Top
Image Alt

باب النهي عن السدل والتلثم في الصلاة، وباب الصلاة في الثوب الحرير والمغصوب

  /  باب النهي عن السدل والتلثم في الصلاة، وباب الصلاة في الثوب الحرير والمغصوب

باب النهي عن السدل والتلثم في الصلاة، وباب الصلاة في الثوب الحرير والمغصوب

أ. باب: النّهي عن السّدل والتّلثُّم في الصّلاة:

حديث أبي هريرة: ((أنّ النّبي صلى الله عليه  وسلم نَهَى عن…)):

عن أبي هريرة: ((أنّ النّبي صلى الله عليه  وسلم نَهَى عن السّدل في الصّلاة، وأنْ يُغطّيَ الرّجل فاه)). رواه أبو داود.

ولأحمد والتّرمذي عنه -عن أبي هريرة: النّهي عن السّدل فقط، ولابن ماجه النّهي عن تغْطية الفم فقط.

قال الشّوكاني: وفي الباب عن أبي جُحيْفة عند الطبراني في “مَعاجمه” الثّلاثة: (الكبير), و(الأوسط), و(الصّغير)، والبزّار في “مُسْنده”: (البحر الزّخار)، وفي إسناده: حَفْص بن أبي داود، وقد اختُلِف فيه عليه، وهو ضَعيف.

وقوله: ((نَهَى عن السّدل)): قال أبو عُبيْدة في (غَرِيبه): ((السّدْل)): إسْبال الرّجل ثَوْبه من غير أنْ يضمّ جانِبيْه بيْن يديْه، فإنّ ضَمّه فَلَيْس بِسِدْل.

وقال صَاحب “النِّهاية”: “هو أنْ يَلْتَحِف بِثَوْبه, ويُدخِل يَديْه مِن داخِل، فَيَرْكع ويَسْجد وهو كذلك”.

وقال الخطابي: “السّدْل”: إرسال الثّوب حتّى يُصِيب الأرض. فَعَلى هذا المعنى الأخير: “السّدْل” و”الإسْبال” مَعْناهما واحد.

قال العراقي: ويُحْتمل أنْ يُراد بـ”السّدل”: سَدْل الشّعر. ومنه حديث ابن عباس أنّ الّنبي صلى الله عليه  وسلم: ((سَدَل ناصِيَته)). وفي حديث عائشة أنّها سَدَلتْ قِناعها وهي مُحْرِمة. أي: أسْبَلتْه.

قال الشّوكاني في المعاني التي ذَكَرها العلماء في السّدل, وفي كونه قد يكون في الثّياب وقد يكون في الشّعر, قال بعد بَيان كلّ هذا: ولا مانع من حَمْل الحديث على جميع هذه المعاني، إنْ كان السّدل مُشتَركًا بينها. وحَمْل المُشْترك على جميع مَعانيه هو المذهب القويّ، يعني: أنّ اللّفْظ الواحد يكون له معانٍ مُخْتلفة، فحَمْله على جميع مَعانيه هو المذهب القَوِيّ في عِلْم الأصول.

‌والحديث يدلّ على تحريم السّدل في الصّلاة. قال الإمام البغوي: واختلف العلماء فيه؛ فذهب بعضهم إلى كراهة السّدل في الصلاة، وقالوا: هكذا تصنع اليهود. فممّن كرِهه: ابن المبارك، وسفيان الثوري. وكرهه الشافعي في الصّلاة كما في غير الصلاة.

ورَخّص بعض العلماء في السّدْل في الصّلاة؛ رُوِي ذلك عن: عطاء، والحسن، وابن سيرين, ومكحول. وبه قال الزهري ومالك.

وقال الإمام أحمد: إنّما يُكره السّدْل في الصّلاة إذا لم يَكُن عليه إلّا ثوب واحد، فأمّا إذا سَدَل على القميص فلا بأس. ومَن لم يُجوِّز على الإطلاق احتجّ بما رُوي عن ابن مسعود -وَقَفه بعضهم وَرفَعه بعضهم: “مَن أَسْبل إزاره في صلاته خُيلاء, فليس من الله في حلٍّ ولا حرامٍ”.

وقال الإمام الشّوكاني: الحديث يدُلّ على تَحْريم السّدل في الصلاة، لأنّه مَعْنى النّهي الحقيقي؛ فالنّهْي في الحقيقة يَدلّ على التّحريم, كَما أنّ الأمر يدلّ على الوجوب.

وكَرِهَه: ابن عمر، ومجاهد, وإبراهيم النّخعي، والثوري, والشّافعي في الصّلاة وغيرها… وقال أحمد: “يُكْره في الصّلاة”.

قوله: ((وأنْ يُغطِّيَ الرّجل فاه)): قال ابن حبّان: لأنّه من زيّ المجوس. قال: وإنّما زُجِر عن تَغْطية الفَم في الصّلاة على الدّوام, لا عند التّثاؤب بمقدار ما يَكْظِمه؛ فهذا مُسْتثْنى من الزّجْر ومن النّهي، لحديث: ((إذا تَثاءب أحَدُكم، فَلْيضعْ يَدَه على فيه؛ فإنّ الشّيطان يَدْخل)). وهذا لا يَتِمّ إلّا بعد تَسْليم عَدَم اعتبار قَيْد: ((في الصّلاة)) المُصرّح به في المعطوف عليه في جانب المعطوف -أي: ((نَهَى عن السّدْل في الصّلاة)), وَنهَى عن ((أنْ يُغَطِّي الرّجل فاه في الصّلاة))- فإذا لم يَتمّ تَسْليم عَدَم اعتبار القيْد في الصّلاة, وأنّه يُعْتبر في المعْطوف عليه فقط؛ فَفِي هذا يَكون النّهي على الدّوام في الصّلاة وفي غيرها.

وقد استُدِلّ بالحديث على كَراهة: أنْ يُصَلِّيَ الرّجل مُتَلثِّمًا, كَمَا فَعَل المُصنِّف في التّرْجمة.

وقال الخطّابي: إنّ مِنْ عَادة العَرَب التّلَثُّم بالعمائم على الأفواه، فنُهوا عن ذلك في الصّلاة، إلّا أنْ يَعْرِض للْمُصلّي الثّوَباء، فَيُغطّي فَمَه عِنْد ذلك، للحديث الذي جاء فيه -أي: لِلتّثاؤب. والله تعالى أعلم.

ب. باب: الصّلاة في الثّوب الحرير والمغصوب:

1.  حديث ابن عمر: “مَن اشترى…”:

عن ابن عمر قال: “من اشْتَرى ثوبًا بِعشْرة دَراهم، وفيه دِرْهم حرامٌ؛ لم يَقْبل الله عز وجل لَه صلاةً ما دام عليه”. يعني: ما دام عليه هذا الثّوب.

ثمّ أدْخل أصْبعيْه في أذنيْه وقال:”صُمّتا إنْ لم يَكُن النّبي صلى الله عليه  وسلم سَمِعْته يَقوله”. رواه الإمام أحمد. والحديث أخْرَجه أيضًا عَبْد بن حميد، والبيهقي في (الشُّعب)، وضَعّفاه، وتَمّام الرّازي، والخَطيب البغدادي, وابن عَساكر، والدّيلمي.

وقد اسْتَدل به مَن قال: إنّ الصّلاة في الثّوب المغصوب أو المغصوب ثَمَنه، لا تَصحّ. ومن قال بذلك هُم العترَة جميعًا.

وقال أبو حنيفة والشافعيّ: تَصحُّ؛ لأنّ العِصْيان بالغَصْب ليس يََنْفي الطاّعة التي قُدِّمت بِشروطها وأركانها؛ لتَغاير اللِّباس والصّلاة؛ فَهذا شَيْء وهذا شيء آخَر.

ورُدّ هذا بأنّ الحَديث مُصرِّح بِنفْي قَبول الصّلاة في الثّوب المغصوب ثمَنُه، والمغصوب عيْنُه بالأوْلَى -أي: إذا كان مغْصوبًا ثًمنُه، فالحديث مُصرِّح بنَفْي قَبول الصلاة في مغصوب الثمن؛ فالمغصوب أو المسروق ينْفي الحديث قَبول الصلاة فيه مِن باب أوْلَى.

قال الشوكاني: وأنْت خَبير بأنّ الحديث لا ينْتهِضُ للحجّيَّة لأنّه ضَعيف. ولو سُلِّم، فمَعنى نَفي القَبول لا يَسْتلزم نفْي الصّحة؛ لأنّ القَبول يَرِِدُ على وجهيْن:

الوجه الأوّل: يُراد به: المُلازِم لنفْي الصحّة والإجزاء, نحو قوله: ((هذا وضوء لا يَقْبل الله الصّلاةَ إلّا به))، فهُنا معناه: لا تَصحّ الصّلاة, ولا تُجْزئ إلّا بهذا الوضوء.

الوجه الثّاني: لإطْلاق نفْي القبول: أنْ يُرادَ به نفي الكمال والفضيلة والثّواب، كما في حديث: نفْي قَبول صلاة العبد الآبق والمغاضبة لِزوْجها، ومَن في جَوْفه خَمْر، وغيرهم مِمّن هو مُجْمع على صِحّة صلاتهم, لكنّ صلاتهم هذه نُفِي كَمالُها وقَبولها وثوابها.

قال الشّوكاني: وقد تَقدّمت الإشارة إلى هذا في موْضعيْن من هذا الشّرح، وتَعرّضنا لهما في بعض الأحاديث التي سَبَقت والتي تَعرّضْنا لِشرْحها.

قال الشّوكاني: ومِن هُنا تَعْلم أنّ نفْي القبول مُشترَك بين الأمريْن: بين عَدَم الصِّحة، وبين عَدَم الفضيلة؛ فلا يُحمل على أحَدِهما إلّا لِدَليل، فلا يتمّ الاحتجاج به في مَواطن النّزاع كَمثْل هذا الموطن.

وقال أبو هاشم: إن اسْتَتَر بحلالٍ لم يُفْسِدها المغصوب فَوْقه؛ إذْ هو فَضْلة وزائد، والحلال هو الذي كَفَى في صحّة الصّلاة.‌

‌2. حديث عقبة بن عامر: ((أُهْدِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فرّوج حرير…)):

عن عقبة بن عامر قال: ((أهْدِي إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فرّوجُ حَريرٍ، فلَبِسه، ثمّ صلّى فيه. ثمّ انْصَرف فنزَعه نزْعًا عنيفًا شديدًا كالكاره له. ثمّ قال: لا يَنْبغي هذا للمتّقِين)). متّفق عليه.‌

قوله: ((فَرُّوج)) -بفَتْح الفاء، وتَشْديد الرّاء المضمومة، وآخِرُه جِيم- هو: القَبَا, أو القَبَاءُ المُفرَّج مِن خلْف -يعني: المفْتوح مِن خَلْف. وحَكَى أبو زكريا التّبْريزي عن أبي العلاء المَعرِّي: جَواز ضَمّ أوّله، وتَخْفيف الرّاء: فُرُوج. قال الحافظ في (الفتح): والذي أهداه هو أُكَيْدِر دُومَة, كَما صرّح بذلك البخاري.‌

هذا الحديث اسْتَدلّ به مَن قال بتحْريمِ الصّلاة في الحَرِير، وهو: الهادي في أحَدِ قَوْليْه، والنّاصر, والمنصور بالله، والشّافعي. وقال الهادي في أحَدِ قوليْه، وأبو العباس, والمؤيَّد بالله، والإمام يحْيى, وأكثر الفقهاء: “إنّها مكروهة فقط”، مُسْتدلِّين بأنّ عِلّة التّحريم: الخُيَلاء، ولا خُيَلاء في الصّلاة.

قال الإمام الشوكاني: وهذا تخْصيصٌ للنّص بِحِيال علّة الخُيلاء, وهو مِمّا لا يَنْبغي الالتفات إليه.

وقد استدلوا لجواز الصلاة في ثِياب الحَرير بِعَدم إعادته صلى الله عليه  وسلم لِتلْك الصّلاة، وهو مَرْدود؛ لأنّ تَرْك إعادتها لِكوْنها وَقَعت قَبْل التّحريم.

ويدلّ على ذلك: حديث جابر -عند مسلم- بلفظ: ((صلّى صلى الله عليه  وسلم في قَبَا ديباجٍ، ثمّ نَزَعه وقال: نَهاني جِبْريل)). وهذا ظاهر في أنّ صَلاته فيه كانت قبل تحْريمه.

قال المصنِّف مجد الدين ابن تيمية -رحمه الله-: وهذا يعني: أنّ حديث الباب محمولٌ على أنّه لَبِسه قبل تحْريمه؛ إذْ لا يَجوز أن يُظَن به صلى الله عليه  وسلم أنّه لَبِسه بَعْد التّحريم في صلاةٍ ولا في غيرها.

ويدلّ على إباحته في أوّل الأمْر: ما رَوى أنس بن مالك: أنّ أكيدر دُومة أهْدى إلى النّبي صلى الله عليه  وسلم جبّة سُنْدس أو دِيباج -وكلاهما من الحرير- قَبْل أنْ يُنهىَ عن الحَرير، فَلَبسها. فَتَعجّب النّاس منْها، فقال: ((والذي نفْسي بِيَده! لَمَناديل سَعْد ابن مُعاذ في الجنّة أحْسَن منها)). رواه أحمد. انتهى.

3. حديث جابر: ((لَبِس النبي صلى الله عليه  وسلم قباء له من ديباج…)):

عن جابر بن عبد الله قال: ((لَبِس النّبي صلى الله عليه  وسلم قَباءً له من ديباجٍ أُهدِي إليه، ثمّ أوْشَك أنْ نَزعه، وأرسل به إلى عمر بن الخطاب. فقِيل: قد أوْشكْتَ ما نَزَعته يا رسول الله! قال: نَهاني عنه جبريل عليه السلام. فجاء عمر يَبْكي، فقال: يا رسول الله، كَرِهتَ أمرًا وأعْطيْتَنِيه، فَما لي؟)). -يعني: ما شأني في ذلك أنْ تُعطيَني ما كَرِهْته؟ فقال صلى الله عليه  وسلم : ((ما أعْطيْتك لِتلْبسه، إنّما أعْطيْتك تَبيعه. فباعه عمر بألْفيْ دِرْهم)). رواه أحمد.

قال الشّوكاني: الحديث أخرجه مسلم في (صحيحه) بِنحْوٍ ممّا هُنا.‌

وقوله: ((مِن ديباج)): “الدِّيباج”: هو نوعٌ من الحَرير، قيل: هو ما غَلُظَ منه.

وقوله: ((ثمّ أوشك)). أي: أسْرع.‌

والحديث يدُلُّ على تَحْريم لُبْس الحَرير، ولُبْسه صلى الله عليه  وسلم لا يَكون دَليلًا على الحِلّ؛ لأنّه مَحْمولٌ على أنّه لَبِسه قبل التّحريم، بِدَليل قوله: ((نَهاني عنه جبريل)). ولهذا حَصَر الغَرَض من الإعطاء في البيْع. وفي بعض الأحاديث: أنّه قد يُعطىَ المسلم, أو يُهْدى إليه، أو يَشْتري شيْئًا من هذه الثّياب, ولا حَرَج عليه لِيُتاجِر فيها، أو يبيعها كما هنا، أو يُعْطيها بعْضَ نِسائه؛ فالحَرير ليس مُحرّمًا على النّساء أنْ يلْبسْنه، وهو محرّمٌ في ذلك على الرِّجال فقط. قال المصنِّف في هذا الحديث، حديث جابر بن عبد الله، في كَوْن النّبي، صلى الله عليه  وسلم ، لبِس قَباءً من دِيباج ثمّ أسْرَع فَنَزعه: فيه -أي: الحديث- دَليلٌ على أنّ أمّته صلى الله عليه  وسلم أسْوَته في الأحكام، أي: تَقْتَدي به في الأحكام.

error: النص محمي !!