Top
Image Alt

باب: التعديل بين الأولاد في العطية

  /  باب: التعديل بين الأولاد في العطية

باب: التعديل بين الأولاد في العطية

وهو أيضًا مما تضمنه باب الهبة والهدية التعديل بين الأولاد في العطية والهبات، ويتناسب مع هذا العنصر ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن النعمان بن بشير رضي الله  عنهما قال: أعطاني أبي عطيةً. فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهِد رسول الله صلى الله عليه  وسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه  وسلم: ((أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟)) قال: لا. قال: ((فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)) قال: فرجع فرد عطيته.

هذا الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير، وهي قصة مشهورة، والنعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة، أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد الأنصاري، صحابي جليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأبوه -بشير- صحابي أيضًا، وكان أبوه ممن شهد البيعة وبدرًا.

أما أمه فهي عمرة بنت رواحة بن ثعلبة، وعمرة بنت رواحة هي أخت عبد الله بن رواحة الصحابي الجليل المشهور، وهي التي سألت بشيرًا أن يخص ابنها منه بعطية من ماله، فماطلها بشير مدة تزيد عن السنة، ولكنها ألحت عليه، وكثر الطلب منها إليه، فلما أكثرت عليه وهبها غلامًا، وقيل: حديقة، ولكنها أرادت تثبيت العطية، فقالت لزوجها: لا أرضى حتى تُشهد عليها رسول الله صلى الله عليه  وسلم فأخذ بشير ولده النعمان حتى أتى النبي صلى الله عليه  وسلم فقال: يا رسول الله، إني نحلت ابني نِحلة؛ أي أعطيت ابني عطية، فأبت أمه قبولها إلا أن أُشْهِدَك عليها يا رسول الله، فقال: ((هل لك ولد غيره)) قال: نعم. قال: ((أكل أولادك أعطيتهم مثله؟)) قال: لا. فقال صلى الله عليه  وسلم: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)).

هذا؛ وقد اختلف العلماء في ضوء هذا الحديث النبوي الكريم في حكم تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية، وهذا الحديث حديث ينبغي أن نعتني به، وبخاصة في أزماننا هذه، فإن كثيرًا من الناس يخصون بعض أولادهم ببعض العطايا دون بعض، وهذا يؤدي إلى التقاطع بين الإخوة، ويؤدي إلى الشحناء والبغضاء، والإسلام حث على جمعِ الشمْلِ وعلى وحدة الأسر المسلمة، ولأجل هذا وقف العلماء مع هذا الحديث.

فذهب فريق من العلماء إلى وجوب التسوية في العطية بين الأبناء؛ إذا ما أراد أحد أن يخص أحد أبنائه بعطية فيجب عليه أن يُسَوِّيَ في العطية بين أبنائه، وممن ذهب إلى ذلك إسحاق وأحمد وبعض المالكية، وتمسكوا بظاهر الروايات لقولهصلى الله عليه  وسلم في الحديث الذي بين أيدينا ((فأرجعه)) أي: فرد عطيتك، ولمسلم عن ابن شهاب ((فاردده)) وللنسائي من طريق عروة مثله، وفي رواية الشعبي ((فرجع فرد عطيته)) وفي رواية ابن حبان قال: ((لا تشهدني على جور)) والجور: هو الميل عن الحق إلى الباطل، وهو الظلم بعينه، وفي رواية المغيرة عند مسلم: ((اعدلوا بين أولادكم في النحل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر))، فإن الشخص كما يحب أن يبره أبناؤه، فينبغي عليه أن يعدل بينهم.

وعند أحمد في مسنده: ((إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل يبنهم، فلا تشهدني على جور)) قال الحافظ ابن حجر: واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد، وهو وجوب التسوية في عطية الأولاد عند من تمسكوا به، وبه صرح البخاري أيضًا فقال: “وإذا أعطى بعضَ ولده شيئًا لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخر مثله”، وقال النبي صلى الله عليه  وسلم: ((اعدلوا بين أولادكم في العطية)) وفي (المغني): إذا فاضل بين ولده في العطية أمر برده، كما أمر النبيصلى الله عليه  وسلم.

وبناء عليه، فإن هذه النصوص السالفة الذكر تدل على تحريم تفضيل بعض الأبناء على بعض، كما تدل على وجوب التسوية بينهم في العطايا، ولكن هذا إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل، فإن خص بعضهم بعطية أو فاضل بينهم أثم، ووجب عليه التسوية بأحد أمرين: إما رد ما فضل به البعض. وإما إتمام نصيب الآخر.

أما إذا كان هناك داعٍ للتفضيل لمعنى يقتضي تخصيصه، فلا مانع، كأن يكون أحد الأبناء به علة أو أن يكون أحد الأبناء عنده عيال كثيرون، أو أن يكون أحد الأبناء محتاجًا لحاجة ما؛ ففي هذه الحالة يجوز للأب أن يخص بعض أبنائه، قال أحمد: ما لم يكن هناك داعٍ، فإن كان له داعٍ أو مقتضٍ فإنه لا مانع منه . قال في (المغني): فإن خص بعضهم لمعنى يقتضيه تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زَمَانة أو عَمًى، أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم، أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله أو ينفقه في معصية الله عز وجل ففي هذه الحالة يجوز أن يخص بعض ولده بالعطية.

واختلف هذا الفريق الذين قالوا بوجوب التسوية بين الأبناء فيما لو فَضَّل بعض الآباء بعض الأبناء على بعض، هل يفسد هذا العقد أو يصح مع الحرمة؟ والمشهور الفساد إلا إذا كان التفاضل له سبب، كما تقدم.

وذهب الأحناف والشافعي، وبعض المالكية، والجمهور من العلماء إلى أن التسوية بين الأبناء مستحبة، والتفضيل مكروه، فإن حصل تفضيل صح مع الكراهة، واستحب المبادرة إلى التسوية أو الرجوع.

وهذا الفريق الذي قال باستحباب التسوية بين الأبناء في العطية أجابوا عن حديث النعمان بأجوبة كثيرة، ذكرها الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) وكلها أجوبة مردودة، نذكر منها:

– قالوا: إن الموهوب للنعمان كان جميع ما لوالده، ولذلك منعه، فليس فيه حجة على من منع التفضيل، أي يرون أن النبي صلى الله عليه  وسلم إنما منع هذه العطية عن النعمان لأن بشيرًا قد وهب له جميع ماله، ورد هذا بأن كثيرًا من طرق الحديث أي حديث النعمان صرحت بنوع العطية التي أعطاها بشير لابنه، وأنها بعض ماله، وليست ماله كله، كما يزعمون، فصرحت بعض الروايات بأنها حديقة، وصرحت الأخرى بأنها غلامًا.

– وقالوا: إن قوله صلى الله عليه  وسلم:((أَشْهِد على هذا غيري)) إذنٌ بالإشهاد على ذلك؛ أي أن الرسول صلى الله عليه  وسلم صرح بأنه يجوز الإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك صلى الله عليه  وسلم لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم، وتعقب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة ولا من أدائها إذا تعينت عليه.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((أَشْهِد)) هذا الفعل وإن كان ظاهره صيغة إذن، ولكن ليس هذا مرادًا من رسول الله صلى الله عليه  وسلم بل هو أمر ورد منه على سبيل التوبيخ، دلت عليه القرائن المأخوذة من بقية ألفاظ الحديث.

وذكر ابن حجر بقية الوجوه وتعقبها جميعًا بالرد عليها.

فهذان رأيان في هذه المسألة: فريق يقول بوجوب التسوية، وفريق يقول باستحبابها.

أما الموجبون للتسوية، فقد اختلفوا في كيفية التسوية، كيف يسوي الأب بين أبنائه في العطية؟ فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق، وبعض الشافعية والمالكية: العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث، واحتجوا بأن ذلك حظه من المال، لو مات عنه الواهب. وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى، وظاهر الأمر بالتسوية يشهد لهم، وهو قول مردود.

وبعد كل هذا يتبين أن الحق مع من يقول بوجوب التسوية بين الأبناء لقوة أدلتهم، ووضوح النصوص الشرعية، ولأن التسوية بين الأبناء تطفئ نار العداوة وتميت أسباب الشقاق، وتقضي على كل ما يدعو إلى القطيعة والبغضاء، وتدعو إلى التآلف بين الإخوة وترك ما يوقع الشحناء، ويورث عقوق الآباء، اللهم إلا إذا كان أحد الأبناء تقتضي مساعدته، وتقتضي الضرورة أن يخص ببعض الأشياء، فلا بأس به، وهذا ما ينبغي أن نسير عليه، وهذا ما تيسر وفهمناه من هذا الحديث.

error: النص محمي !!