Top
Image Alt

باب الوضوء من مسِّ المرأة، وباب الوضوء من مسِّ القُبُل

  /  باب الوضوء من مسِّ المرأة، وباب الوضوء من مسِّ القُبُل

باب الوضوء من مسِّ المرأة، وباب الوضوء من مسِّ القُبُل

أ. باب الوضوء من مسِّ المرأة.

قال الله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} [النساء:43]، وقرئ: ” أو لَمَسْتُم النساء”.

حديث معاذ بن جبل: ((أتى النبي صلى الله عليه  وسلم رجل…)):

عن معاذ بن جبل رضي الله  عنه، قال: ((أتى النبي صلى الله عليه  وسلم رجل فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل لقي امرأة يعْرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا قد أتاه منها، غير أنه لم يُجامعها؟ قال: فأنزل الله تعالى هذه الآية:

{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ} [هود:114] فقال له النبي صلى الله عليه  وسلم: توضأ ثم صلِّ)) رواه أحمد، والدارقطني.

وأصل القصة في (الصحيحين) وغيرهما بدون الأمر بالوضوء والصلاة. والآية المذكورة استدلّ بها من قال بأن لمْسَ المرأة ينقض الوضوء؛ وإلى هذا ذهب ابن مسعود، وابن عمر، والزهري والشافعي، وأصحابه، وزيد بن أسلم، وغيرهم. وذهب علي، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والعِترة جميعًا، وأبو حنيفة وأبو يوسف، إلى أنه لا ينقض. قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إلا إذا تباشر الفرجان وانتشر، وإنْ لم يُمذ.

قال الأوّلون -الذين يقولون بالنقض-: الآية صرّحت بأن اللمْسَ من جملة الأحداث الموجبة للوضوء، وهو حقيقة في لمْس اليد؛ ويؤيّد بقاءه على معناه الحقيقي: قراءة ” أو لَمَسْتُم ” فإنها ظاهرة في مجرّد اللمْس من دون الجماع.

قال الآخرون: يجب المصير إلى المجاز، وهو أن اللمْس مراد به الجماع، لوجود قرينة وهي: حديث عائشة الذي سيأتي في التَّقبيل، وحديثها في لمسها لبطن قدم رسول الله صلى الله عليه  وسلم. فمعنى هذا: أنَّ الرسول صلى الله عليه  وسلم كان يقبِّل إحدى نسائه ولا يتوضأ، وأن عائشة عند ما لمستْ بطن قَدم رسول الله صلى الله عليه  وسلم لم تنقض وضوءه.

وأجيب بأن في حديث التَّقْبيل ضعفًا، وأيضًا فهو مرسل.

قالوا: أمَرَ النبي صلى الله عليه  وسلم السائل في حديث الباب بالوضوء، وصرَّح ابن عمر بأنّ مَن قبّل امرأته أو جسّها بيده فعليه الوضوء؛ رواه عنه مالك، والشافعي. واستدل الحاكم على أن المراد باللمس ما دون الجِماع، بحديث عائشة: ((قلّ يوم إلّا وكان رسول الله صلى الله عليه  وسلم يأتينا، فيقبِّل ويلمَس…)) الحديث. واستدل البيهقي بحديث أبي هريرة: ((اليد زِناها اللّمس))، وفي حديث ماعز: ((لعلك قبَّلت أو لمَسْت؟))، وبحديث عمر: ((القُبلة من اللمْس، فتوضئوا منها)).

ويجاب عن ذلك بأن أمْر النبي صلى الله عليه  وسلم للسائل بالوضوء، يحتمل أنّ ذلك لأجل المَعْصية، وليس لأجل أن وضوءه انتقض. وقد ورد أن الوضوء من مُكفِّرات الذنوب، أو لأن الحالة التي وصفها مظنة خروج المَذي، أو هو طلب لشرط الصلاة المذكورة في الآية من غير نظر إلى انتقاض الوضوء وعدمه، -أي: حتى يغفر الله لذلك، يتوضأ ويصلّي، بصرف النظر عن أنه كان متوضئًا قبلها أو غير متوضئ. ومع الاحتمال هذا، يسقط الاستدلال، كما هو في القواعد.

وأما ما روي عن ابن عمر، وابن مسعود، وما ذكره الحاكم، والبيهقي، فنحن لا ننكر صحة إطلاق اللمْس على الجسّ باليد، بل هو المعنى الحقيقي؛ ولكننا ندّعي أن المَقام محفوف بقرائن توجب المصير إلى المَجاز. وأما قولهم بأن القُبلة فيها الوضوء، فلا حجة في قول الصحابي، لا سيما إذا وقع معارضًا لما ورد عن الشارع. وقد صرّح البحر ابن عباس، الذي علّمه الله تأويل كتابه، واستجاب فيه دعوة رسوله: بأن اللمس المذكور في الآية هو الجِماع؛ وقد تقرّر أن تفسيره أرجح من تفسير غيره لتلك المزيّة. وأما حديث الباب، وهو قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال له: إنه فعل بالمرأة كذا وكذا إلّا الجِماع، ((فأمره رسول الله صلى الله عليه  وسلم بالوضوء والصلاة))، فلا دلالة فيه على نقض وضوئه، لأنه لم يثبت أنه كان متوضئًا قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه  وسلم بالوضوء، ولا ثبت أنه كان متوضئًا عند اللمس، فأخبره النبي صلى الله عليه  وسلم بأنه قد انتقض وضوؤه.

ب. باب الوضوء من مسِّ القُبُل:

قال الإمام مجد الدين ابن تيمية: عن بُسْرة بنت صفوان: أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((مَن مسَّ ذَكَره، فلا يُصلِّ إلا بوليّ))، ((وكلّ مُسْكِر حرام)).

أحكام الحديث:

فهو يدلُّ على أنّ لمْسَ الذَّكَر ينقض الوضوء؛ وقد ذهب إلى ذلك: عمر، وابنه عبد الله، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وعطاء، والزهري، وابن المسيّب، ومجاهد، وأبان بن عثمان، وسليمان بن يسار، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومالك في المشهور عنه، وغير هؤلاء. واحتجوا بحديث الباب هذا -حديث بُسْرة.

وإذا كان حديث بُسْرة يدلُّ على أن لمْس الذَّكَر ينْقض الوضوء، وذهب إليه كثير من الصحابة ومَنْ بعدهم، فكذلك مَسّ فَرْج المرأة، لحديث أم حبيبة الآتي، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو الذي سيذكره المصنف في هذا الباب.

هذا، وذهب علي رضي الله  عنه وابن مسعود، وعمّار، والحسن البصري، وربيعة، والعِترة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وغيرهم، إلى أن مَسَّ الذَّكَر غير ناقض للوضوء.

واحتجّ الآخرون -وهم: الذين قالوا بعدم نقْض الوضوء مِن مَسِّ الذَّكَر- بحديث طَلْق بن علي عند أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، والدارقطني، مرفوعًا، بلفظ: الرجل يمَسُّ ذَكَره أعليه وضوء؟ فقال صلى الله عليه  وسلم: ((إنما هو بُضْعَة مِنْك)) وصححه عمرو بن علي الفلّاس وقال: هو عندنا أثبت من حديث بُسْرة. وروي عن علي بن المديني أنه قال: هو عندنا أحسن من حديث بُسْرة.

قال الإمام الشوكاني: فالظاهر: ما ذهب إليه الأوّلون -أي: ما ذهبوا إليه بحديث بُسْرة مِن أنَّ مَسَّ الذَّكَر ينقض الوضوء.

ج. باب الوضوء من لحوم الإبل:

عن جابر بن سَمُرة: أنَّ رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه  وسلم: أنتوضأ مِن لحوم الغَنَم؟ قال: ((إن شِئت توضّأْ، وإن شِئت لا تتوضّأ)). قال: أنتوضأ مِن لحوم الإبل؟ قال: ((نعم. توضّأ من لحوم الإبل)). قال: أُصلّي في مرابِض الغَنَم؟ قال: ((نعم)). قال: أصلي في مرابِض الإبل؟ قال: ((لا))، رواه أحمد، ومسلم.

يدلُّ الحديث على أن الأكل مِن لحوم الإبل من جملة نواقض الوضوء. وقد اختُلف في ذلك: فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء. قال النووي: “ممن ذهب إلى ذلك: الخُلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وجماهير مِن التابعين، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم”.

وذهب إلى انتقاض الوضوء به: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبو بكر بن المُنذر، وابن خزيمة. واختاره الحافظ أبو بكر البيهقي. وحُكي عن أصحاب الحديث مُطلقًا.

د. باب المتطهِّر يشك هل أحدث؟:

عن عبّاد بن تميم، عن عمّه، قال: شُكي إلى النبي صلى الله عليه  وسلم الرجل يُخيّل إليه أنه يجِد الشيء في الصلاة، فقال: ((لا ينصرف حتى يسْمَع صوتًا أو يجِد ريحًا))، رواه الجماعة إلّا الترمذي، يعني: رواه أصحاب الكتب السّتة، وأحمد، إلّا الترمذي.

قال الإمام مجد الدين بن تيمية: وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه  وسلم، قال: ((إذا وجَد أحدُكم في بطْنه شيئًا، فأشكل عليه أخَرَج منه شيء أم لا، فلا يخْرُج مِن المسجد حتى يسْمَع صوتًا أو يجِدَ ريحًا))، رواه مسلم، والترمذي.

قال الشوكاني: “حديث أبي هريرة أخرَجه أيضًا أبو داود”.

وفي الباب عن أبي سعيد عند أحمد، والحاكم، وابن حبان، وفي إسناد أحمد: علي بن زيد بن جدعان، وعن ابن عباس عند البزار، والبيهقي، وفي إسناده: أبو أويس، لكن تابعه الدراوردي.

قوله: “يُخيَّل إليه أنه يجِد الشيء”، يعني: خُروج الحَدَث منه.

وقوله: ((حتى يسْمَع صوتًا أو يجِد ريحًا))، قال النووي: “معناه: يعْلم وجود أحدهما، ولا يشترط السَّماع والشمّ، بإجماع المسلمين. والحديث يدل على اطّراح الشكوك العارضة لمَن في الصلاة، والوسوسة التي جعلها صلى الله عليه  وسلم مِن تسويل الشيطان”.

قال الإمام النووي في (شرح مسلم): “وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الدين؛ وهي: أنَّ الأشياء يُحكم ببقائها على أصولها حتى يُتيقّن خِلاف ذلك، ولا يضرّ الشّكّ الطارئ عليها. فمن ذلك: مسألة الباب التي ورد فيها الحديث، وهي: أن مَن تيقّن الطهارة وشكّ في الحَدث حُكم ببقائه على الطهارة. ولا فرق بين حصول هذا الشّكّ في نفس الصلاة، وحصوله خَارج الصلاة. قال النووي: “وهذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف. وحُكي عن مالك روايتان: إحداهما: أنه يلزمه الوضوء إن كان شكُّه خارج الصلاة، ولا يلزمه إنْ كان في الصلاة -يعني: أنه أخذ بهذا الحديث ومفهومه، والثانية: يلزمه بكل حال.

قال الشوكاني: “وإلحاق غير حالة الصلاة بها لا يصحّ أن تكون بالقياس، لأنَّ الخُروج حالة الصلاة لا يجوز لِما يَطرق من الشكوك، بخِلاف غيرها فاستفادتْه من حديث أبي هريرة لعدم ذكْر الصلاة فيه. وأما ذكْر المسجد، فوصْف طردي لا يقتضي التقييد، ولهذا قال المصنف عقب سياقه: وهذا اللفظ عام في حال الصلاة وغيرها”. انتهى.

error: النص محمي !!