Top
Image Alt

باب النهي عن التسعير، وباب ما جاء في الاحتكار

  /  باب النهي عن التسعير، وباب ما جاء في الاحتكار

باب النهي عن التسعير، وباب ما جاء في الاحتكار

. النهي عن التسعير:

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن أنس رضي الله عنه قال: ((غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، لو سعَّرْتَ؟ فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المُسَعِّر، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دَمٍ ولا مَالٍ)) رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، أي: رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.

الحديث أيضًا قال الشوكاني في تخريجه: أخرجه الدارمي والبزار، وأبو يعلى، قال الحافظ ابن حجر: وإسناده على شرط مسلم، وصححه أيضًا ابن حبان.

الثاني: عن أبي هريرة عند أحمد وأبي داود قال: ((جاء رجل، فقال: يا رسول الله، سعر؛ فقال صلى الله عليه وسلم: بل ادعوا الله، ثم جاء آخر، فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع)) قال الحافظ: وإسناده حسن.

وعن أبي سعيد عند ابن ماجه والبزار والطبراني نحو حديث أنس، ورجاله رجال الصحيح وحسنه الحافظ، وعن علي رضي الله عنه عند البزار نحوه، وعن ابن عباس عند الطبراني في (الصغير) وعن أبي جحيفة عنده في (الكبير).

ثانيًا: الشرح:

قوله: ((لو سعرت)) التسعير: هو أن يأمر السلطان أو نوابه أو كلُّ مَن وَلِي من أمور المسلمين أمرًا أهل السوق ألا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنعوا من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((المُسَعِّرُ)) فيه دليلٌ على أن المسعر من أسماء الله تعالى، وأنها لا تنحصر في التسعة والتسعين المعروفة.

وقد استُدِلَّ بالحديث وما ورد في معناه على تحريم التسعير وأنه ظلم، ووجهه: أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجرٌ عليهم، والإمام مأمورٌ برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، أي: بزيادة الثمن، وإذا تقابل الأمران؛ وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به منافٍ لقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء: 29] فلو فرضت عليه سعرًا معينًا يكون البائع عند البيع غير راضٍ، وعندئذٍ يتنافى مع قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} وإلى هذا ذهب جمهور العلماء.

وروي عن مالك: أنه يجوز للإمام التسعير، وأحاديث الباب ترد عليه، وظاهر الأحاديث: أنه لا فرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص، ولا فرق بين المجلوب وغير المجلوب، وإلى ذلك مال الجمهور، وفي وجه للشافعية: جواز التسعير في حالة الغلاء، وهو مردودٌ، وظاهر الأحاديث: عدم الفرق بين ما كان قوتًا للآدمي ولغيره من الحيوانات، وبين ما كان من غير ذلك من الإدامات وسائر الأمتعة.

وجوز جماعة من متأخري أئمة الزيدية جواز التسعير فيما عدا قوت الآدمي والبهيمة، كما حكى ذلك عنهم صاحب (الغيث)، وقال شارح (الأثْمَار): إن التسعير في غير القوتين -يعني: قوت البهائم وقوت الإنسان- لعله اتفاقٌ، والتخصيص يحتاج إلى دليلٌ، والمناسب المُلْغَى لا ينتهض لتخصيص صرائح الأدلة، بل لا يجوز العمل به على فرض عدم وجود دليل، كما تقرر في الأصول.

هذا الحديث أيضًا جاء في (سبل السلام) بنفسِ الرواية التي جاءت في (نيل الأوطار).

2. ما جاء في الاحتكار:

الاحتكار: هو أن يحتفظ الشخص بالطعامِ عندَهُ في وقت الرخص، ويخرجه للبيع عندما ترتفع الأسعار، هذا عملٌ يكرهه الإسلام فيه تضييقٌ على المسلمين، وفيه استغلالٌ لقوتهم وقوت عيالهم، فالمحتكر خاطئٌ بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لاَ يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطِئٌ)) وكان سعيد يحتكر الزيت، رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

الثاني: وعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم؛ كان حقًّا على الله أن يقعده بِعِظَمٍ من النارِ يوم القيامة)).

الثالث: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مَن احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئٌ)) رواه أحمد.

الرابع: وعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجزام والإفلاس)) أَلَا ما أحلى هذه الأحاديث! وما أحلى هذا الشرع الحكيم الذي يحفظ للمسلمين قوتهم، ويحرم على بعضهم أن يحتكر عليهم طعامهم.

ثانيًا: الشرح:

هذه الأحاديث، قال معلقًا عليها الشيخ موسى شاهين لاشين في كتابه (فتح المنعم): الإسلام دين المحبة والتعاون والإيثار، يدعو إلى كل ما يحقق ذلك، ويحرم كل ما يؤدي إلى نقيض ذلك، يحذر من كل ما يبعث الشقاق والتقاطع، ويمنع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، واستغلال حاجة المحتاج، والإثراء على حساب المضطرين، وأصعب ما لا يستغني عنه الإنسان القوت والطعام؛ من هنا يُحَرِّمُ الإسلام احتكاره واحتباسه عن المحتاجين؛ لإذلالهم وإخضاعهم، أو للثراء على حساب حاجتهم وشدتهم؛ فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن نَفَّسَ عن مؤمنٍ كربةً من كُرَبِ الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن شَقَّ عَلَى الناس شقَّ اللهُ عليه، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((الجالبُ مرزوقٌ، والمحتكر ملعون)) أخرجه ابن ماجه والحاكم، ويقول: ((مَن احتكر على المسلمين طعامهَمُ؛ ضربه الله بالجذام والإفلاس)) ويقول: ((مَن احتكر حُكْرَة يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئٌ)).

ثالثًا: المباحث العربية:

((مَن احتكر فهو خاطئٌ)) يقال: حَكَرَ من باب فرح فهو حِكْرٌ كفَرَح، والاسم فهو حَكْرٌ كفرح، والاسم “حُكْرَة” بضم الحاء وسكون الكاف.

رابعًا: فقه الحديث:

قال النووي: هذا الحديث صريحٌ في تحريم الاحتكار، قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو زمنه، فأما إذا جاءه من أرضه أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، وابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته فليس باحتكار، ولا تحريم فيه. وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، هذا تفصيل مذهبنا.

قال العلماء: والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه دفعًا للضرر عن الناس، ثم قال: وأما ما ذكر عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنهما كانا يحتكران الزيت؛ فقال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت، وحمل الحديث على احتكار الأقوات عند الحاجة إليها والغلاء، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون، وهو صحيح، والله أعلم.

error: النص محمي !!