: “وهو لا يدلّ على الوجوب، فكيفَ يدلّ على الشّرطية”.

ومن حُجَج الجمهور أيضًا: أحاديث الأمْر بِغسْل النّجاسة, كحديث تَعْذيب من لم يَسْتنْزه من البول، وحديث الأمْر بِغسل المَذْي، وغيرهما. وقد تقدّم ذلك.

ويُجاب عنها بأنّها أوامر، وهي لا تدلّ على الشّرطية التي هي محلّ النّزاع -كما تقدّم. نَعَم، يُمْكن الاسْتدْلال بالأوامر المذكورة في هذا الباب على الشّرطية, إنْ قُلْنا إنّ الأمر بالشّيء نَهْي عن ضِدّه، وأنّ النّهي يدُلّ على الفساد، وفي كِلْتا المَسْألتيْن أنّ الأمر بالشّيء نَهْي عن ضِدِّه, وأنّ النّهي يدلّ على الفساد. في كِلْتا هاتيْن المسألتيْن خِلافٌٌ مشهورٌ في الأصول, لولا أنّ ها هُنا مانعًا من الاستدلال بها على الشّرطيّة, وهو عَدَم إعادته صلى الله عليه  وسلم للصّلاة التي خَلَع فيها نَعْليْه، لأنّ بناءه على ما فَعَله من الصّلاة قَبْل الخَلع مُشعِرٌ بأنّ الطّهارة غير شَرْطٍ كما ذَهَب الجمهور. وكذلك عَدَم نَقْل إعادته للصّلاة التي صَلّاها في الكِساء الذي فيه لُمْعةٌ من دَم كما تقدّم.

قال الإمام الشّوكاني: إذا تَقرّر لك ما سُقْناه من الأدلّة، وما فيها من التّعقيبات الّتي عُقِّب بها عليها, قال: فاعْلَم أنّها لا تَقْصُر عن إفادة وُجوب تَطْهير الثّياب؛ فَمَن صَلّى وعلى ثَوْبه نَجاسة، كان تاركًا لِواجب. وأمّا أنّ صلاته باطلة كما هو شَأن فِقْدان شَرْطِ الصِّحّة، فلا، لِما عَرَفْت.‌

ومِن فوائد الحديثيْن: حَديث عائشة وحديث معاوية رضي الله  عنها, في شَأن الثّوب الذي يُجامع الرّجل فيه أهله, كما قال ابن رسلان في (شَرْح السنن): طَهارة رُطوبة فَرْج المرأة، لِأنّه لم يَذْكر هُنا أنّه كان يَغْسل ثَوْبه من الجِماع قَبْل أنْ يُصلّي، ولو غَسَله لَنُقل عنه صلى الله عليه  وسلم . ومِن المعلوم أنّ الذّكر يَخْرج عليه رُطُوبة مِن فرْج المَرْأة. انتهى ما قاله ابن رَسْلان.‌

ب. باب: حمل المُحدِث والمُسْتجْمِر في الصّلاة:

حديث أبي قتادة:

عن أبي قتادة: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم كان يُصَلِّي وهو حاملٌ أُمامة بِنْتَ زَيْنَب. فإذا رَكَع وَضَعها، وإذا قام حَمَلها)). مُتّفق عليه.‌

قوله: ((وهو حاملٌ أُمامةً)): أمامة بضم الهمزة وتخفيف الميمين كانت صغيرة على عهد النبيصلى الله عليه  وسلم وتزوجها علي بعد موت فاطمة بوصية منها‏.

 ((فإذا رَكَع وَضَعها)): وكذا لِمسْلم وغيره من طَريقٍ أخْرَى. ولأحمد من طَريق ابن جُريْج: ((على رَقَبَتِه)) يعني: ((حامل أمامة على رَقَبته)).

وقوله: ((فإذا رَكَع وَضَعها)). هكذا في (صَحيح مسلم) والنسائي, وأحمد وابن حبان، كلّهم عن عامر بن عبد الله شَيْخ مالك. ورواية البخاري عن مالك: ((فإذا سَجَد)). ولأبي داود من طريق الْمَقْبُري عن عمْرو بن سُلَْيْم: ((حَتّى إذا أراد أنْ يَرْكع أخَذَها فَوَضَعها, ثمّ رَكَع وسَجَد. حَتّى إذا فَرَغ من سُجوده وقام، أخَذَها فردّها في مَكانها)).

وهذا صَريح في أنّ فِعْل الحَمْل والوَضْع كان منه صلى الله عليه  وسلم وليس من زَيْنب. وهو يردّ تَأويل الخطّابي حَيْث قال: يُشْبه أنْ تَكون الصّبية قَدْ أَلِفَتْه، فَإذا سَجَدَ تَعَلّقت بِأطْرافه والْتَزَمتْه، فَيِنْهض من سُجوده فَتَبْقى مَحْمولة كذلك إلى أنْ يَرْكع فَيُرْسِلها.

ويدل الحديث على: أنّ مِثْل هذا الفِعْل مَعْفوٌّ عنه، من غير فرقٍ بين الفريضة والنّافلة، والمُنْفرد والمُؤْتمّ والإمام.

وذلك لِما في (صَحيح مسلم) من زيادة: ((وهو يؤمّ النّاس في المسجد)). فإذًا، كانت الصّلاة صَلاة الفريضة. وإذا جاز ذلك في حال الإمامة في صلاة الفريضة، جاز في غيرها بالأوْلى.

أو نَقُول: إنّ مِثْل هذا الْفِعْل يُخصِّص ما وَرَد مِن أنّ العمل الكثير يُبْطل الصّلاة لِمَن يقول بذلك.

من فوائد الحديث: جَواز إدخال الصّبيان في المسجِد، وأنّ مَسّ الصّغيرة لا ينْتقِض به الوُضوء، وفي هذا نظَر لأنّ الصّغيرة هُنا كانت من مَحارمِه صلى الله عليه  وسلم ؛ فيُؤخذ هذا الحُكْم مِن مَسِّ صَغِيرةٍ أجْنَبية. والله تعالى أعلم.

جـ. باب: الصّلاة على الفِراء والبُسُط وغيرهما من المفارش:

عن ابن عبّاس: ((أنّ النّبي صلى الله عليه  وسلم صلّى على بِساط)). رواه أحمد وابن ماجه.

الحديث في إسناده زمعة بن صالح الحيدي ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وقد أخرج له مسلم فرد حديث مقرونًا بآخر وهذا الحديث قد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف قال حدثنا وكيع عن زمعة عن عمرو بن دينار وسلمة قال أحدهما‏:‏ عن عكرمة عن ابن عباس فذكره‏.            

قوله “‏بساط‏” ‏ بكسر الباء جمعه بسط بضمها وتسكين السين وضمها وهو ما يبسط أي يفرش وأما البساط بفتح الباء فهي الأرض الواسعة.

والحديث يدل على: جواز الصلاة على البسط، وقد حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء ‏.‏ وعن جابر بن زيد أنه كان يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان ويستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض‏.‏ وعن عروة بن الزبير أنه كان يكره أن يسجد على شيء دون الأرض‏.‏ وإلى الكراهة ذهب الهادي ومالك‏.‏ ومنعت الإمامية صحة السجود على ما لم يكن أصله من الأرض وكره مالك أيضًا الصلاة على ما كان من نبات الأرض فدخلته صناعة أخرى كالكتان والقطن‏.

 قال ابن العربي‏:‏ وإنما كرهه من جهة الزخرفة‏.‏ واستدل الهادي على كراهة ما ليس من الأرض بحديث ‏ “‏جعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا‏” ‏ بناء على أن لفظ الأرض لا يشمل ذلك‏.‏ قال في ضوء النهار‏:‏ وهو وهم لأن المراد بالأرض في حديث التراب بدليل ‏ “‏وطهورًا‏” ‏ وإلا لزم مذهب أبي حنيفة في جواز التيمم بما أنبتت الأرض انتهى‏. وأقول‏:‏ بل المراد بالأرض في الحديث ما هو أعم من التراب بدليل ما ثبت في الصحيح بلفظ “‏وتربتها طهورًا‏” ‏ وإلا لزم صحة إضافة الشيء إلى نفسه وهي باطلة بالاتفاق ولكن الأولى أن يقال في الجواب عن الاستدلال بالحديث أن التنصيص على كون الأرض مسجدًا لا ينفي كون غيرها مسجدًا بعد تسليم عدم صدق مسمى الأرض على البسط على أن السجود على البسط ونحوها سجود على الأرض كما يقال للراكب على السرج الموضوع على ظهر الفرس راكب على الفرس وقد صح أن رسول اللَّه عليه السلام صلى على البسط وهو لا يفعل المكروه‏.‏                            فائدة حديث أنس الذي ذكر بلفظ البسط أخرجه الأئمة الستة بلفظ الحصير قال العراقي في شرح الترمذي‏:‏ فرق المصنف يعني الترمذي بين حديث أنس في الصلاة على البسط وبين حديث أنس في الصلاة على الحصير وعقد لكل منهما بابًا وقد روى ابن أبي شيبة في سننه ما يدل على أن المراد بالبساط الحصير بلفظ‏:‏ ‏ “‏فيصلي أحيانًا على بساط لنا وهو حصير ننضحه بالماء‏”

قال العراقي‏:‏ فتبين أن مراد أنس بالبساط الحصير ولا شك أنه صادق على الحصير لكونه يبسط على الأرض أي يفرش.

error: النص محمي !!