Top
Image Alt

باب الثمرة المشتراة تلحقها جائحة

  /  باب الثمرة المشتراة تلحقها جائحة

باب الثمرة المشتراة تلحقها جائحة

أولًا: الأحاديث:

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو بعت من أخيك ثمرة فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، لمَ تأخذ مال أخيك بغير حق)) هذا الحديث رواه مسلم.

وفي رواية لمسلم أيضًا: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح)).

ثانيًا: الشرح:

يقول الصنعاني في شرحه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة -هي آفة تصيب الزرع- فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) رواه مسلم، وفي رواية: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح)). الجائحة مشتقة من الجوح وهو الاستئصال، ومنه حديث: “إن أبي يجتاح مالي” أي: يأخذه، وفي الحديث دليل على أن الثمار التي على رءوس الشجر إذا باعها المالك وأصابتها جائحة أن يكون تلفها على صاحبها.  

وفي كتاب (فتح المنعم) للشيخ موسى شاهين لاشين شرحٌ لهذه الأحاديث -بعد ما أتى بروايتها كاملة من (صحيح مسلم)، ومنها: عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع))، ومنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة)) إلى آخر الأحاديث التي مرت.

ثالثًا: المعنى العام:

البيوع ومبادلة السلع بالمال والسلعة بالسلعة والمال بالمال معاملات بين البشر منذ عمرت بهم الأرض، وهي ضرورة من ضروريات الحياة، فقد يملك الواحد شيئًا أو أشياء ويحتاج غير ما يملك، ونزل قول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] نزلت والعرب يتعاملون معاملات شتى؛ بعضها ربا وبعضها بيع، وبعضها ليس بيعًا ولا ربًا؛ فبينت السنة للناس ما نزِّل إليهم، وميزت البيع من الربا، والبيع الفاسد من البيع الصحيح، وكان الهدف الأساسي من التشريع حماية كلٍّ من المتعاملين من الغرر والغش والخداع والقمار؛ لتحقيق مصلحة المتبايعين قدر الإمكان.  

وهذه الأحاديث تضع القوانين الحكيمة لبعض المعاملات التي كانت سائدة:

القانون الأول: النهي عن بيع الثمار قبل أن تؤمَن الآفة، وقبل أن يبدو صلاحها وعلامات قرب نضجها؛ من صفرة أو حمرة أو غيرهما؛ لأنها لو بيعت قبل بدو الصلاح لم يؤمن عليها من الآفة؛ فتقع الخصومة، فإن تحملها المشتري أكل البائع الثمن دون مقابل.

القانون الثاني: تحريم بيع المجهول بالمعلوم، وبيع الثمار على شجرها تخمينًا لمقاديرها؛ لمقادير المعلوم من نفس هذه الثمار مجازفة، وهناك فرق بين أن تكون هذه الثمار على الشجرة أو جافة على الأرض، ولما كانت حياة القوم تقوم على النخل وثمنه إلى حد كبير، وكان بعضهم يملك تمرًا ويحتاج رطبًا، وبعضهم يملك رطبًا ويحتاج تمرًا، رُخص له في بيع ثمر النخل على نخله تخمينًا لمقداره بقدر معين من التمر.

القانون الثالث: النهي عن بيع الزرع في سنبله بكيل معلوم من القمح؛ لأن في ذلك غرر أيضًا ونهى عن كراء الأرض مقابل جزء مما يخرج منها، ونهى عن بيع ثمر الشجر عامين أو أكثر؛ لأنه بيع مجهول وغير مملوك للبائع، كما نهى عن استثناء المجهول من قدر المجهول؛ فإن جهالة أحد العوضين يفسد البيع، وهكذا تحاول الشريعة الإسلامية الغراء أن تغلق أبواب الشر والغرر والخداع، وأن تحقق الأمن والأمان والعدالة والتوازن بين الحقوق.

يقول الإمام الشوكاني -في هذا الباب أي: باب الثمرة المشتراة يلحقها جائحة: فيه عن عائشة عند البيهقي بنحوه، يعني بنحو هذا الحديث عن السيدة عائشة، وفي إسناده حارثة بن أبي الرجال وهو ضعيف، ولكنه في (الصحيحين) عنها أيضًا مختصرًا، وعن أنس، قد تقدم في باب بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.

بدأ الشوكاني يشرح معاني الكلمات؛ فشرح كلمة ((الجوائح)) فقال: هي جمع جائحة، وهي الآفة التي تصيب الثمار فتهلكها، يقال: جاحهم الدهر واجتاحهم بتقديم الجيم على الحاء فيهما- إذا أصابهم بمكروه عظيم، ولا خلاف: أن البرد والقحط والعطش جائحة، وكذلك كل ما كان آفة سماوية.

وأما ما كان من الآدميين -كالسرقة- ففيه خلاف؛ منهم من لم يره جائحة، لقوله في الحديث السابق عن أنس: ((إذا منع الله الثمرةَ)) ومنهم من قال: إنه جائحة تشبيهًا بالآفة السماوية.

وقد اختلف أهل العلم في وضع الجوائح إذا بيعت الثمرة بعد بدو صلاحها، بمعنى: أنه لو هناك إنسان باع ثماره بعد بدو صلاحها وقبض ثمنها، ثم جاءت جائحة، على من يكون الضمان؟ على البائع أم على المشتري؟

اختلف في ذلك أهل العلم؛ فقال بعضهم: البائع ما دام قد خلّاها للمشتري -يعني تركه وإياها ليأخذها- ثم تلفت بالجائحة قبل أوان الجذاذ؛ قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الكوفيين والليث: لا يرجع المشتري على البيع بشيء، قالوا: وإنما ورد وضع الجوائح فيما إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها، يعني: قبل أن تنضج، أما لو بيعت بعد النضوج ومُكّن المشتري من حملها ونقلها- فلا ضمان على البائع قبل بدو صلاحها بغير شرط قطّ، فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر على ما قُيد به في حديث أنس المتقدم.

واستدل الطحاوي على ذلك بحديث أبي سعيد: ((أُصيب رجلٌ في ثمارٍ ابتاعها، فكثُر دينه، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: تصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك)) أخرجه مسلم وأصحاب السنن.

قال: فلما لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار بالعاهات، ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الثمن ممن باعها منهم- دلَّ على أن وضع الجوائح ليس على عمومه.

وقال الشافعي في القديم: هي من ضمان البائع؛ فيرجع المشتري عليه بما دفعه من الثمن، وبه قال أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم.

قال القرطبي: وفي الأحاديث دليل واضح على وجوب إسقاط ما اجْتِيحَ من الثمرة عن المشتري ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك لم يثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من قول أنس، بل الصحيح رفع ذلك من حديث جابر وأنس.

وقال مالك: إذ ثبت الجائحة دون الثلث لم يجب الوضع، وإن كان الثلث فأكثر وجب لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الثلث، والثلث كثير)) قال أبو داود: لم يصح في الثلث شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رأي أهل المدينة.

والراجح: الوضع مطلقًا، من غير فرق بين القليل والكثير، وبين البيع قبل بدو الصلاح وبعده.

وما احتج به الأولون من حديث أنس المتقدم يُجاب عنه: بأن التنصيص على الوضع مع البيع قبل الصلاح لا ينافي الوضع مع البيع بعده، ولا يصلح مثله لتخصيص ما دل على وضع الجوائح ولا لتقييده.

وأما ما احتج به الطحاوي فغير صالح للاستدلال به على محل النزاع؛ لأنه لا تصريح فيه بأن ذهاب ثمرة ذلك الرجل كان بعاهات سماوية.

وأيضًا، عدم نقل تضمين بائع الثمر لا يصلح للاستدلال به؛ لأنه قد نقل ما يُشعر بالتضمين على العموم، فلا ينافيه عدم النقل في قضية خاصة، وسيأتي حديث أبي سعيد في كتاب “التفليس” ويأتي في شرحه بقية الكلام على وضع الجوائح.

رابعًا: المباحث العربية التي في هذه الأحاديث:

قوله: ((لو بعت من أخيك ثمرًا)) كذا هو في الأصول التي بين أيدينا: والمراد: لو بعت أخاك ثمرًا، فالمخاطب البائع الذي تلِفَت عنده الثمرة، وقد أخذ ثمنها من المشتري، فـ”من” زائدة في الإثبات على مذهب الأخفش والكوفيين، كما في قوله تعالى: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم} [الأحقاف: 31] فالإيمان يجبّ ما قبله، ويغفر كل الذنوب.  

((فأصابته جائحة)) الجائحة: الشدة العظيمة التي تجتاح المال وتهلكه وتستأصله؛ أي فأصابت الثمر المباع مهلكة.

((فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا)) أي: لا يحل لك -أيها البائع- أن تأخذ من أخيك المشتري شيئًا من مال.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟!)) الاستفهام إنكاري توبيخي، أي: لا ينبغي لك أيها المسلم ولا يحل لك أيها البائع هذا الأمر؛ فإنك إن أخذت شيئًا كان بغير حق، وفي رواية الثانية يقول: ((بِمَ تستحل مال أخيك؟!))، وفي الرواية الثالثة: ((إذا منع الله الثمرة فبمَ تستحل مال أخيك؟!)) والمراد من منعها هلاكها ومنعها من السلامة والنضوج، وفي الرواية الرابعة: ((إن لم يثمرها الله فبمَ يستحل أحدكم مال أخيه؟!)) أي إن لم يحفظها لتكون ثمرة صالحة للأكل، ((أرأيتك إن منع الله الثمرة بما تستحل مال أخيك؟!)) أرأيتك أي: أخبرني، فالاستفهام هنا أيضًا للتوبيخ.

((أمر بوضع الجوائح)) أي: بالتنازل عن قيمة الجائحة، فالمراد بالوضع في الحديث التنازل عن قيمة الجائحة، يعني إذا أفسدت الجائحة ثلث الشيء المبتاع، فعلى البائع أن يأخذ ثمن الباقي ويترك الثلث، يضعه يتنازل عن هذا الثلث الذي أضاعته الجائحة.

((أصيب في ثمار ابتاعها)) أي: هلكت ثمار اشتراها، والظاهر: أنها كانت بعد بدو الصلاح، أو أن ذلك كان بتقصير منه قبل الجذاذ، إذ لم يرجع على البائع بشيء في هذه الرواية.

هذه الروايات ذكر الشيخ موسى شاهين فوائد كثيرة منها سجلها في كتابه القيم (فتح المنعم شرح صحيح مسلم) فقال:

خامسًا: ما يؤخذ من هذه الأحاديث:

قد يُستدل بالنهي عن أخذ مقابل الجائحة على عدم أخذ ما يعرف بالعوض عما يهلك، كأن يصيب بسيارته سيارة الغير فيتلفها، أو يستعير إناءً فينكسر عنده، لكن الحديث لا دلالة فيه على ذلك، فما في الحديث لا دخل للإنسان في الجائحة، أما الصور الأخرى فللإنسان دخل في الإتلاف بوجه من الوجوه، ومن أتلف شيئًا فعليه إصلاحه أو مثيله أو قيمته، وقد أخذ صلى الله عليه وسلم قصعة عائشة السليمة حين كسرت عائشة قصعة إحدى أمهات المؤمنين، وقال: ((قصعة بقصعة)) نعم إن تنازل صاحب المتاع المتلف عن العوض أو بعضه كان من قبيل الإحسان، وإن أخذ الكل فهو على حقه.

قال: في هذا الحديث التعاون على البر والتقوى.

وقال: في هذا الحديث أيضًا مواساة المحتاج ومن عليه دين؛ أن نقف بجواره، وأن نضع عنه شيئًا من الدين أو كل الدين إن استطعنا.

ومن هذه الأحاديث أيضًا يؤخذ الحث على الصدقة على ذلك المدين، كما في الرواية التي معنا.

ويستفاد أيضًا: أن المعسِر لا تحل مطالبته ولا ملازمته، يعني: الإنسان الذي تداين بدين وعجز عن أن يدفع ذلك الدين -وهو صادق في عجزه- لا تحلّ مطالبته، وإنما نتصدق عليه بالدين الذي عليه، لا تحل مطالبته ولا ملازمته ولا سجنه، بذلك قال الشافعي ومالك وجمهورهم، ويحكى عن ابن شريح حبسه حتى يقضي الدين، وإن كان قد ثبت إعساره عن أبي حنيفة: ملازمته.

والتحقيق: أنه إن بدا للقاضي مماطلته ذلك المدين حكم القاضي بحبسه.

قال الشيخ موسى: ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أن يسلم إلى الغرماء جميع مال المفلس ما لم يقضِ دينه، ولا يترك للمفلس سوى ثيابه ونحوها، وقد ذهب الجمهور إلى من ظهر فلسه فعلى الحاكم الحجر عليه في ماله حتى يبيعه عليه، ويقسمه بين غرمائه على نسبة ديونه.

ومن الرواية السابعة: الحض على الرفق بالغريم والإحسان إليه بالوضع عنه، وفيه الزجر عن الحلف على ترك فعل الخير؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كره للرجل أن قطع نفسه عن فعل الخير.

في هذا الحديث سرعة فهم الصحابة بمراد الشارع وطواعيتهم بما يشير إليه القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على حرص الصحابة على فعل الخير، والحديث يدعو إلى الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللغط ورفع الصوت، وفيه جواز سؤال المدين الحطيطة من صاحب الدين، خلافًا لمن كره ذلك من المالكية، واعتل بما فيه من تحمل المنة، قال القرطبي: لعل من أطلق كراهته أراد أنه خلاف الأولى، وقال النووي: لا بأس بمثل هذا، ولكن بشرط أن لا ينتهي إلى الإلحاح وإهانة النفس أو الإيذاء ونحو ذلك، إلا من ضرورة.

وهذه الأحاديث أيضًا تدل على ترك بعض الحق عند الضرورة، ويُستحب لمن حلف إلا يفعل خيرًا عليه أن يحنث في يمينه، ويكفّر عن يمينه، ويفعل الخير، جاء ذلك صريحًا في حديث للنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف على يمين فوجد غيرها خيرًا منها فليكفّر عن يمينه وليفعل الذي هو خير)).

وتشير الأحاديث إلى: أنه يجوز المطالبة بالدين في المسجد، كما تطالب بالتوسط بين المتخاصمين أو بين الخصمين للإصلاح بينهم.

وقوله: ((ماله بعينه)) في الرواية العاشرة، وقوله في الثانية عشرة: ((متاعه بعينه)) في الحادية، ولم يفرقوا، أخذ أن شرط الاستحقاق لصاحب المال دون غيره: أن يجد المال بعينه.

وقوله: ((ولم يقبض البائع من ثمنه شيئًا)) استدل بمفهومه: أنه أحق به من الغرماء، إلا أن يكون قد اقتضى من ماله شيئًا، فهو أسوة الغرماء؛ إلا أن للشافعي قولًا هو الراجح في مذهبه أنه لا فرق بين تغير السلع أو بقائها.

هذا الحديث يدل على أن اليسير من الحسنات إذا كان خالصًا لله تعالى يُكفّر كثيرًا من السيئات، وأن الأجر يحصل لمن يأمر بالخير والمعروف، وإن لم يتولَّ ذلك بنفسه، وأنه على كل إنسان ألا يحتقر شيئًا من أفعال الخير، فلعله يكون سبب السعادة والرحمة، وليتذكر في ذلك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((لا تحقرن من المعروف شيئًا، فإنك إذا وجدته يوم القيامة سرّك مكانه، ولا تستصغرن من الذنوب شيئًا، فإنك إذا وجدته يوم القيامة ساءك مكانه)).

فيه أيضًا: جواز توكيل العبيد، والإذن لهم في التصرف، كل هذا على قول مَن يقول: شرع مَن قبلنا شرع لنا، إذا جاء في شرعنا في سياق المدح.

error: النص محمي !!