Top
Image Alt

باب: تأليف القرآن, وباب: كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم

  /  باب: تأليف القرآن, وباب: كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم

باب: تأليف القرآن, وباب: كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم

. باب: تأليف القرآن، من كتاب: فضائل القرآن:

حديث يوسف بن ماهك: ((إنما نزل أوّل ما نزل…)):

قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريج أخبرهم، قال: وأخبرني يوسف بن ماهك، قال: “إني عند عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها؛ إذ جاءها عراقيٌّ فقال: أيّ الكفَن خير؟ قالت: ويْحك! وما يضرّك؟ قال: يا أمّ المؤمنين، أريني مصحفك! قالت: لِمَ؟ قال: لعلّي أؤلِّف القرآن عليه؛ فإنه يُقرأ غير مؤلّف. قالت: وما يضرّك أيَّهُ قرأتَ قَبْل؟ إنّما نزَل أوّل ما نزَل منه: سورة من المفصّل، فيها ذِكر الجنة والنار. حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام. ولو نزل أوّل شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا. ولو نزل: لا تزْنوا، لقالوا: لا ندَعُ الزِّنى أبدًا. لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإنّي لجارية ألعَب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَر}. وما نزلت سورة “البقرة”، و”النساء”، إلا وأنا عنده”، قال: فأخرجَت له المصحف فأملَت عليه آيَ السّوَر.

قوله: “أيّ الكفن خير؟ قالت: ويْحَك! وما يضرّك؟”؛ قال ابن حجر: لعلّ هذا العراقيّ كان سمِع حديث سمرة المرفوع: ((البسوا مِن ثيابكم البياض، وكفِّنوا فيها موتاكم؛ فإنها أطهر وأطيب))؛ وهو عند الترمذي مصحّحًا، وأخرجه أيضًا عن ابن عباس. فلعل العراقيّ سمعه فأراد أن يستثبت عائشة في ذلك. وكان أهل العراق اشتهروا بالتعنّت في السؤال، فلهذا قالت له عائشة: “وما يضرّك؟”، تعني: أيّ كفن كفنت فيه أجزأ.

وقوله: “أؤلِّف عليه القرآن، فإنه يُقرأ غير مؤلّف”، قال ابن كثير: كأنّ قصة هذا العراقي كانت قبل أن يُرسِل عثمان المصحف إلى الآفاق.

قال ابن حجر: كذا قال، وفيه نظر؛ فإنّ يوسف بن ماهك لم يُدرك زمان أرسَل عثمان المصاحف إلى الآفاق. فقد ذَكر المزي: أنّ روايته عن أبَيّ بن كعب مرسَلة، وأبَيّ عاش بعد إرساله المصاحف على الصحيح. وقد صرّح يوسف في هذا الحديث أنه كان عند عائشة حين سألها هذا العراقي.

قال ابن حجر: والذي يظهر لي: أنّ هذا العراقي كان ممّن يأخذ بقراءة ابن مسعود، وكان ابن مسعود لمّا حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته، ولا على إعدام مصحفه؛ فكان تأليف مصحفه مغايرًا لتأليف عثمان. ولا شك أنّ تأليف المصحف العثماني أكثر مناسبة عن غيره، فلهذا أطلَق العراقيّ أنه غير مؤلّف؛ وهذا كلّه على أنّ السؤال وقع عن ترتيب السّوَر. ويدلّ على ذلك: قولها له: “وما يضرّك أيّهُ قرأتَ قَبْل”. ويُحتمل أن يكون أراد: تفصيل آيات كلّ سورة، لقوله في آخِر الحديث: “فأمْلَت عليه آيَ السوَر”.

قولها: “حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام”، أي: رجعوا إلى الإسلام. ومعناه: أنّ الإسلام مركوز في فِطرتهم، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ مولودٍ يولَد على الفطْرة)). وابتعد الناس عنه ثم رجعوا إليه. الذين أسلموا رجعوا إلى الإسلام الذي كان عندهم في الأصل، وكان مركوزًا في فِطرتهم.

وقولها: “إنما نزل أوّل ما نزل: سورة من المفصّل فيها ذِكر الجنة والنار”، هذا ظاهره مغاير لِما ورد: أنّ أوّل شيء نزل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق}، وليس فيها ذِكْر الجنة والنار، فلعلّ”مِن” مقدّرة، أي: مِن أوّل ما نزل، أو المراد: سورة “المدثر”؛ فكأنها أوّل ما نزل بعد فترة الوحي، وفي آخِرها ذِكر الجنة والنار. فلعلّ آخِرَها نزل قبل نزول بقية سورة “اقرأ”، فإنّ الذي نزل أولًا من “اقرأ” -كما تقدّم في بعض الروايات: خمْس آيات فقط.

وقولها: “نزل الحلال والحرام”، أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وأنّ أول ما نزل من القرآن: الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصي بالنار. فلما اطمأنّت النفوس على ذلك، أنزلت الأحكام، نزل الحلال والحرام؛ ولهذا قالت: “ولو نزل أوّل شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندَعُها”، وذلك لِما طُبِعت عليه النفوس من النفرة عن ترْك المألوف.

وقولها: “لقد نزل بمكة”، أشارت بذلك إلى تقوية ما ظهر لها من الحكمة المذكورة، وقد تقدّم نزول سورة “القمر”، وليس فيها شيء من الأحكام، تقدّم على نزول سورة “البقرة” و”النساء”، مع كثرة ما اشتملتا عليه من الأحكام.

وأشارت بقولها: “وأنا عنده”، أي: بالمدينة؛ لأن دخولها عليه إنما كان بعد الهجرة اتّفاقًا.

وفي الحديث: ردّ على من يزعم أنّ سورة “النساء” مكية مستندًا إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}.

حديث عبد الله بن مسعود في “بني إسرائيل”:

قال البخاري: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، سمعت ابن مسعود يقول في “بني إسرائيل”، و”الكهف”، و”مريم”، و”طه”، و”الأنبياء”: “إنهن من العِتاق الأول، وهنّ من تِلادي”.

الغرض من إيراد هذا الحديث: أنّ هذه السوَر نزلن بمكة، وأنها مرتّبة في مصحف ابن مسعود، كما هي في مصحف عثمان. ومع تقديمهّن في النزول، فهنّ مؤخّرات في ترتيب المصحف.

والمراد بـ”العِتاق” -وهو بكسر المهمَلة: أنهنّ من قديم ما نَزل. و”مِن تلادي”، يعني: من الأشياء النفيسة التي أعتزّ بها.

2. باب: كان جبريل يَعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم:

حديث أبي هريرة:

قال البخاري: حدثنا خالد بن يزيد، قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حَصِين، عن ذكوان، عن أبي هريرة، قال: ((كان يَعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآنَ كلّ عام مرة، فعرَض عليه مرتيْن في العام الذي قُبض فيه. وكان يعتكف في كلّ عام عشرًا، واعتكَف عشرين في العام الذي قُبض فيه)).

قوله: “حدثنا خالد بن يزيد”، هو: الكاهلي. و”أبو بكر” هو: ابن عياش. و”أبو حَصِين” -بفتح أوّله- هو: عثمان بن عاصم. و”ذكوان” هو: أبو صالح السمّان.

((كان يَعرض على النبي صلى الله عليه وسلم))، وفي رواية: ((كان يُعْرَض على النبي صلى الله عليه وسلم))، والمحذوف على البناء للفاعل هو: جبريل، صرّح به إسرائيل في روايته عن أبي حصين، وأخرجه الإسماعيلي. ولفظه: ((كان جبريل يَعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في كلِّ رمضان))، وإلى هذه الرواية أشار المصنِّف في الترجمة.

قوله: ((القرآن كلّ عام مرّة))، سقط لفظ “القرآن” في بعض روايات البخاري.

وزاد إسرائيل عند الإسماعيلي: ((فيُصبح وهو أجود بالخير من الريح المرسَلة))، وهذه الزيادة -كما يقول ابن حجر- غريبة في حديث أبي هريرة؛ وإنما هي محفوظة من حديث ابن عباس.

((فعرَض عليه مرّتيْن في العام الذي قُبض فيه))، وفي رواية إسرائيل: ((عرضتَيْن)). والحكمة في هاتين العرضتيْن: أنّ الأُولى عُرضت ربما يكون فيها نسخ أو شيء من ذلك. ثم عُرضت العرْضة الأخيرة التي استقرّ عليها القرآن بعد ذلك.

ويحتمل أن يكون السرّ في العرضتيْن: أنّ رمضان من السنة الأُولى لم يقع فيه مدارسة، لوقوع ابتداء النزول في رمضان. ثم فتَر الوحي. ثم تتابع. فوقعت المدارسة في السنة الأخيرة مَرّتين ليستوي عدد السنين والعَرض.

وقوله: ((وكان يعتكف في كلِّ عام عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذي قُبض فيه))، ظاهِره: أنه اعتكف عشرين يومًا من رمضان، وهو مناسب لفعل جبريل؛ حيث ضاعف عرض القرآن في تلك السنة. ويحتمل أن يكون السبب: ما تقدّم في اعتكافه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف عشرًا، فسافر عامًا فلم يعتكف، فاعتكف من قابلٍ عشرين يومًا. وهذا إنما يتأتّى في سفر وقع في شهر رمضان، وكان رمضان من سنة تسع دخل وهو صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. وهذا بخلاف القصة التي تقول: إنه شرع في الاعتكاف في أوّل العشْر الأخير، فلمّا رأى ما صنَع أزواجه من ضرب الأخبية ترَكَه. ثم اعتكف عشرًا في شوال.

ويُحتمل اتّحاد القصة، ويُحتمل أيضًا أن تكون القصة التي معنا في حديث الباب هي التي أوردها مسلم. وأصلها عند البخاري من حديث أبي سعيد، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجاور العشرة التي في وسط رمضان. فإذا استقبل إحدى وعشرين رجَع، فأقام في شهرٍ جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، ثم قال: إني كنت أجاور هذه العشْر الوسط، ثم بدا لي أن أجاور العشر الأواخر، فجاور العشر الأخير…)) الحديث، ليكون المراد بالعشرين: العشر الأوسط والعشر الأخير.

error: النص محمي !!