Top
Image Alt

باب التعوذ بالقراءة في الصلاة، وباب ما جاء في: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}، وهل هي جزء من (الفاتحة) وأوائل السوَر أم لا؟

  /  باب التعوذ بالقراءة في الصلاة، وباب ما جاء في: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}، وهل هي جزء من (الفاتحة) وأوائل السوَر أم لا؟

باب التعوذ بالقراءة في الصلاة، وباب ما جاء في: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}، وهل هي جزء من (الفاتحة) وأوائل السوَر أم لا؟

أ. باب: التّعوذ بالقراءة في الصّلاة:

حديث أبي سعيد في التّعوذ:

قال الإمام مجد الدين ابن تيمية -رحمه الله- في (المنتقى): قال الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم} [النحل:98].

ثمّ رَوَى عن أبي سعيد الخدري، عن النّبي صلى الله عليه  وسلم:أنّه ((كان إذا قام إلى الصّلاة استفتح ثمّ يقول: أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم، من هَمْزِه ونَفْخِه وَنَفْثِه)). رواه أحمد والتّرمذي.

وقال ابن المنذر: جاء عن النّبي صلى الله عليه  وسلم: ((أنّه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم)).

وقال الأسود: رأيت عُمر حينَ يَفْتتح الصّلاة يقول: ((سبحانك اللّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك. ثمّ يتعوّذ)). رواه الدارقطني.

قوله صلى الله عليه  وسلم : ((أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم، من هَمْزه ونَفْخه ونَفْثه)). قد ذَكَر ابن ماجه تَفْسير هذه الثّلاثة, عن عمْرو بن مُرّة الجمَليّ الذي رَوَى هذا الحديث.

فقال: ((نَفْثه)): الشّعر، و((نَفْخه)) الكِبْر، وَ((هَمْزه)): المُوتَة، بسكون الواو بدون هَمْز، والمُراد بها هُنا: الجُنون.

وكذا فسّره بهذا أبو داود في “سُنَنه”. وإنّما كان الشّعر من نَفْثة الشّيطان لأنّه يدعو الشّعراء المدّاحين الهجّائين المعظِّمين المُحقّرين إلى ذلك. يعني: يدعوهم إلى المبالغة في كلِّ ذلك، وربّما يكونون غير صادقين في كلِّ ذلك.

قوله: ((مِن نَفْثه)): “النّفث” في اللّغة: قذف الرّيق وهو أقلّ من التَّفَل. و”النّفخ” في اللّغة أيضًا: نَفخ الرّيح في الشّيء، وإنّما فُسِّر بـ”الكِبْر” في قوله: ((ونَفْخه)) لأنّ المتكبِّر يتعاظم لا سيّما إذا مُدح. و”الهمْز” في اللّغة: العصر، وقيل: يقال: “همَزْت الشّيء في كفّي” أي: عَصرْتُه. و”هَمَز الإنسان”: اغتابه، ومنه قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَة} [الهُمَزة:1].‌

 والحديث يدلّ على مشْروعية الافْتِتاح بما ذُكر في الحديث.

وفيه ردٌّ لما ذَهَب إليه مالك من عَدَم استحباب الافتتاح بشيء، وفي تَقْيِيده بِبَعد التّكبير, كما في لَفْظ التّرمذي: ((كان إذا قام إلى الصّلاة كبّر ثمّ يقول…)) إلى آخِره: ردٌّ لما ذَهَب إليه مَن قال: إنّ الافتتاح قبل التّكبير.

وفي الحديث أيضًا: مَشْروعية التّعوذ من الشّيطان، من هَمْزه ونَفْخه ونَفْثه؛ وإلى ذلك ذَهَب أحمد، وأبو حنيفة، والثّوري، وابن راهويه، وغيرهم…

ب. باب: التّعوذ والبسْملة بالقراءة:

حديث الأسود:

قال الأسود: رأيت عمر حينَ يفتتح الصّلاة يقول: “سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك. ثمّ يتعوذ”. رواه الدارقطني.

قوله: رأيت عمر حينَ يفَتْتح الصّلاة يقول: “سبحانك اللّهم وبحمدك”: “سبحانك”: التّسبيح تنزيه الله تعالى، وأصله: مَصْدر مِثْل: “غُفران”.

وقوله: “وبحمدك”: قال الخطابي: أخبرني ابن جلاد قال: سألت الزّجاج عن قوله: “سبحانك اللّهم وبحمدك”، فقال: معناه: سبحانك، وبحمدك سبّحتُك.

وقوله: “تبارك اسمك”: “البركة”: ثبوت الخير الإلهي في الشّيء، وفيه إشارة إلى اختصاص أسمائه تعالى بالبركات.

وقوله: “وتعالى جدُّك”: “الجدّ”: العظمة. و”تعالى”: تفاعل من العلوّ، أيْ: عَلَتْ عظمتُك على عظمة كلّ أحدٍ غيرك. قال ابن الأثير: معنى “تعالى جدُّك”: عَلا جلالُك وعظمتُك.‌ والحديث يدلّ على مشروعية الاستفتاح بهذه الكلمات.

جـ. باب: ما جاء في: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}:

1. حديث أنس:‌                         

وهذا الباب -كما قال الإمام الشّوكاني- كَثُرت فيه الأسئلة، وكثرت فيه الخلافات والاعتراضات، مع أنّ الأمر لا يتعدّى أنّه مَسْنونٌ أو غير مسنون، يعني: ذِكْر {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}، يعني: الجهر بـ{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم} أو عَدَم الْجَهر بها.

ساق الإمام مجد الدّين ابن تيمية في هذا الباب: حديث أنس بن مالك قال: ((صلّيْتُ مع النّبي صلى الله عليه  وسلم وأبي بكر وعُمر وعثمان, فَلَم أسمع أحدًا منهم يقرأ: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم} )). رواه أحمد ومسلم.

وفي لفظ: ((صلّيت خَلْف النّبي صلى الله عليه  وسلم وخلْف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا لا يَجْهرون بـ{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم} )). رواه أحمد والنّسائي بإسناد على شَرْط الصّحيح.

ولأحمد ومسلم: ((صلّيت خَلْف النّبي صلى الله عليه  وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا يستفتحون بـ{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}، لا يَذْكرون {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم} في أوّل قراءة ولا في آخِرها)).

ولِعبد الله بن أحمد في “مسند” أبيه الإمام أحمد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: ((صلّيت خَلْف رسول الله صلى الله عليه  وسلم وخَلْف أبي بكرٍ وعمر وعثمان، فلم يكونوا يستفتحون القراءة بـ{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}))، قال شُعبة: فقلت لقتادة: أنت سَمعْته من أنس؟ قال: نعم، نحن سألناه عنه.

وللنّسائي عن منصور بن زادان، عن أنس قال: ((صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم فلم يُسمِعنا قراءة: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}. وصلىّ بنا أبو بكر وعمر فلم نَسْمعها منهما)).

قال الشوكاني: الحديث قد استوفى المصنّفُ أكثر ألفاظه، ورواية: ((فكانوا لا يجْهرون)) أخرجها ابن حبّان والدارقطني والطحاوي والطبراني.

وأخرجه البخاري في جزء القراءة والنسائي وابن ماجه عن أيوب وهؤلاء والترمذي من طريق أبي عوانة والبخاري فيه وأبو داود من طريق هشام الدستوائي والبخاري فيه وابن حبان من طريق حماد بن سلمة والبخاري فيه والسراج من طريق همام كلهم عن قتادة باللفظ الأول‏.‏ وأخرجه مسلمٌ من طريق الأوزاعي، عن قتادة بلفظ: ((لم يكونوا يَذكُرون {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم})).

وفي الباب عن عائشة عند مسلم، وعن أبي هريرة عند ابن ماجه، وفي إسناده: بَشَر بن رافع وقد ضعّفه غير واحد.

أحكام الحديث: استدلّ بالحديث من قال: إنّه لا يُجهر بـ{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}، وهم على ما حكاه ابن سيّد النّاس في “شَرْح الترمذي”: علماء الكوفة ومَن شايَعهم. قال: ومِمّن رأى الإسرار بها: عُمر وعلي وعمّار، وقد اختُلف عن بعضهم فَرُوي عنه: الجهر بها.

وقد احتجّ القائلون بالإسرار بها بحديث الباب وحديث ابن مُغفّل الآتي الذي يُفيد في أنّ الجهر بها بدعة، وغيرهما ممّا ذَكرْنا.

واحتجّ القائلون بالجهر بها في الصّلاة الجهرية بأحاديث، منها: حديث أنس وحديث أمّ سَلَمة الآتيان.

أمّا حديث أنس، فهو كَما ذَكَره الإمام مجد الدّين ابن تيمية, عن قتادة قال: ((سُئل أنسٌ كيف كانت قراءة النّبي صلى الله عليه  وسلم فقال: كانت مدًّا. ثمّ قرأ: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}، يمدّ بـ{بِسْمِ اللّهِ}، ويمدّ بـ {الرَّحْمـَنِ}ويمدّ بـ
{الرَّحِيم})). رواه البخاري.

وأمّا حديث أمِّ سلمة، فهو أنّها سُئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقالت: ((كان يُقطِّع قراءته آيةً آيةً: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم *  الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * الرَّحْمـنِ الرَّحِيم * مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين})). [الفاتحة : 1-4] رواه أحمد وأبو داود.

ومنها -يعني: من حُجج القائلين بالجهر بها حديث ابن عباسٍ عند الترمذي والدارقطني بلفظ ((كان النّبي صلى الله عليه  وسلم يَفْتتح الصّلاة بـ{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم})). قال التّرمذي: “هذا حديث ليس إسناده بذاك، وفي إسناده إسماعيل بن حمّاد”.

قال البزار: “إسماعيل لم يَكُن بالقويّ”، وقال العقيلي: “غير محفوظ، وقد وثَّق إسماعيلَ يحْيى بن مَعِين”. وقال أبو حاتم: “يُكتَب حديثه”.

وفي إسناده: أبو خالد الوالبي، اسمه: هُرمز، قال الحافظ: “مجهول”. وقال أبو زرعة: “لا أعرف من هو”. وقال أبو حاتم: “صالح الحديث”. وقد ضعّف أبو داود هذا الحديث. روى ذلك عنه الحافظ ابن حجر في “التّلخيص الحبير”.

2. حديث عبد الله بن مُغفّل.

عن ابن عبد الله بن مُغفّل قال: ((سَمِعني أبي وأنا أقول: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}، فقال: يا بُنيّ، إيّاك والحَدَث -قال: ولَمْ أرَ مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم رجلًا كانَ أبغضَ إليه حَدثًا في الإسلام منه. فإنِّي صلَّيتُ مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان, فَلَم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تَقُلْها. إذا أنت قَرَأت فَقُل: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين})). رواه الخمسة إلا أبا داود.

وقال ابن خُزيمة: “هذا الحديث غير صَحيح”. وقال الخطيب وغيره: “ضعيف”، قال النووي: “ولا يَرِد على هؤلاء الحفّاظ قول الترمذي: إنّه حسن”.

قال الشّوكاني: وسَبب تضْعيف هذا الحديث: ما ذَكرْناه من جهالة ابن عبد الله بن مغفّل, والمجهول لا تقوم به حُجّة، لأنّه يُحتمل أنْ يكون ضعيفًا.

فحكمه حُكم المستور أي: جهالة حاله، لا جهالة عيْنه.

حُكم الحديث: استَدلّ به القائلون بترْك قراءة البسملة في الصلاة، والقائلون بترك الجهر بها، لأنّه قال له -يعني: عبد الله بن مغفّل قال لابنه: “إذا أنت قرأت فقُلْ: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}”. فمعنى ذلك: أنّه محتملٌ أن يقول له: “لا تَقُل: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}، أو لا تجهر بها مع {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}”. هذا وقد تقدّم الكلام على ذلك.

قال المصنِّف مجد الدين ابن تيمية -رحمه الله-: ومعنى قوله: “لا تَقُلْها”. يعني: لا تقل: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم}. وقوله: “لا يقرءونها” أي: رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان، أو لا يذكرونها ولا يسْتفتِحون بها، أي: جهرًا -يعني: لم أسمعها منهم، وإنّما كانوا يبتدئون, بـ{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}، بدليل قوله في رواية تقدّمت: “ولا يَجْهرون بها”؛ وذلك يدلّ على قراءتهم لها سِرًّا. انتهى.‌

واستدل بالحديث القائلون بترك قراءة البسملة في الصلاة والقائلون بترك الجهر بها وقد تقدم الكلام على ذلك‏.

error: النص محمي !!