Top
Image Alt

باب الانحراف بعد السلام، وباب جواز عقد التسبيح باليد

  /  باب الانحراف بعد السلام، وباب جواز عقد التسبيح باليد

باب الانحراف بعد السلام، وباب جواز عقد التسبيح باليد

أ. باب الانحراف بعد السّلام:

حديث سمرة، وحديث البراء بن عازب:

عن سَمُرة قال: ((كان النبي صلى الله عليه  وسلم إذا صلّى صلاة أقبَل علينا بوجْهه)). رواه البخاري.

وقال: وعن البراء بن عازب قال: (( كنا إذا صلّينا خَلْف رسول الله صلى الله عليه  وسلم, أحبَبْنا أن نكون عن يمينه، فيُقبل عليْنا بوجْهه)). رواه مسلم وأبو داود.

الحديث الأوّل ذَكَره البخاري في: “الصلاة” بهذا اللفظ: ((كان النبي صلى الله عليه  وسلم إذا صَلّى صلاة أقبل علينا بوجْهه))، وذكَره في “الجنائز” مطوّلًا. ‌

وهو يدل على مشروعية استقبال الإمام للمؤتمِّين بعد الفراغ من الصلاة. ويدلّ على الاستمرار والمواظبة على ذلك، لما يُشعر به لفظ: ((كان)), كما تقرّر في الأصول: أنّ “كان” تفيد الاستمرار. قال النووي -رحمه الله-: “المختار الذي عليه الأكثرون والمحقِّقون من الأصوليِّين: أنّ لفظة: ((كان)). لا يلزمها الدّوام ولا التكرار, وإنما هي فِعْل ماض تدلّ على وقوعه مرّة”. انتهى.

قيل: والحكمة في استقبال المُؤتمِّين: أنْ يُعلّمهم ما يحتاجون إليه؛ وعلى هذا يُختصّ بمن كان في مثل حاله صلى الله عليه  وسلم من الصالحية للتعليم والموعظة.

وقيل: الحكمة: أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة؛ إذْ لو استمرّ الإمام على حاله, لأوهم أنه في التشهد مثلًا. وهذا إذا قيل في زمان رسول الله صلى الله عليه  وسلم أو في زمان السّلف الصالح -رضوان الله عليهم- فلا يصلح لزماننا هذا، لأنّهم كانوا يتقيّدون بانصراف الإمام فينصرفون معه أو بعده, أما الآن فكثير من المأمومين يَنْصرف مباشرة بعد سلام الإمام، سواء أكان الإمام جالسًا أو غير جالس -والله المستعان.

والحديث الثاني -وهو: حديث البراء بن عازب. قال: ((كنّا إذا صلّينا خَلْف رسول الله صلى الله عليه  وسلم، أحبَبْنا أن نكون عن يمينه، فيُقبل علينا بوجهه)), الذي رواه مسلم وأبو داود، هذا الحديث يدلّ على أنّ النبي صلى الله عليه  وسلم كان يُقبل على مَن في جِهَة المَيْمنة.

ويُمكن الجمع بين الحديثَيْن -حديث سمُرة: أنه كان يُقبل على الجميع, وحديث البراء: الذي كان يُقبل على من في المَيْمنة, الجمع بين الحديثين مُمكن.

ومن أحاديث الباب: ما أخرجه البخاري عن أنس قال: ((أخَّرَ رسول الله صلى الله عليه  وسلم الصلاة ذات ليلة إلى شَطْر الليل, ثم خرج علينا. فلما صلّى أقبل علينا بوجهه…)). ويُمكن أنْ يُقال في هذا الحديث ما قيل في الحديث السابق؛ فإنه أقبل عليهم بوجهه ليقول لهم كلامًا على غير العادة في أنه يُقبل على المصلِّين بوجهه أو ناحية اليمين في غير ما يكون فيه كلام من الإمام, كما هو في كثير من الأحوال.‌

جـ. باب جواز عقد التسبيح باليد، وعدّه بالنوى ونحوه:

حديث يسيرة:

أورد الإمام مجد الدين ابن تيمية في هذا الباب ثلاثة أحاديث:

الحديث الأوّل: قال عن يسيرة وكانت من المهاجرات, قالت: قال لنا رسول اللهصلى الله عليه  وسلم : ((عليْكنّ بالتهليل والتسبيح والتقديس, ولا تغفَلْن فتنْسيْن الرحمة. واعقدْن بالأنامل، فإنهنّ مسئولات مستنطَقات)). رواه أحمد والترمذي وأبو داود.

وعن سعد بن أبي وقاص: أنه دَخَل مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم على امرأة وبين يديْها نَوًى أو حَصًى تُسبّح به, فقال: ((ألا أخبركِ بما هو أيسرُ عليكِ من هذا، أو أفضل؟ سبحان الله عدد ما خلَق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلَق في الأرض, وسبحان الله عدد ما بين ذلك, وسبحان الله عدد ما هو خالق. والله أكبر مثْل ذلك، والحمد لله مثل ذلك, ولا إله إلا الله مثل ذلك, ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك)). رواه أبو داود والترمذي.

وعن صفيّة قالت: ((دَخَل عليّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم وبين يَدَيّ أربعة آلاف نواة أسبِّح بها, فقال: لقد سبّحتِ بهذا؟ ألاَ أعلِّمك بأكثر ممّا سبّحتِ به؟ فقالت: علّمني! فقال: قولي: سبحان الله عدد خلْقه)). رواه الترمذي.

قال الحافظ الشوكاني في هذه الأحاديث الثلاثة:

أما الحديث الأول: وهو حديث يسيرة: رواه أحمد والترمذي وأبو داود،

وأما الحديث الثاني: وهو حديث سعد بن أبي وقاص أنه دَخَل مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم على امرأة وبين يديْها نَوًى أو حَصًى تُسبّح به, فقال: ((ألا أخبركِ بما هو أيسرُ عليكِ من هذا، أو أفضل؟…)) الحديث، هذا الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه وابن حبان, والحاكم وصحّحه السيوطي.

والحديث الأول: يدلّ على مشروعية عَقْد الأنامل بالتسبيح, وقد أخرجه أبو داود والترمذي وحسّنه, والنسائي والحاكم وصحّحه, عن عمْرو أنّه قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يَعْقد التسبيح)), زاد في رواية لأبي داود وغيره: ((بيمينه)). وقد عَلّل رسول الله صلى الله عليه  وسلم ذلك في حديث الباب بأنّ الأنامل مسئولات مستنطقات -يعني: أنهنّ يشهدن بذلك؛ فكان عَقْدُهنّ بالتسبيح من هذه الحيثية أوْلى من السّبحة والحصى.

والحديثان الآخران -أي الثاني والثالث: يدلان على جواز عدّ التسبيح بالنوى والحصى, وكذا بالسُّبحة، لِعَدم الفارق، لتقريره صلى الله عليه  وسلم للمرأتيْن على ذلك وعدم إنكاره. وإن كان أرشد إلى ما هو أفضل، فهذا لا ينافي الجواز. والسّبحة آلة تُستخدم لعدِّ ما نَدَب الشارع إليه؛ فهي وسيلة لمقصود وهو: الذِّكر من تكبير وتسبيح وتهليل ونحوه… وقد تقرّر أنّ للوسائل حكمَ المقاصد, والعقد بالأنامل طريقة من طُرق العدِّ.

فالحديث فيه إرشاد لطريقة من طُرق العدّ, وليس فيه مَنْع لأيّ طريقة أخرى كالسّبحة أو غيرها؛ فلا حَصْر في الحديث. فإنْ قيل: الأنامل مسئولات مستنطَقات, أجيب: وكذلك السبحة والنوى والحصى وكل شيء, قال الله تعالى: {قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون} [فصلت: 21].

أ. باب النهي عن الكلام في الصلاة:

1. حديث زيد بن أرقم:

عن زيد بن أرقم قال: ((كنا نتكلّم في الصلاة، يُكلِّم الرّجل منّا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة, حتى نزلت: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِين} [البقرة:238], فأُمِرْنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام)). رواه الجماعة إلّا ابن ماجه. وللترمذي فيه: ((كنّا نتكلّم خلْف رسول الله صلى الله عليه  وسلم في الصلاة)). قال الترمذي: “حسن صحيح”.

وفي الباب عن جابر بن عبد الله عند الشيْخيْن، وعن عمار عند الطبراني, وعن أبي أمامة عند الطبراني أيضًا, وعن أبي سعيد عند البزار، وعن معاوية بن الحكم وابن مسعود وسيأتيان قريبًا. ‌

والحديث يدلّ على تحريم الكلام في الصلاة، لا خِلاف بين أهل العلْم أنّ مَن تكلّم في صلاته عامدًا عالِمًا فَسدَتْ صلاته. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلْم على: أنّ مَن تكلّم في صلاته عامِدًا, وهو لا يريد إصلاح صلاته، أنّ صلاته فاسدة. وإنّما اختلفوا في كلام الساهي والجاهل.

وقد حكى الترمذي عن أكثر أهل العلْم أنّهم سوّوْا بين كلام النّاسي والعامد والجاهل. وإليه ذَهَب الثوري وابن المبارك, حكى ذلك الترمذي عنهما. وبه قال النخعي -إبراهيم النخعي, وحماد ابن أبي سليمان، وأبو حنيفة. وهو إحدى الروايتَيْن عن قتادة, وإليه ذَهَب الهادوية.

وقوله في الحديث: ((حتى نزلت: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِين})): فيه إطلاق القنوت على السكوت.

قال زين الدين العراقي في (شرح الترمذي): وذَكَر ابن العربي أنّ له عشرة معان. قال: وقد نظمْتُها في بَيْتيْن بقولي:

ولفْظ القنوتِ اعْددْ معانيه تجدْ

*مزيدًا على عشرِ معاني مُرضية

دعاءٌ خُشوعٌ والعبادةُ طاعةٌ

*إقامتُها إقرارُنا بالعبودِية

سُكوت صلاة والقيام وطولُه

*كذا داوم الطاعة الرابح ألْفيه

وقيل: ((أُمِرْنا بالسكوت)) أي: أُمِرْنا بترك الكلام.

وقوله: ((ونُهينا عن الكلام)): هذه الزيادة ليست للجماعة, كما يُشعر به كلام المصنِّف مجد الدين, إنما زادها مسلم وأبو داود. وقد استُدلّ بزيادتها على مسألة أصولية.

قال المصنِّف ابن تيمية، بعد أن ساق الحديث: وهذا يدلّ على أنّ تحريم الكلام كان بالمدينة بعد الهجرة, لأنّ زيدًا مدنيّ، وقد أخبر أنّهم كانوا يتكلّمون خَلْف رسول الله صلى الله عليه  وسلم في الصلاة إلى أن نُهوا. انتهى كلام المصنِّف.

ب. باب حمْد الله في الصلاة لِعُطاس، أو حدوث نعْمة:

حديث رفاعة بن رافع:

عن رفاعة بن رافع, قال: ((صلّيت خَلْف رسول الله صلى الله عليه  وسلم فعطستُ, فقلت: “الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحبّ ربُّنا ويرضى”. فلمّا صلّى النبي صلى الله عليه  وسلم قال: مَن المتكلِّم في الصلاة؟ فلم يتكلّم أحد. ثم قالها الثانية، فلم يتكلّم أحد. ثم قالها الثالثة، فقال رفاعة: أنا، يا رسول الله. فقال: والذي نفسي بيده! لقد ابتدَرها بضع وثلاثون ملَكا أيّهُم يصعد بها)). رواه النسائي والترمذي.

الحديث أيضًا أخرجه البخاري، ولفظه: عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: ((كنّا نصلِّي يومًا وراء النبي صلى الله عليه  وسلم، فلمّا رَفَع رأسه من الركعة قال: “سمع الله لِمَن حمِده”. فقال رجل من ورائه: “ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه”. فلما انصرف قال: من المتكلِّم؟ قال: أنا. قال: رأيت بضعًا وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها أيّهم يكتبها أوّل)). ولم يذكر العطاس، ولا زاد: ((كما يُحبّ ربنا ويرضى)).

وقوله: ((بِضْع)): “البِضع”: ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس, أو ما بين الواحد إلى الأربعة, أو من أربع إلى تسع أو سبْع, كذا في (القاموس). وقوله: ((أيّهم يصعد بها)) في رواية البخاري: ((يكتبها)): ((أيّهم يكتبها))، وفي رواية للطبراني: ((يرفعها)) -يعني: ((أيهم يَرفعها)), وهي مثل: ((يصعد بها)). قال الحافظ : “وأمّا ((أيّهم)) فرويناه بالرفع، وهو: مبتدأ، خبره أيّهم يكتبها”.

والحديث استُدلّ به على جواز إحداث ذِكْر في الصلاة غير مأثور, إذا كان غير مخالفٍ للمأثور, وعلى جَواز رَفْع الصوت بالذِّكر, وتُعقّب بأن سماعه صلى الله عليه  وسلم لصوت الرجل لا يستلزم رفعَه لصوته، وفيه نظر.

ويدلّ الحديث أيضًا على مشروعية الحمد في الصلاة لمَن عطس, ويؤيّد ذلك عموم الأحاديث الواردة بمشروعيّته؛ فإنها لم تُفرّق بين الصلاة وغيرها.‌

error: النص محمي !!