Top
Image Alt

باب: القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

  /  باب: القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

باب: القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

باب: القُرّاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:

حديث عبد الله بن عمرو: ((خذوا القرآن…)):

قال البخاري: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو، عن إبراهيم، عن مسروق، ذَكر عبدُ الله بن عمرو عبدَ الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبّه؛ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبَيّ بن كعب)).

وقول البخاري: “باب: القرّاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم”، أي: الذين اشتهروا بحفظ القرآن، والتصدّي لتعليمه. وهذا اللفظ كان في عُرف السلف أيضًا يُطلق على من تفقّه في القرآن، يعني: كلمة “القرّاء”.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((خذوا القرآن من أربعة))، أي: تعلّموه منهم. والأربعة المذكورون: اثنان من المهاجرين، وهما المبتدأ بهما، واثنان من الأنصار.

و”سالم” هو: ابن معقل مولى أبي حذيفة. و”معاذ” هو: ابن جبل.

وفي رواية: “ذُكر عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو، فقال: ذاك رجل لا أزال أحبّه بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خذوا القرآن من أربعة؛ فبدأ به))، فذكر حديث الباب.

ويستفاد منه: محبّة من يكون ماهرًا في القرآن، وأنّ البداءة بالرجل في الذِّكر على غيره في أمر اشترك فيه مع غيره يدلّ على تقدّمه فيه.

وقال الكرماني: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد: الإعلام بما يكون بعده، أي: أنّ هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك.

قال ابن حجر: وتُعقِّب بأنهم لم ينفردوا، بل الذين مهَروا في تجويد القرآن بعد العصر النبوي أضعاف المذكورين. وقد قُتل سالم مولى أبي حذيفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة اليمامة. ومات معاذ في خلافة عمر. ومات أبيّ وابن مسعود في خلافة عثمان. وقد تأخّر زيد بن ثابت، وانتهى إليه الرئاسة في القراءة، وعاش بعدهم زمنًا طويلًا. فالظاهر: أنه صلى الله عليه وسلم أمَر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صدر فيه ذلك القول، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شارَكهم في حفظ القرآن؛ بل كان الذين يحفظون مِثل الذين حفظوه وأزيد منهم جماعة من الصحابة. وفي غزوة بئر معونة أنّ الذين قُتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم: “القراء”، وكانوا سبعين رجلًا.

حديث عبد الله بن مسعود: ((أخذت مِن فِي…)):

قال البخاري في الباب نفسه: حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا شقيق بن سلمة، قال: خطَبَنا عبد الله بن مسعود فقال: “((والله لقد أخذْتُ مِن فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة)). والله لقد علِم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّي من أعلمِهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم”. قال شقيق: فجلست في الحلَق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادًّا يقول غير ذلك.

وقوله: “حدثنا حفص بن عمر”، في روايات للبخاري: “حدثنا عمر بن حفص”، ونصّ ابن حجر على أنّ هذا هو الصحيح، وأنّ من قال: “حفص بن عمر”، خطأ، وهو مقلوب، وليس لحفص بن عمر أبٌ يروي عنه في الصحيح؛ وإنما هو عمر بن حفص بن غياث -بالغين المعجمة والتحتانية والمثلثة- وكان أبوه قاضي الكوفة.

وقد أخرج أبو نعيم الحديث المذكور في (المستخرج)، من طريق سهل بن بحر، عن عمر بن حفص بن غياث، ونَسبه، ثم قال: “أخرجه البخاري عن عمر بن حفص”.

وقوله: “خطبَنا عبد الله بن مسعود فقال: ((والله لقد أخذت مِن في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة))”. زاد عاصم عن بدر عن عبد الله: “وأخذت بقية القرآن عن أصحابه”. وعند إسحاق بن راهويه في روايته في أوّل هذا الحديث: “{وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}”، ثم قال: -يعني: ابن مسعود- “على قراءة مَن تأمرونني أن أقرأ؟ ((وقد قرأتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم…))” فذكر الحديث.

وفي رواية النسائي، وأبي عوانة، وابن أبي داود، من طريق ابن شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: “خطبَنا عبد الله بن مسعود على المنبر فقال: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، غُلّوا مصاحفكم!”.

كان عبد الله بن مسعود يضِنّ بمصحفه، ولا يريد أن يستبدل مصحف عثمان بمصحفه؛ ولذلك قال: “غُلّوا مصاحفكم! وكيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله؟!”.

وفي رواية: قال: “لما أُمر بالمصاحف أن تغيّر، ساء ذلك عبد الله بن مسعود، فقال: من استطاع أن يغّل…” إلخ. وقال في آخِر الحديث: “أفأترك ما أخذتُ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!”. وفي رواية له: “إني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع أن يغلّ مصحفه فليفعل”. وفي رواية عند الحاكم: “والله لا أدفعه -يعني: مصحفه- أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم”، فذكَره.

وقول عبد الله بن مسعود: “والله لقد علِم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنِّي مِن أعلَمِهم بكتاب الله”، وقع في رواية: “أني أعلَمُهم بكتاب الله”، بحذف “مِن”، وزاد: “ولو أعلَم أنّ أحدًا أعلم منّي لرحلتُ إليه”؛ وهذا لا ينفي إثبات “مِن”؛ فإنه نفَى الأغلبية، ولم ينْف المساواة.

وقوله رضي الله عنه: “وما أنا بخيْرهم”، يستفاد منه: أن الزيادة في صفة من صفات الفضل -كما عند ابن مسعود- لا تقتضي الأفضلية المطلَقة؛ فالأعلمية بكتاب الله لا تستلزم الأعلمية المطلَقة، بل يحتمل أن يكون غيره أعلم منه بعلوم أخرى؛ فلهذا قال: “وما أنا بخيرهم”.

وقول شقيق بن سلمة أبي وائل: “فجلست في الحلَق، فما سمعت رادًّا يقول غير ذلك”، يعني: لم يسمع من يخالف ابن مسعود، يقول غير ذلك. أو المراد: من يردّ قوله ذلك.

ووقع في رواية مسلم قال شقيق: “فجلست في حلَق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما سمعت أحدًا يردّ ذلك ولا يعيبه”.

وفي رواية: “فلما نزل عن المنبر، جلست في الحلَق، فما أحد ينكر ما قال”؛ وهذا يخصِّص عموم قوله: “أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم” بمن كان منهم في الكوفة الذين كان يخطب فيهم.

ولا يعارض ذلك ما أخرجه ابن أبيّ من طريق الزهري، عن عبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، فذَكر نحو حديث الباب، وفيه قال الزهري: فبلَغني أنّ ذلك كرهه من قول ابن مسعود رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه محمول على أنّ الذين كرهوا ذلك من غير الصحابة الذين شاهدهم شقيق بالكوفة. ويحتمل اختلاف الجهة؛ فالذي نفى شقيق أنّ أحدًا ردّه أو عاب وصف ابن مسعود بأنه أعلمهم بالقرآن، والذي أثبَته الزهري: ما يتعلّق بأمره بغلِّ المصاحف، وكأنّ مراد ابن مسعود بغلّ المصاحف: كتْمها وإخفاؤها، لئلَّا تخرج فتُعدَم.

وكأنّ ابن مسعود رأى خلاف ما رأى عثمان ومَن وافقه في الاقتصار على قراءة واحدة، وإلغاء ما عدا ذلك، أو كان لا يُنكر الاقتصار، لِما في عدَمه من الاختلاف، بل كان يريد أن تكون قراءته هي التي يعوّل عليها دون غيرها، لِما له من المزيّة في ذلك مّما ليس لغيره، كما يؤخذ ذلك من ظاهر كلامه. فلما فاته ذلك، ورأى أنّ الاقتصار على قراءة زيد ترجيح بغير مرجِّح، اختار استمرار القراءة على ما كانت عليه؛ على أنّ ابن أبي داود ترجم: باب: رضيَ ابن مسعود بعد ذلك بما صنع عثمان، لكن لم يُرد ما يصرِّح بمطابقة ما ترجم به.

حديث عبد الله بن مسعود: “ما أُنزلت سورة إلا…”.

قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبِي، قال: حدثنا الأعمش، قال حدثنا مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله رضي الله عنه: “والذي لا إله غيره! ما أُنزِلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت. ولا أُنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيما أنزِلت، ولو أعلم أحدًا أعلمَ مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبتُ إليه”.

قوله: “قال عبد الله”، في رواية عند مسلم: “عن عبد الله بن مسعود”.

وقوله: “والله!”، عند ابن أبي داود: قال عبد الله لما صُنع بالمصاحف ما صُنع: “والله!…” إلى آخره…

وقوله: “فيمن أنزلت”، وفي رواية عند البخاري: “فيما أنزلت”.

وقول عبد الله بن مسعود: “ولو أعلم أحدًا أعلم منِّي بكتاب الله تبلغه الإبل، لركبتُ إليه”، وفي رواية: “لرحلتُ إليه”.

ولأبي عبيدة من طريق ابن سيرين: “نُبِّئت أنّ ابن مسعود، قال: لو أعلم أحدًا تُبلِّغنيه الإبل أحدثَ عهدًا بالعرْضة الأخيرة منّي لأتيتُه”، أو قال: “لتكلّفْتُ أن آتيه”؛ وكأنه احترز بقوله: “تُبلِّغُنيه الإبل”، عمّن لا يصل إليه على الرواحل، إمّا لكونه كان لا يركب البحر فقيّد بالبر، أو لأنه كان جازمًا بأنه لا أحد يفوقه في ذلك من البشَر، فاحترز عن سكّان السماء.

وفي الحديث: جواز ذِكْر الإنسان نفسه بما فيه من الفضيلة بقَدر الحاجة. ويُحمل ما ورد من ذمّ ذلك على مَن وقع ذلك منه فخرًا أو إعجابًا.

error: النص محمي !!