Top
Image Alt

باب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم

  /  باب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم

باب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم

أ. حديث شيبة الحجبي، مع عمر، من كتاب: “الاعتصام بالكتاب والسّنة”:

قال البخاري: حدثنا عمرو بن عباد، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، قال: “جلست إلى شيبة في هذا المسجد، قال: جلس إليّ عمر في مجلسك هذا، فقال: هممْتُ ألَّا أدَعَ فيها صَفراء ولا بيضاءَ إلَّا قسَمْتها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل! قال: لِمَ؟ قلت: لم يفعلْه صاحباك، قال: هما المرآن يُقتدى بهما”.

قوله: “عمرو بن عباد”، بموحّدة ثم مهملة، هو: الباهلي، بصْري، يُكنى: أبا عثمان، من طبقة علي بن المديني، و”عبد الرحمن”، هو: ابن مهدي، و”سفيان”، هو: الثوري، و”واصل”، هو: ابن حبّان، و”أبو وائل”، هو: شقيق بن سلمة.

وقوله: “جلست إلى شيبة”، هو: ابن عثمان بن طلحة العبدري- حاجب الكعبة- وليس له في “الصحيحيْن”، إلَّا هذا الحديث عند البخاري وحْده.

وقوله: “ألَّا أدَعَ فيها”، الضمير للكعبة، وإن لم يجْر لها ذِكر؛ لأنّ المراد بالمسجد، في قول أبي وائل: “جلست إلى شيبة في هذا المسجد”: نفس الكعبة، فكأنه أشار إليها.

قال ابن بطال: أراد عمر، قِسمة المال في مصالح المسلمين، فلما ذَكّره شيبة، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بعده لم يتعرّضا له، لم يَسعْه خلافهما، ورأى أنّ الإقتداء بهما واجب.

قال ابن حجر: وتمامه: أنّ تقرير النبي صلى الله عليه وسلم مُنزّل منزلة حُكمه باستمرار ما ترَك تغييرَه، فيجب الإقتداء به في ذلك؛ لعموم قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف: 158].

وأمّا أبو بكر، فدلّ عدم تعرُّضه، على أنه: لم يَظهر له مِن قوله صلى الله عليه وسلم ولا مِن فعْله ما يُعارض التقرير المذكور؛ ولو ظَهر له لفَعله، لا سيما مع احتياجه للمال -لقلّته في مدّته- فيكون عمر -مع وجود كثرة المال في أيامه- أوْلى بعدم التعرّض.

وقوله: “ألَّا أدَعَ فيها صفراء، ولا بيضاء”، كناية عن الذهب، والفضة؛ فالذهب أصفر، والفضة بيضاء.

ب. حديث حذيفة: ((إنّ الأمانة نَزلت من السماء…)):

قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: سألت الأعمش، فقال: عن زيد بن وهب، سمعت حذيفة، يقول: حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ الأمانة نَزلت من السماء في جَذْر قلوب الرجال، ونزل القرآن؛ فقرءوا القرآن، وعلِموا من السُّنّة)).

وقوله: ((إنّ الأمانة نزلت في جَذْر قلوب الرجال))، أي: في أصل قلوب الرجال، و”الجذْر”، بفتح الجيم وكسْرها، لغتان.

وأما: ((الأمانة))، فالظاهر: أنّ المراد بها: التكليف الذي كلّف الله تعالى به عباده، والعهد الذي أخَذه عليهم.

قال الإمام أبو الحسن الواحدي -رحمه الله- في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ} [الأحزاب: 72]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “هي الفرائض التي افترضها الله تعالى على العباد”.

وقال الحسن: هو الدِّين، والدِّين كلّه أمانة.

وقال أبو العالية: الأمانة: ما أُمِروا به وما نُهوا عنه.

وقال مقاتل: الأمانة: الطاعة؛ وهذا قول أكثر المفسرين.

فـ ((الأمانة))، في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي يتعلّق بأدائها الثواب، وبتضييعها العقاب.

وقوله: ((ونزل القرآن، فقرءوا القرآن، وعلِموا مِن السُّنّة))، فعملوا بها، وأطاعوه بمقتضى الأمانة التي في قلوبهم؛ وهذا الحديث مختصر جدًّا؛ إذ فيه: أنّ الأمانة بدأت حتى في عهد الصحابة رضي الله عنهم وفي عهد حذيفة بدأت تخرج من القلوب؛ وبالتالي لم يكن هناك وفاء بعهود ولا طاعة، كما كان قبل ذلك، وبطبيعة الحال، نشأت هذه الظاهرة التي لم تكن موجودة قبل ذلك، حتى عند غير المسلمين.

جـ. حديث عبد الله بن مسعود: “إنّ أحسنَ الحديث: كتابُ الله…”:

قال البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرنا عمرو بن مُرّة، قال: سمعت مرّة الهمداني، يقول: قال عبد الله -يعني: ابن مسعود: “إنّ أحسنَ الحديث: كتابُ الله، وأحسنَ الهدْي: هدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدَثاتُها، وإنّ ما توعدون لآتٍ، وما أنتم بمُعجِزين”.

وقوله: “عمرو بن مُرة”، هو: الجملي، و”مُرة” شيخه، وهو: ابن شراحيل، ويقال له: مرّة الطيّب -بالتشديد- وهو الهمْداني -بسكون الميم- وليس هو والد عمرو الراوي عنه.

“وأحسن الهدْي: هدْي محمد صلى الله عليه وسلم”، و”الهدْي”: الهيئة والطريقة، “وشر الأمور محدَثاتها”.

واختصره البخاري، في كتاب: “الأدب”، ولكنه زاد هنا: “وأحسن الهدْي: هدْي محمد صلى الله عليه وسلم”، وفيه: إخبار عن صفة من صفاته صلى الله عليه وسلم وهذا أحد أقسام المرفوع، يعني: الحديث في ظاهره موقوف، ولكنه هنا يأخذ حُكم قِسم من أقسام المرفوع، وهو كالمتفق عليه؛ لتخريج المصنِّفين المقتصِرين على الأحاديث المرفوعة، الأحاديث الواردة في شمائله صلى الله عليه وسلم فإنّ أكثرها يتعلّق بصفة خلْقه وذاته، كوجهه وشَعره، كذلك بصفة خُلُقه، كحِلْمه وصفْحه.

هذا الحديث مندرج في وصف خُلُقه صلى الله عليه وسلم وهو: هدْيه وطريقته؛ وهذا من الخُلق الكريم.

وقد جاء هذا الحديث عن ابن مسعود، مصرِّحًا فيه بالرفع من وجْه آخَر، أخرجه أصحاب (السُّنن)، لكن ليس هو على شرْط البخاري. وأخرجه مسلم من حديث جابر، مرفوعًا أيضًا، بزيادةٍ فيه، وليس هو على شرطه أيضًا.

و”المحدَثات”: جمع مُحدَثة، والمراد بها: ما أُحدِث، وليس له أصل في الشرع، ويُسمّى في عُرف الشرع: “بِدْعة”، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة؛ فالبدعة في عُرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإنّ كل شيء أُحدِث على غير مثال، يُسمّى: “بدْعة”، من حيث اللغة، سَواء أكان محمودًا، أو مذمومًا.

وكذا القول في المُحدَثة، وفي الأمر المُحدَث الذي ورد في حديث عائشة: ((مَن أحدَث في أمْرنا هذا ما ليس منه، فهو رَدّ))، أي: من ناحية الشرع، وقد وقع في حديث جابر المشار إليه: ((وكلّ بدعة ضلالة))، وفي حديث العِرباض بن سارية: ((وإيّاكم ومحدَثات الأمور! فإنّ كلّ بدعة ضلالة!))، وهو حديث أوّله: ((وعَظَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً…)) فذَكره، وفيه هذا؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصحّحه ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم.

وهذا الحديث قريب في المعنى من حديث عائشة المشار إليه، وهو من جوامع الكلِم.

قال الشافعي: “البدعة بدعتان: محمودة، ومذمومة”، وبطبيعة الحال هو يردّها إلى اللغة، “البدعة بدعتان: محمودة، ومذمومة، فما وافق السُّنة فهو محمود، وما خالفها فهو مذموم”، أخرجه أبو نعيم بمعناه، من طريق إبراهيم بن الجنيد، عن الشافعي.

وجاء عن الشافعي أيضًا، ما أخرجه البيهقي، في (مناقبه)، قال: “المُحدَثات ضربان: ما أُحدِث يخالف كتابًا، أو سُنّة، أو أثرًا، أو إجماعًا؛ فهذه بدعة الضلال، وما أُحْدِث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك، فهذه محدَثة غير مذمومة”.

قال ابن حجر: وقسّم بعض العلماء “البدعة”، إلى الأحكام الخمسة، وهو واضح، والأحكام الخمسة؛ هي: الأمر، والنهي، والمندوب، والمكروه، والمُباح، وثبت عن ابن مسعود، أنه قال: “قد أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستُحدِثون ويُحدَث لكم؛ فإذا رأيتم محدَثةً، فعليكم بالهَدْي الأوّل!”.

ثم ضرب ابن حجر، أمثلة لِما أُحدِث ممّا هو جائز، ولا يخالف الشرع، وليس هو مذموم؛ فقال: فممّا حدث: تدوين الحديث، ثم تفسير القرآن، ثم تدوين المسائل الفقهية الموّلدة عن الرأي المحْض، ثم تدوين ما يتعلّق بأعمال القلوب.

فأمّا الأول -أي: التدوين- فأنكره عمر، وأبو موسى، وطائفة، ورخّص فيه الأكثرون.

وأما الثاني -وهو: تفسير القرآن- فأنكره جماعة من التابعين، كالشعبي.

وأما الثالث -تدوين المسائل الفقهية- فأنكره الإمام أحمد، وطائفة يسيرة. وكذا اشتدّ إنكار أحمد للّذي بَعْده -يعني: للأمور التي بعد ذلك- مثل: تدوين ما يتعلّق بأعمال القلوب، وإنكار تدوين المسائل الفقهية المولّدة عن الرأي المحض.

وممّا حدث أيضًا: تدوين القول في أصول الدِّيانات، فتصدّى لها المُثبِتة، والنُّفاة، فبالَغ الأوّل حتى شبّه، وبالغ الثاني حتى عطّل؛ وهذا وذاك مذموم، واشتدّ إنكار السلف لذلك، كأبي حنيفة، وأبي يوسف، والشافعي، وكلامهم في ذمّ أهل الكلام الذين هم كذلك مشهور، وسببه: أنهم تكلّموا فيما سَكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وثبت عن مالك: أنه لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، شيء من الأهواء، يعني: بِدَع الخوارج، والروافض، والقَدَرية.

وقد توسّع مَن تأخّر عن القرون الثلاثة الفاضلة، في غالب الأمور التي أنكرَها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك، حتى مَزجوا مسائل الدِّيانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردّون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل، ولو كان مُستكرَهًا، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أنّ الذي رتّبوه هو أشرف العلوم، وأوْلاها بالتحصيل، وأنّ من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه، فهو عامّيٌّ جاهل.

قال ابن حجر: فالسعيد مَن تمسّك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثَه الخَلف، وإن لم يكن له منه بُدّ، فلْيكتَف منه بقَدْر الحاجة، ويجعل الأوّل المقصود بالأصالة، والله الموفِّق.

وقد أخرج أحمد بسند جيّد، عن غضيف بن الحارث، قال: “بعث إليّ عبد الملك بن مروان، فقال: إنّا قد جمعنا الناس على رفْع الأيدي على المنبر يوم الجمعة، وعلى القَصَص بعد الصبح والعصر، فقال: أمّا إنهما أمثَلُ بدَعِكم عندي، ولست بمُجيبِكم إلى شيء منهما؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أحدَث قومٌ بِدعةً إلَّا رُفع من السُّنّة مثلها))، فتمسُّك بسنّة خير من إحداث بدعة”.

وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي، في أمر له أصل في السُّنّة، فما ظنّك بما لا أصل له فيها؟ فكيف بما يشتمل على ما يخالفها؟ وقد مضى في كتاب: “العلْم” -كما ذكر ابن حجر: أنّ ابن مسعود كان يُذكِّر الصحابة كلّ خميس لئلَّا يَمَلّوا، ومضى في كتاب: الرقاق، من (صحيح البخاري): أنّ ابن عباس، قال: “حدِّث الناس كلّ جمعة، فإن أبيت فمرّتين”، ونحوه وصيّة عائشة، لعبيد بن عمير، والمراد بالقصص: التذكير والموعظة، وقد كان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يكن يجعله راتبًا كخُطبة الجمعة؛ بل بحسَب الحاجة.

وأمّا قوله في حديث العرباض: ((فإنّ كلّ بِدعة ضلالة!))، بعد قوله: ((وإيّاكم ومُحدَثات الأمور!))؛ فإنه يدلّ على: أنّ المُحدَث يُسمّى: بدعة.

وقوله: ((كلّ بدعة ضلالة)): قاعدة شرعية كلِّية بمنطوقها ومفهومها؛ أما منطوقها: فكأن يقال: “حُكم كذا بدعة، وكلّ بدعة ضلالة”، فلا تكون من الشرع؛ لأنّ الشرع كلّه هدْي، فإن ثبت أنّ الحكم المذكور بدْعة، صحّت المقدِّمتان، وأنتجْنا المطلوب -النتيجة- والمراد بقوله: ((كلّ بدعة ضلالة)): ما أُحدِث ولا دليلَ له من الشرع، بطريق خاص، ولا عامّ.

وقوله: في آخر حديث ابن مسعود: “إنّ ما توعَدون لآتٍ، وما أنتم بمعجزين”، أراد: ختْم موعظته بشيء من القرآن يناسب الحال.

وقال العز بن عبد السلام، في أواخر (القواعد): “البدعة”، خمسة أقسام:

  • الواجبة: كالاشتغال بالنحو الذي يُفهم به كلام الله ورسوله؛ لأنّ حِفظ الشريعة واجب، ولا يتأتّى إلَّا بذلك؛ فيكون من مقدِّمة الواجب، وكذا شرْح الغريب، وتدوين أصول الفقه، والتوصّل إلى تمييز الصحيح والسقيم.
  • والمحرّمة: ما رتّبه مَن خَالف السنة من القَدَرية، والمُرجئة، والمُشبِّهة.
  • والمندوبة: كلّ إحسان لم يُعهد عَينُه في العهد النبوي، كالاجتماع على التراويح، وبناء المدارس والرُّبط، وعقْد مجالس المناظرة، إن أريد بذلك وجْه الله تعالى.
  • والمباحة: كالمصافحة عقِب صلاة الصبح والعصر، والتوسّع في المستلذّات؛ من: أكْل وشُرب، ومَلبس، ومَسكن، وقد يكون بعض ذلك مكروهًا، أو خلاف الأولى.

د. حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد: “في قصة العسيف…”:

قال البخاري: حدثنا مسدّد، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن عبيد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((لأقضينّ بينكما بكتاب الله!)).

وهذا الحديث مختصر جدًّا هنا، وقد سبق بتمامه، وهو في قصة الأعرابي الذي كان ابنه عسيفًا فزنى بامرأة، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتيه في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما -أي: للأعرابيّ زوج المرأة التي زنى بها ابنه العسيف، أي: الأجير- قال: ((لأقضِيَنَّ بينكما بكتاب الله!)).

وهذا هو مراد البخاري؛ ولذلك اقتصر على هذا من القصة، والمراد: أن يكون القضاء بكتاب الله تعالى -أي: بشرع الله تعالى- مِن كتاب، أو من سُنّة، أو ما يُردّ إليهما، وليس الضمير، في: ((بينكما))، يرجع إلى أبي هريرة، وزيد بن خالد؛ وإنما يرجع إلى الأعرابي الذي ذُكر في القصة، وإلى زوج المرأة.

هـ . حديث: ((كلّ أمّتي يدخلون الجنة…)):

قال البخاري: حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا فليح، قال: حدثنا هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كلّ أمّتي يدخلون الجنة إلَّا مَن أبى، قالوا: يا رسول الله! ومَن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى)).

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كلّ أمّتي يدخلون الجنة إلَّا مَن أبى))، أي: امتنع. والظاهر: أنّ العموم مُستمرّ؛ لأنّ كلًا مِن الأمّة لا يمتنع من دخول الجنة؛ ولهذا قالوا: “ومَن يأبى؟”، فبيّن لهم أنّ إسناد الامتناع إليهم عن الدخول، مَجاز عن الامتناع عن سُنّتِه، وهو: عصيان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أحمد، والحاكم من طريق صالح بن كيسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رفَعه: ((لَتدْخُلنّ الجنة إلَّا مَن أبى وشَرد على الله شِراد البعير))، وسَنده على شرْط الشيخيْن، وله شاهد عن أبي أمامة عند الطبراني، وسنَده جيد.

والموصوف بالإباء -وهو: الامتناع- إن كان كافرًا، فلا يدخل الجنة أصلًا، وإن كان مسلمًا فالمراد: مَنْعه من دخولها مع أوّل داخل، إلَّا مَن شاء الله تعالى، أي: إنه يدخلها، لكن قد يدخلها بشفاعة، أو يدخلها بعد ما يأخذ حظّه من النار على ما قدّم من ذنوب ومعاصٍ -والله أعلم.

و. حديث جابر: “في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم”:

قال البخاري: حدثنا محمد بن عبادة، قال: أخبرنا يزيد، قال: حدثنا سليم بن حيان -وأثنى عليه- قال: حدثنا سعيد بن ميناء، قال: حدثنا، أو سمعت جابر بن عبد الله يقول: ((جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إنّ العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: مَثَله كمَثل رجل بنى دارًا، وجعل فيها مأدُبة، وبعث داعيًا؛ فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكَل من المأدُبة، ومن لم يُجب الداعي لم يَدخل الدار ولم يأكل من المأدُبة، فقالوا: أوِّلوها له يَفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إنّ العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: فالدار: الجنة، والداعي: محمد صلى الله عليه وسلم فمن أطاع محمدًا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، ومَن عَصَى محمدًا صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم فَرْق بين الناس)).

قال البخاري: تابعَه قتيبة، عن ليث، عن خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر: ((خَرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم…))، أي: فذَكر الحديث، أو ذَكر هذه الرؤيا.

قوله: “حدثنا سليم بن حيان -وأثنى عليه”؛ أما “سليم”، فبفتح المهملة على وزن “عظيم”، وأبوه بمهملة ثم تحتانية ثقيلة، والقائل: “وأثنى عليه”، هو: محمد، وفاعل “أثنى”: يزيد، قال: “حدثنا، أو سمعت”، قائل ذلك: سعيد بن ميناء، والشاكّ، هو: سليم بن حيان، شكّ في أيّ الصيغتيْن قالها شيخه سعيد.

وقوله: ((جاءت ملائكة))، قال ابن حجر: لم أقف على أسمائهم، ولا على أسماء بعضهم، ولكن في رواية سعيد بن أبي هلال المعلّقة عقِب هذا عند الترمذي: أنّ الذي حضر في هذه القصة: جبريل وميكائيل، ولفظه: ((خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: إني رأيتُ في المنام كأنّ جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلَيّ))، فيُحتمل أنه كان كلّ منهما، ومعهما غيرهما، واقتصر في هذه الرواية على مَن باشر الكلام منهم ابتداءً وجوابًا.

وقع في حديث ابن مسعود عند الترمذي وحسّنه، وصحّحه ابن خزيمة: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم توسّد فخِذه فرَقد، وكان إذا نام نفخ، قال: فبينا أنا قاعد؛ إذ أنا برجال عليهم ثياب بِيض، الله أعلم بما بهم من الجَمال، فجلسَت طائفة منهم عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة منهم عند رجليْه)).

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فقال: بعضهم: إنه نائم…))، إلى قوله: ((يقظان))، قال الرامهرمزي: هذا تمثيل يُراد به: حياة القلب، وصحّة خواطره، يقال: “رجل يقِظ”، إذا كان ذكيّ القلب، وفي حديث ابن مسعود: ((فقالوا بينهم: ما رأينا عبدًا قَطّ أوتي مِثل ما أوتي هذا النبي؛ إنّ عينَيْه تنامان، وقلبه يقظان. اضربوا له مثلًا)).

وفي رواية سعيد بن أبي هلال: ((فقال أحدُهما لصاحبه: اضربْ له مثَلًا! فقال: اسمعْ! سَمِع أذنُك، واعقِلْ! عقَل قلبك، إنما مَثَلُك…))، ونحوه في حديث ربيعة الجرشي عند الطبراني، زاد أحمد، في حديث ابن مسعود: ((فقالوا: اضربوا له مثلًا! ونؤوِّل…))، أو ((نَضربُ… وأوِّلوا))، وفيه: ((لِيعقِلْ قلبُك!)).

وفائدة قولهم: ((إنّ القلب يقظان))، يعني: إذا ضربتم له مثلًا فسيفهمُه وسَيعِيه، على الرّغم من أنه نائم.

وقوله: ((مَثله كمَثل رجل بنى دارًا، وجعَل فيها مأدبة))، في حديث ابن مسعود: ((مَثل سيِّد بنى قصرًا))، وفي رواية أحمد: ((… بُنيانًا حَصينًا، ثم جعل مأدُبة، فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمَن أجابه أكَل مِن طعامه وشَرب مِن شرابه، ومَن لم يُجبْه عاقَبَه)) -أو قال: ((عذّبَه))- وفي رواية أحمد: ((عُذِّب عذابًا شديدًا)).

و”المأدُبة”، بسكون الهمزة، وضمّ الدال، بعدها موحّدة- وحُكي الفتْح “مأدَبة”، وقال ابن التين: عن عبد الملك: الضم والفتح، لغتان فصيحتان، وقال الرامهرمزي نحوه، في “حديث القرآن”: “مأدبة الله”، قال: وقال لي أبو موسى الحامد: مَن قاله بالضم، أراد: الوليمة: “مأدُبة”، ومن قاله: بالفتح “مأدَبة”، أراد: أدب الله الذي أدّب به عباده.

قال ابن حجر: فعلى هذا يتعيِّن الضّمّ هنا، بمعنى: الوليمة.

قوله: ((وبعَث داعيًا))، وفي رواية: ((ثم بعَث رسولًا يدعو الناس إلى طعامه، فمِنهم مَن أجاب الرسول، ومِنهم مَن ترَكَه، فقال بعضهم -بعض الملائكة: أوِّلُوها له يفقهها))؛ لأنّ قلبه يقظان.

قيل: يؤخذ منه: حُجّة لأهل التعبير: أنّ التعبير إذا وقع في المنام، اعتُمد عليه.

قال ابن بطال: قوله: ((أوِّلوها له))، يدلّ على: أنّ الرؤيا على ما عُبِّرت في النوم.

وفيه نَظر؛ لاحتمال الاختصاص بهذه القصة، لكون الرائي: النبي صلى الله عليه وسلم والمرئيّ: الملائكة، فلا يطّرد ذلك في حّق غيرهم.

((فقال بعضهم: إنه نائم))، هكذا وقع ثالث مرة، وقولهم: ((فقالوا: الدار الجنة))، أي: الممثّل بها، زيد في رواية: ((والله هو: الملِك، والدار: الإسلام، والبيت: الجنة، وأنت يا محمد: رسول الله))، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: ((أمّا السيد، فهو: رب العالمين، وأما البنيان، فهو: الإسلام، والطعام: الجنة، ومحمد: الداعي؛ فمن اتّبعه كان في الجنة)).

وقوله: ((فمن أطاع محمدًا، فقد أطاع الله))؛ لأنه رسول صاحبِ المأدُبة، فمَن أجابه ودخل في دعْوته أكل من المأدبة؛ وهو كناية عن دخول الجنة، ووقع بيان ذلك في رواية: ((وأنت يا محمد: رسول الله؛ فمن أجابك دخَل الإسلام، ومن دخَل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكَل ما فيها))، ثم قال: ((ومحمد فرّق بين الناس))، بتشديد الراء، وفي رواية: بسكون الراء والتنوين، ((فرْقٌ بين الناس))، وكلاهما متّجه، يعني: دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله -تعالى- فرّقت بين ما هو مطيع، ومن أجاب، ومن لم يُجب.

قال الكرماني: ليس المقصود من هذا التمثيل: تشبيه المفرَد بالمفرد؛ بل هو تشبيه المركّب بالمركّب، مع قطع النظر عن مطابقة المفردات من الطرفيْن، أي: تشبيه تمثيليّ، وقد وقع في غير هذه الطريق ما يدلّ على المطابقة المذكورة، زاد في حديث ابن مسعود: ((فلما استيقظ، قال: سمعتَ ما قال هؤلاء، هل تدري مَن هم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هم الملائكة، والمثَل الذي ضربوا: الرحمن بنى الجنّة، ودعا إليها عِباده))، فهو تشبيه صورة بصورة -والله أعلم.

وتقدّم في كتاب: المناقب، من وجْه آخَر، عن سليم بن حيان بهذا الإسناد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَثلي ومَثل الأنبياء كرجُل بنى دارًا، فأكْمَلها وأحْسنها، إلَّا موضعَ لَبِنة…)) الحديث، وهو حديث آخَر، وتمثيل آخَر؛ فالحديث الذي في المناقب يتعلّق بالنّبوّة، وكونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيِّين، وهذا يتعلّق بالدعاء إلى الإسلام، وبأحوال من أجاب، أو امتنع، وقد وهِم من خلَطهما، كأبي نعيم، في (المستخرج)؛ فإنه لمّا ضاق عليه مَخرَج حديث الباب -والقائل هو: ابن حجر- ولم يجِده مرويًّا عنده، أورد حديث اللّبِنة، ظنًّا منه أنهما حديث واحد، وليس كذلك؛ لِما بَيّنتُه.

وسلِم الإسماعيلي، من ذلك -أي: في (مستخرجه)- فإنه لمّا لم يجده في مرويّاته، أورده من روايته عن الفربري، بالإجازة عن البخاري بسنده.

وقد روى يزيد بن هارون بهذا السند حديث اللّبنة، أخرجه أبو الشيخ، في كتاب (الأمثال)، من طريق أحمد بن سنان الواسطي عنه، وساق بهذا السند حديث: ((مَثلي ومَثلكم كمَثل رجل أوقد نارًا…))، الحديث، لكنه عن أبي هريرة، لا عن جابر.

قال البخاري في نهاية حديث جابر: تابَعه قتيبة، عن ليث، عن خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر: ((خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم))، وفائدة إيراد البخاري لهذا: رفْع التوهّم عمّن يظنّ أنّ طريق سعيد بن ميناء موقوفة؛ لأنه لم يصرِّح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو قال: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: ((جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم…))، فأتى بهذا الطريق بعد الحديث؛ لتصريحها بالرفع، وهكذا اقتصر على هذا القَدْر من الحديث، وظاهره: أنّ بقية الحديث مِثله.

قال ابن حجر: وقد بيّنتُ ما بينهما من الاختلاف، وقد وصَله الترمذي، عن قتيبة بهذا السند، ووصَله الإسماعيلي أيضًا، عن الحسن بن سفيان، وأبو نعيم من طريق أبي العباس السرّاج، كلاهما عن قتيبة، ونَسب السرّاج في روايته الليث، وشيخه -كما ذكرنا.

قال الترمذي بعد تخريجه: هذا حديث مرسل، وسعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله، ووصْف الترمذي له بأنه مرسل، يريد: أنه منقطع بين سعيد وجابر، وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجُرشي عند الطبراني؛ فإنه بنحو سياقه، وسنده جيد.

و”سعيد بن أبي هلال”، غير “سعيد بن ميناء”، الذي في السند الأول، وكلّ منهما مدنيّ، لكن “ابن ميناء”، تابعيّ، بخلاف “ابن أبي هلال”، والجَمع بينهما: إمّا بتعدّد المرئيّ -وهو واضح- أو بأنه مَنام واحد، حفِظ فيه بعض الرواة ما لم يحفظ غيره، وتقدّم طريق الجمع بين اقتصاره على جبريل، وميكائيل في حديث، وذِكره الملائكة بصيغة الجَمع في الجانبيْن الدال على الكثرة في آخَر.

وظاهر رواية سعيد بن أبي هلال: أنّ الرؤيا كانت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: ((خرج علينا، فقال: إني رأيت في المنام))، وفي حديث ابن مسعود: “أنّ ذلك كان بعد أن خرج إلى الجنّ فقرأ عليهم، ثم أغفى عند الصبح، فجاءوا إليه حينئذ”، ويُجمع: بأنّ الرؤيا كانت على ما وصَف ابن مسعود، فلما رجع إلى منزله خرج على أصحابه فقصّها، وما عدا ذلك فليس بينهما منافاة؛ إذ وصْف الملائكة بـ “رجال حِسان”، يُشير إلى أنهم تشكّلوا بصورة الرجال.

وقد أخرج أحمد، والبزار، والطبراني، من طريق علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس نحو أوّل حديث سعيد بن أبي هلال، لكن لم يُسَمِّ الملَكيْن، وساق المَثل على غير سياق مَن تقدّم، فقال: ((إنّ مَثل هذا ومَثل أمّته كمَثَل قوم سُفْر انتهوْا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة، ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك؛ إذ أتاهم رجل، فقال: أرأيتم إن وردْتُ بكم رياضًا مُعشِبة، وحياضًا رواء، أتتّبعوني؟ قالوا: نعم، فانطلق بهم، فأوردهم، فأكلوا وشربوا وسمِنوا، فقال لهم: إنّ بين أيديكم رياضًا هي أعشَب من هذه، وحياضًا أروى من هذه، فاتّبعوني! فقالت طائفة: صدَق والله! لنتّبعنّه! وقالت طائفة: قد رضينا بهذا، نقيم عليه)).

قال ابن حجر: وهذا إن كان محفوظًا قوّى الحمل على التعدّد -أي: تعدّد القصة- إمّا للمنام، وإمّا لضرب المَثل، ولكن عليّ بن زيد ضعيف مِن قِبل حِفظه.

ز. حديث حذيفة: “يا معشر القرّاء!”:

قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة، قال: “يا معشر القُرّاء! استقيموا! فقد سبقتم سبْقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا، لقد ضللْتم ضلالًا بعيدًا”.

“سفيان” هو: الثوري، و”إبراهيم” هو: النخعي، و”همام” هو: ابن الحارث، ورجال السّند كلّهم كوفيّون.

قوله: “يا معشر القُرّاء!” -بضم القاف، وتشديد الراء، مهموز: جمع “قارئ”، والمراد بهم: العلماء بالقرآن والسُّنّة، العُبّاد.

وقوله: “استقيموا”، أي: اسلكوا طريق الاستقامة، وهي كناية عن التمسك بأمر الله تعالى فعلًا وترْكًا، وقوله: فيه: “سَبقتُم”، هو بفتح أوّله -كما جزم به ابن التين- وحكى غيره ضمّه، “سُبقتم”؛ والأوّل معتمد، وزاد محمد بن يحيى الذهلي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه: “فإن استقمتم، فقد سَبقتم”، أخرجه أبو نُعيم، في (المستخرج).

وقوله: “سبْقًا بعيدًا”، أي: ظاهرًا، ووصَفه بالبُعد؛ لأنه غاية شأو السابقِين، والمراد: أنه خاطَب بذلك مَن أدرك أوائل الإسلام، فإذا تمسّك بالكتاب والسُّنّة، سبَق إلى كلِّ خير؛ لأنّ من جاء بعده إن عمل بعمَله، لم يصل إلى ما وصل إليه مِن سَبْقه إلى الإسلام، وإلا فهو أبعَد منه حِسًّا وحُكمًا.

وقوله: “فإن أردتم يمينًا وشمالًا”، أي: خالفتم الأمر المذكور، وكلام حذيفة منتزَع من قوله تعالى: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153].

والذي له حُكم الرفع من حديث حذيفة هذا: الإشارة إلى فضل السابقِين الأولين من المهاجرين والأنصار، الذين مضَوا على الاستقامة، فاستُشهدوا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أو عاشوا بعده على طريقته، فاستُشهدوا أو ماتوا على فُرُشهم.

ح. حديث أبي موسى: ((إنما مَثلي ومَثل ما بعثني الله به، كمثَل رجُل)):

قال البخاري: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما مَثلي ومَثل ما بعثني الله به كمثَل رجُل أتى قومًا، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعينَيّ، وإني أنا النذير العريان؛ فالنجاء! النجاء! فأطاعه طائفة من قومه، فأدلَجوا، فانطلقوا على مَهَلهم، فنجَوْا، وكَذّبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مَثل مَن أطاعَني فاتّبع ما جئتُ به، ومثَل مَن عصاني وكذّب بما جئْتُ به)).

وصلة هذا الحديث بالباب واضحة، وهو: أنّ الطاعة التي ترتكز على الكتاب والسُّنّة تُنجي، وأنّ العِصيان يؤدِّي إلى الهلاك، سَواء أكان ذلك في الدنيا، أو في الآخرة.

وقوله: “بريد”، هو: ابن عبد الله بن أبي بردة، و”أبو بردة”، شيخه وجدّه، وهو: ابن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

وقوله: ((إني أنا النّذير العريان))، لها تفسيرات مختلفة، لكن الذي يمكن أن نختاره منها: أنّ رجلًا كان ناكحًا في آل زبيد، فأرادوا أن يغزوا قومه، وخشوا أن يُنذر بهم، فحرسَه أربعة نفر، فصادَف منهم غِرّة، فقذف ثيابه وعَدَا، وكان من أشد الناس عدْوًا، فأنذر قومه.

وقال غير هذا القائل: هذا الرأي، الأصل فيه: أنّ رجلًا لقي جيشًا، فسلبوه وأسروه، فانفلت إلى قومه، فقال: إني رأيت الجيش، فسَلبوني، فرأوه عريانًا، فتحقّقوا صِدْقه؛ لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتّهمونه في النصيحة، ولا جرَت عادته بالتعرِّي، فقطعوا بصِدقه لهذه القرائن.

وكذلك ما هنا، فقد كانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بصِدقه وأمانته قبل أن يوحَى إليه، فهم لا يشكُّون في ذلك، حتى وإن ظلّوا على الكفر، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه ولِما جاء به مثلًا بذلك، لِما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على القَطع بصِدقه؛ تقريبًا لأفهام المخاطَبين بما يألفونه ويعرفونه.

ويؤيِّده: ما أخرجه الرامهرمزي، في (الأمثال)، وهو عند أحمد أيضًا بسند جيِّد، من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: ((خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فنادَى ثلاث مرات: أيها الناس! مَثلي ومَثلكم، مَثل قوم خافوا عدوًّا أن يأتيهم، فبعَثوا رجلًا يتراءى لهم، فبينما هم كذلك؛ إذ أبصر العدوّ، فأقبل ليُنذر قومه، فخشي أن يدركه العدوّ قبل أن يُنذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس أُتيتم! ثلاث مرات)).

وأحسنُ ما فُسِّر به الحديث الذي معنا، بهذا الحديث الذي عند الرامهرمزي وعند أحمد -رحمهما الله- والله أعلم.

وقوله: ((فالنّجاءَ! النّجاءَ!))، منصوب على الإغراء، أي: اطلبوا النّجاء؛ بأن تُسرعوا الهَرب؛ إشارة إلى أنهم لا يُطيقون مقاومة ذلك الجيش، قال الطيبي: في كلامه أنواع من التأكيدات:

أحدها: ((بعينَيّ)).

ثانيها: قوله: ((وإنِّي إنا)).

ثالثها: قوله: ((العريان))؛ لأنه الغاية في قُرب العدوّ، ولأنه الذي يَختصّ في إنذاره بالصِّدق.

وقوله: ((فأطاعه طائفة))، كذا فيه، بالتذكير؛ لأنّ المراد: بعض القوم. ((فأدلَجوا))، أي: ساروا أوّل الليل، أو ساروا الليل كلّه، على الاختلاف في مدلول هذه اللفظة.

وقوله: ((على مَهَلهم))، بفتحتيْن، والمراد: به الهينة والسُّكون، وبفتح أوّله وسكون ثانيه: الإمهال، وليس مرادًا هنا.

وفي رواية مسلم: ((على مَهْلَتهم))، بزيادة تاء التأنيث، وضبَطه النووي بضمّ الميم، وسكون الهاء، وفتح اللام.

((وكذّبَتْه طائفة))، قال الطيبي: عبّر في الفرقة الأولى بالطاعة، وفي الثانية بالتكذيب؛ ليُؤذِن بأنّ الطاعة مسبوقة بالتّصديق، ويُشعر بأنّ التكذيب مستتبِع للعصيان.

((فصبّحهم الجيش))، أي: أتاهم صباحًا، هذا أصْله، ثم كثر استعماله حتى استُعمل فيمن طُرق بغتة في أيّ وقت كان.

((فاجتاحهم))، بجيم ثم بحاء مهمَلة، أي: استأصلهم، والاسم: الجائحة، وهي: الهلاك، وأطلقت على الآفة؛ لأنها مُهلكة.

قال الطيبي: شَبّه صلى الله عليه وسلم نفسه بالرجل، وإنذاره بالعذاب القريب، بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبِّح، وشبّه مَن أطاعه من أمّته ومَن عصاه، بمن كذّب الرجل في إنذاره ومَن صدّقه؛ وهو تشبيه تمثيل، وصورةٍ بصورة.

ط. حديث أبي هريرة: “في قصّة أبي بكر، في قتال أهل الرِّدّة”:

قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث، عن عقيل، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة قال: “لمّا توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستُخلِف أبو بكر بَعده، وكفَر مَن كفر مِن العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصَم مني ماله ونفسه إلَّا بحقِّه، وحسابه على الله؟))؛ فقال: والله لأقاتلنّ مَن فرّق بين الصلاة والزكاة! فإنّ الزكاة حقّ المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتَلْتُهم على منْعه! فقال عمر: فوالله ما هو إلَّا أن رأيتُ الله قد شرح صدرَ أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحق”.

قال البخاري: قال ابن بكير وعبد الله، عن الليث: “عَناقًا”، يعني: بدل “عِقالًا”.

قال البخاري: وهو أصحّ -يعني: “عناقًا”، أصحّ.

والشاهد منه: أنّ الذي يخالف الفروض، ويستحلّها، ويُنكرها، يُقاتَل عليها، كما قاتل أبو بكر رضي الله عنه مانِعي الزكاة، وأنّ هذا هو الحقّ الذي اتّفق عليه عمر، بعد مراجعة أبي بكر اتفق مع أبي بكر فيه، وقال: “فوالله ما هو إلَّا أن رأيتُ الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحق”.

وأنّ التمسك بالكتاب، والسُّنّة نجاة، ويَعصِم الدم والمال -والله أعلم.

ي. حديث ابن عباس: “فاستأذن لعُيينة”:

قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنّ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: “قدِم عيينة بن حِصن بن حذيفة بن بدر، فنزل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القُرّاء أصحاب مَجلس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبابًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي! هل لك وجْه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن لعُيينة، فلما دخل، قال: يابن الخطاب! والله ما تعطينا الجَزْل، وما تَحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ بأن يقع به، فقال الحُرّ: يا أمير المؤمنين! إنّ الله تعالى قال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} [الأعراف: 199]، وإنّ هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافًا عند كتاب الله”.

“عيينة بن حصن”، معدود في الصحابة، وكان في الجاهلية موصوفًا بالشجاعة، والجهل، والجفاء، وله ذِكر في المغازي، ثم أسلم في الفتح، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حُنينًا، فأعطاه مع المؤلّفة قلوبهم، وسمّاه النبي صلى الله عليه وسلم: الأحمق المطاع، وكان عيينة ممن وافق طُليحة الأسدي لمّا ادّعى النبوة، فلمّا غلبهم المسلمون في قتال أهل الرّدة، فرّ طليحة، وأُسر عيينة، فأتِي به أبو بكر، فاستتابه فتاب، وكان قدومه إلى المدينة على عمر بعد أن استقام أمره، وشهد الفتوح، وفيه مِن جفاء الأعراب شيء.

وقوله: “على ابن أخيه الحرّ”، وعن مالك: “قدِم عيينة بن حصن المدينة، فنزل على ابن أخٍ له أعمى، فبات يصلِّي، فلما أصبح غَدَا إلى المسجد، فقال عيينة: كان ابن أخي عندي أربعين سنة لا يطيعني، فما أسرع ما أطاع قريشًا”، وفي هذا إشعار بأنّ أبا الحرّ مات في الجاهلية، وكان الحرّ مع عمّه.

قوله: “وكان من النّفر الذين يُدنيهم عمر”، بيّن بعد ذلك السبب بقوله: “وكان القرّاء -أي: العلماء العُبّاد- أصحاب مجلس عمر”؛ فدلّ على أنّ الحُرّ كان متّصفًا بذلك، وتقدّم في آخر سورة “الأعراف”، ضبط قوله: “أو شُبانًا”، وأنه بالوجهين: شَبابًا، وشُبّانًا.

وقوله: “ومشاورته”، بالشين المعجمة، وبفتح الواو، ويجوز كسرها. وقول عيينة: “هل لك وجْه عند هذا الأمير”، هذا من جملة جفاء عيينة؛ إذ كان من حقِّه أن يَنعته بأمير المؤمنين، ولكنه لا يعرف منازل الأكابر.

وقوله: “فتستأذن لي عليه”، أي: في خلوة، وإلَّا فعمر كان لا يحتجب إلا وقت خلْوته وراحته، ومن ثَم قال له: “سأستأذن لك عليه”، أي: حتى تجتمع به وحدك.

وقوله: “فلما دخل، قال: يا ابن الخطاب”؛ وقوله هذا: “يا ابن الخطّاب”، أيضًا من جفائه؛ حيث خاطبه بهذه المخاطبة.

وقوله: “والله ما تعطينا الجَزْل”، أي: الكثير، وأصْل “الجزل”: ما عَظُم من الحَطب.

قوله: “حتى همّ بأن يقع به”، أي: يضربه، وفي رواية: “حتى همّ أن يوقِع به”، فقال الحرّ: يا أمير المؤمنين”، وهذا يقتضي أن يكون من رواية ابن عباس عن الحرّ، وأنه ما حَضر القصة؛ بل حملها عن صاحبها، وهو الحرّ، وعلى هذا، فينبغي أن يترجم للحُرّ في رجال البخاري.

قال ابن حجر: ولم أر مَن فَعله.

قال الحرّ: “إنّ الله تعالى قال لنبيّه…”، فذَكر الآية الكريمة: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين}، ثم قال: “وإنّ هذا من الجاهلين”، أي: فأعرِضْ عنه، قال: “فوالله ما جاوزها”، معنى “ما جازوها”: ما عمِل بغير ما دلّت عليه؛ بل عمِل بمقتضاها؛ ولذلك قال: “وكان وقّافًا عند كتاب الله”، أي: يعمل بما فيه ولا يتجاوزُه، وفي هذا تقوية لما ذهب إليه الأكثرون: أنّ هذه الآية مُحكَمة.

قال الطبري، بعد أن أورد أقوال السلف في ذلك، وأنّ منهم من ذهب إلى أنها منسوخة بآية القتال، قال: والأوْلى بالصواب: أنها غير منسوخة؛ لأنّ الله أتبَع ذلك تعليمَه نبيّه مُحاجّة المشركين، ولا دلالة على النسخ؛ فكأنها نزلت لتعريف النبي صلى الله عليه وسلم عِشرة مَن لم يؤمَر بقتاله من المشركين، أو أريد به: تعليم المسلمين، وأمْرهم بأخذ العفو من أخلاقهم، فيكون تعليمًا من الله لخَلقه صفة عِشرة بعضهم بعضًا، فيما ليس بواجب، فأمّا الواجب، فلا بدّ مِن عمله فعلًا، أو تركًا.

وقال الراغب الأصبهاني: {خُذِ الْعَفْوَ}، معناه: خذ ما سَهُل تناوُله. وقيل: تعاطَ العفو مع الناس، والمعنى: خُذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وسَهل من غير كلَفة، ولا تطلبْ منهم الجهد، وما يشقّ عليهم؛ حتى لا ينفروا، وهو كحديث: ((يَسِّروا ولا تُعسِّروا)).

ومنه قول الشاعر:

خُذِي العفو منِّي تَستدِيمي مودّتي

*ولا تَنطقي في سَوْرَتي حِين أغضَبُ

وأخرج ابن مردويه من حديث جابر، وأحمد، من حديث عقبة بن عامر: ((لمّا نزلت هذه الآية، سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم جبريلَ، فقال: يا محمد، إنّ ربّك يأمرك أن تصِل مَن قَطَعك، وتُعطي مَن حَرمك، وتَعفو عمن ظلمك، فقال صلى الله عليه وسلم: ألَا أدُلّكم على أشرف أخلاق الدنيا، والآخرة؟ قالوا: وما ذلك؟ فذَكَره)).

قال الطيبي ما ملخّصه: أمَر الله نبيّه في هذه الآية بمَكارم الأخلاق، فأمر أمّته بنحو ما أمره الله به، ومحصّلهما: الأمر بحُسن المعاشرة مع الناس، وبذل الجهد في الإحسان إليهم، والمداراة معهم، والإغضاء عنهم.

ومعنى “العُرف”، أي: المعروف والخير بين الناس -والله أعلم.

ك. حديث عائشة: “في فتنة القبر”:

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء ابنة أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: “أتيتُ عائشة حين خسفت الشمس، والناس قيام، وهي قائمة تصلِّي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها نحو السماء، فقالت: سبحان الله! فقلت: آية؟ قالت برأسها: أن نَعم، ((فلمّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما من شيء لم أره إلَّا وقد رأيتُه في مَقامي هذا، حتى الجنة والنار، وأوحي إليّ: أنكم تُفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدّجّال، فأمّا المؤمن أو المسلم -لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء- فيقول: محمد جاءنا بالبيِّنات، فأجبناه وآمنّا، فيُقال: نَم صالحًا، علِمنا أنك موقِن. وأمّا المنافق أو المرتاب -لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء- فيقول: لا أدري! سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه)).

وقوله: ((فأجبْنا وآمنّا))، أي: فأجبنا محمدًا، وآمنّا بما جاء به، وأطعْناه، وهذا هو موضع تعلُّق هذا الحديث بالترجمة التي عند البخاري، وهي: باب: الاقتداء بسُننه صلى الله عليه وسلم.

وهذا الحديث يُثبت فتنة القبر، فأما المؤمن فناجٍ، وأمّا المنافق والكافر أيضًا، فغير ناجٍ، ولم يَذكر الكافر؛ لأنّ المنافق كافر، فيُفهم منه أيضًا أنّ المنافق يُجيب ما يجيب به المنافق.

وفي هذا أيضًا: ما يُثبت أنّ اتّباع سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه من الكتاب والسُّنّة، فيه نجاة من فتنة القبر التي هي فتنة عظيمة، قريبة من فتنة الدّجّال -كما ثبت في هذا الحديث.

ل. حديث أبي هريرة: ((دَعوني ما تركْتُكم…)):

قال البخاري: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((دعُوني ما تركْتُكم؛ فإنما أهلَك مَن كان قبْلكم سؤالُهم، واختلافُهم على أنبيائهم، فإذا نهَيْتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمَرْتُكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم)).

قول البخاري: حدثنا “إسماعيل”، هو: ابن أبي أويس، كما جزم به الحافظ أبو إسماعيل الهروي، وذَكر في كتابه (ذمّ الكلام): أنه تفرّد به عن مالك، وتابعه على روايته عن مالك عبد الله بن وهب؛ كذا قال. وقد ذَكر الدارقطني معهما إسحاق بن محمد الفروي، وعبد العزيز الأويسي، وهما من شيوخ البخاري، وأخرجه في “غرائب” مالك التي ليست في (الموطأ)، من طُرق هؤلاء الأربعة، ومن طريق أبي قرة موسى بن طارق، ومن طريق الوليد بن مسلم، ومن طريق محمد بن الحسن الشيباني -صاحب أبي حنيفة- ثلاثتهم عن مالك أيضًا، فكمُلوا سبعة.

ولم يُخرِج البخاري هذا الحديث إلَّا في هذا الموضع، من رواية مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.

وأخرجه مسلم من رواية المغيرة بن عبد الرحمن، وسفيان وأبو عوانة من رواية ورقاء، ثلاثتهم عن أبي الزناد، ومسلم من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ومن رواية همام بن منبه، ومن رواية أبي صالح، ومن رواية محمد بن زياد.

وأخرجه الترمذي من رواية أبي صالح؛ كلّهم عن أبي هريرة.

قال ابن حجر: وسأذكر ما في روايتهم من فائدة زائدة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((دَعُوني ما تركْتُكم!))، وفي رواية مسلم: ((ذَروني))، وهي بمعنى: ((دَعوني)).

وذَكر مسلم سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد؛ فقال: عن أبي هريرة: ((خطبَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس! قد فرَض الله عليكم الحجّ فحُجّوا، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلتُ: نَعم، لوَجبَتْ، ولَمَا استطعتم، ثم قال: ذَروني ما ما تركْتُكم!))، الحديث.

وأخرجه الدارقطني مختصرًا، وزاد فيه: “فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]”، وله شاهد عن ابن عباس عند الطبري، في (التفسير)، وفيه: ((لو قلتُ: نعم، لوجَبتْ، ولو وجبتْ لما استطعتم، فاتركوني ما تركْتُكم!))، وفيه: “فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}”.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما تركْتُكم))، أي: مدّة تركي إياكم بغير أمر بشيء، ولا نهي عن شيء؛ وإنما غاير بين اللفظيْن، في قوله: ((دَعوني))، أو ((ذَرُوني))، وقوله: ((ما تركتُكم))؛ لأنهم أماتوا الفعل الماضي، واسم الفاعل منهما، واسم مفعولهما، وأثبتوا الفعل المضارع؛ وهو “يَذَر”، وفعل الأمر؛ وهو “ذَرْ”، ومثله: “دَعْ”، و”يَدَع”، ولكن سُمع “وَدَع”، كما قُرئ به في الشاذ، في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضُّحى: 3]، قرأ بذلك إبراهيم بن أبي عبلة وطائفة.

والمراد بهذا الأمر: ترْك السؤال عن شيء لم يقع؛ خشيةَ أن ينزل به وجوبُه أو تحريمُه، وعن كثرة السؤال لِما فيه غالبًا من التعنّت، وخشية أن تقع الإجابة بأمرٍ يُستثقل؛ فقد يؤدِّي لترْك الامتثال، فتقع المخالفة.

وكأنه يقول لهم: لا تُكثروا التنقيب عن ذلك؛ لأنه قد يُفضي إلى مِثْل ما وقع لبني إسرائيل؛ إذ أُمِروا أن يذبحوا البقرة، فلو ذبحوا أيّ بقرة كانت لامتَثلوا، ولكنهم شدّدوا فشُدِّد عليهم. وبهذا تَظهر مناسبة قوله: ((فإنّما هلك مَن كان قبْلَكم…)) إلخ، بقوله: ((ذروني ما تركْتُكم!)).

وقد أخرج البزار، وابن أبي حاتم، في (تفسيره)، من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((لو اعتَرض بنو إسرائيل أدنى بقرة فذبحوها لكفَتْهُم، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم)).

وفي السند عبّاد بن منصور، وحديثه من قبِيل الحسن، وأورده الطبري عن ابن عباس، موقوفًا، وعن أبي العالية، مقطوعًا.

واستُدلّ به على: أن لا حُكم قبل ورود الشرع، وأنّ الأصل في الأشياء عدم الوجوب.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإنما أهلك من كان قبْلَكم))؛ ((أهلَك)) بفتحات، وقال: بعد ذلك: ((سُؤالُهم))، بالرفع، على أنه فاعل: ((أهلك))، وفي رواية عند البخاري في هذا الحديث: ((أُهلِك))، بضم أوّله وكسر اللام، وقال بعد ذلك: ((بِسؤالهم))، أي: بسبب سؤالهم، وقوله: ((واختلافُهم)) بالرفع وبالجرّ -على الوجهيْن- يعني: إذا كان معطوفًا على المرفوع فهو مرفوع، وإذا كان معطوفًا على: ((بسؤالهم))، فهو مجرور.

ووقع في رواية همام عند أحمد بلفظ: ((فإنما هلَك))، وفيه: ((بسؤالهم))، ويتعيّن الجر في: ((واختلافِهم))، وفي رواية الزهري: ((فإنما هلَك))، وفيه: ((سؤالُهم))، ويتعيّن الرفع في: ((اختلافُهم)). وأما قول النووي، في (أربعينه): ((واختلافُهم))، برفع الفاء، لا بكسرها، فإنه باعتبار الرواية التي ذَكرها، والتي هي من طريق الزهري.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا نهَيْتُكم عن شيء فاجتنبوه!))؛ هذا النهي عامّ على جميع المناهي، ويُستثنى من ذلك: ما يُكرَه المكلّف على فِعله، كشُرب الخمر؛ وهذا على رأي الجمهور.

وخالف قوم، فتمسّكوا بالعموم، فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يُبيحها، والصحيح: عدم المؤاخذة إذا وُجدت صورة الإكراه المعتبَرة.

واستدلّ به على مَن قال: لا يجوز التداوي بشيء محرّم كالخمر، ولا دفْع العطش به، ولا إساغة لقمة مَن غُصّ به.

والصحيح عند الشافعية: إساغة لقمة من غُصّ به؛ حِفظًا للنفس، فصار كأكل المَيتة لمنِ اضطرّ، بخلاف التداوي، فإنه ثبت النهي عنه نصًا، ففي مسلم عن أبي وائل، رفَعه: ((إنه ليس بدواء، ولكنه داء!)). ولأبي داود عن أبي الدرداء، رفعه: ((ولا تداوَوْا بحرام)).

وله عن أم سلمة، مرفوعًا: ((إنّ الله لم يجعل شفاءَ أمّتي فيما حرّم عليهم)).

أمّا العطش، فإنه لا ينقطع بشربها، فلا يحِلّ شُربها في حالة العطش؛ ولأنه في معنى التداوي المنهيّ عنه.

قال ابن حجر: والتحقيق: أنّ الأمر باجتناب المنهيّ على عمومه، ما لم يُعارضه إذْن في ارتكاب منهي، كأكل الميْتة للمضطر.

وقال بعض العلماء: لا يُتصوّر امتثال اجتناب المنهي حتى يترك جميعَه، فلو اجتنب بعضه لم يُعَدّ ممتثِلًا، بخلاف الأمر -يعني: المطلَق- فإنّ مَن أتى بأقلّ ما يَصدق عليه الاسم، كان ممتثلًا.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا أمرْتُكم بشيء))، وفي رواية مسلم: ((بأمْر فأْتوا منه ما استطعْتم))، أي: افعلوا قدْر استطاعتكم.

قال النووي: هذا من جوامع الكلِم، وقواعد الإسلام، ويدخل فيه كثير من الأحكام، كالصلاة لِمن عجز عن ركن منها أو شرط، فيأتي بالمقدور، وكذا الوضوء، وستر العورة، وحِفظ بعض الفاتحة، وإخراج بعض زكاة الفطر لمن لم يقدر على الكلّ، والإمساك في رمضان لمن أفطر بالعذر ثم قدَر في أثناء النهار، إلى غير ذلك.

واستُدلّ بهذا بالحديث على: أنّ اعتناء الشرع بالمنهيّات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنه أطلَق الاجتناب في المنهيات -ولو مع المشقّة في الترك- وقيّد في المأمورات بقَدْر الطاقة، وهذا منقول عن الإمام أحمد، فإن قيل: إنّ الاستطاعة معتبَرة في النهي أيضًا؛ إذ لا يُكلّف الله نفسًا إلا وُسعها! فجوابه: أنّ الاستطاعة تُطلق باعتباريْن.

قال الإمام ابن حجر: كذا قيل، والذي يظهر: أنّ التقييد في الأمر بالاستطاعة، لا يدلّ على المدّعى من الاعتناء به؛ بل هو من جهة الكفّ؛ إذ كل أحدٍ قادر على الكفّ، لولا داعية الشهوة مثلًا، فلا يُتصوّر عدم الاستطاعة عن الكف في المنهي؛ بل كلّ مكلّف قادر على الترك، بخلاف الفعل في الأوامر، فإنّ العجز عن تعاطيه محسوس؛ فمِن ثم قيّد في الأمر بحسب الاستطاعة، دون النهي.

وعبّر الطوفي، في هذا الموضع: بأنّ ترْك المنهي عنه عبارة عن استصحاب حال عدَمه، أو الاستدلال على عَدمه، وفِعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود.

وقال الماوردي: إنّ الكفّ عن المعاصي ترْك، وهو سهل، وعمل الطاعة فِعل، وهو يشُقّ؛ فلذلك لم يُبح ارتكاب المعصية، ولو مع العذر؛ لأنه ترْك، والترك لا يَعجز المعذور عنه، وأباح ترْك العمل بالعذر؛ لأنّ العمل قد يَعجز المعذور عنه.

وادّعى بعضهم أنّ قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، يتناول امتثال المأمور، واجتناب المنهي، وقد قُيِّدا بالاستطاعة، واستويا –الأمر، والنهي- فحينئذٍ تكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي: أنّ العجز يكثر تصوّره في الأمر، بخلاف النهي، فإنّ تصوّر العجز فيه محصور في الاضطرار.

وزعم بعضهم: أنّ قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، نُسخ بقوله تعالى: {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، والصحيح: أن لا نسْخ؛ بل المراد بـ {حَقَّ تُقَاتِهِ}: امتثال أمره، واجتناب نهْيِه، مع القدرة لا مع العجز.

واستُدلّ به على أنّ المكروه يجب اجتنابه؛ لعموم الأمر باجتناب المنهيّ عنه؛ فشمل الواجب، والمندوب.

واستُدلّ به على النهي عن كثرة المسائل، والتّعمّق في ذلك.

قال البغوي، في (شرح السنة): المسائل على وجهيْن:

أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يُحتاج إليه من أمْر الدِّين، وهو جائز؛ بل مأمور به، لقوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43]. وعلى ذلك يُتنزّل أسئلة الصحابة عن الأنفال، والكلالة، وغيرهما.

ثانيهما: ما كان على وجْه التعنُّت والتكلُّف، وهو المراد في هذا الحديث.

ويؤيِّده: ورود الزّجر في الحديث عن ذلك، وذمّ السّلف، فعند أحمد من حديث معاوية: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات)).

قال الأوزاعي: هي شداد المسائل، وقال أيضًا: إنّ الله إذا أراد أن يَحرم عبده بركة العلْم، ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتُهم أقلّ الناس عِلمًا.

وقال ابن وهب: سمعت مالكًا، يقول: المِراء يُذهب بنور العلْم مِن قلب الرجل.

error: النص محمي !!