Top
Image Alt

باب: تفضيل مكة على سائر البلاد

  /  باب: تفضيل مكة على سائر البلاد

باب: تفضيل مكة على سائر البلاد

أولًا: الأحاديث: ورد في ذلك حديثان:

الحديث الأول: عن عبد الله بن عدي بن الحمراء: ((أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول -وهو واقف بِالْحَزَوَّرَة- في سوق مكة: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت)) رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وصححه.

الحديث الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: ((ما أطيبك من بلد، وأحبك إليَّ! ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)) رواه الترمذي وصححه.

ثانيًا: الشرح:

قوله: ((بالحَزَوَّرَة)) -بفتح الحاء المهملة والزاي، وفتح الواو المشددة بعدها راء ثم هاء: هي الرابية الصغيرة، وفي (القاموس): الحزورة -كالقسورة: الناقة المقتلة المذللة، والرابية الصغيرة. انتهى.

قوله: ((إنك لخير أرض الله))، فيه دليل على أن مكة خير أرض الله على الإطلاق، وأحب الأرض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك استدل من قال: إن مكة أفضل من المدينة، قال القاضي عياض: إن موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض، وإن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، واختلفوا في أفضلهما ما عدا موضع قبره صلى الله عليه وسلم:

فقال أهل مكة، والكوفة، والشافعي، وابن وهب، وابن حبيب المالكيان: أن مكة أفضل، وإليه مال الجمهور، وذهب عمر، وبعض الصحابة، ومالك، وأكثر المدنيين: إلى أن المدينة أفضل، واستُدل بحديث عبد الله بن عدي المذكور في الباب، وقد أخرجه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم.

قال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف؛ فلا ينبغي العدول عنه، وقد ادعى القاضي عياض الاتفاق على استثناء البقعة التي قُبِر فيها صلى الله عليه وسلم وعلى أنها أفضل البقاع، قيل: لأنه قد روي أن المرءَ يُدفن في البقعة التي أُخِذ منها التراب عندما يُخلق. كما روى ذلك ابن عبد البر في (تمهيده) من طريق عطاء الخراساني موقوفًا.

ويُجاب عن هذا: بأن أفضلية البقعة التي خلق منها صلى الله عليه وسلم إنما كان بطريق الاستنباط، ونصبه في مقابلة النص الصريح الصحيح غير لائق، على أنه معارض بما رواه الزبير بن بكار: أن جبريل أخذ التراب الذي منه خُلِق صلى الله عليه وسلم من تراب الكعبة؛ فالبقعة التي خُلق منها من بقاع مكة، وهذا لا يقصر عن الصلاحية لمعارضة ذلك الموقوف؛ لا سيما وفي إسناده عطاء الخرساني، نعم، إن صح الاتفاق الذي حكاه عياض كان هو الحجة عند من يرى أن الإجماع حجة.

وقد استدل القائلون بأفضلية المدينة بأدلة منها حديث: ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)) كما في (البخاري) وغيره، مع قوله صلى الله عليه وسلم: ((موضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) وهذا أيضًا مع كونه لا ينتهض لمعارضة ذلك الحديث، المصرّح بالأفضلية، وهو أخص من الدعوى؛ لأن غايةَ ما فيه أن ذلك الموضع بخصوصه من المدينة فاضل، وأنه غير محلّ للنزاع.

وقد أجاب ابن حزم عن هذا الحديث بأن قوله: أنها ((من الجنة)) مجاز؛ إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى} [طه: 118]؛ وإنما المراد أن الصلاة فيه تؤدي إلى الجنة، كما يقال في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة، وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((الجنة تحت ظلال السيوف)) قال: ثم لو ثبت أنه على الحقيقة؛ لما كان الفضل إلا تلك البقعة خاصة؛ فإن قيل: إن ما قرُب منها أفضل مما بعُد؛ لزمهم أن يقولوا: أن الجحفة أفضل من مكة، ولا قائل به.

ومن جملة أدلة القائلين بأفضلية مكة على المدينة: حديث ابن الزبير عند أحمد، وعبد بن حميد، وابن زنجويه، وابن خزيمة، والطحاوي، والطبراني، والبيهقي، وابن حبان وصححه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي بمائة صلاة)) وقد روي من طريق خمسة عشر صحابيًّا.

ووجه الاستدلال بهذا الحديث: أن أفضلية المسجد لأفضلية المحل الذي هو فيه.

ومن جملة ما استدلوا به حديث: ((اللهم إنهم أخرجوني من أحب البلاد إليَّ؛ فأسكني في أحب البلاد إليك)) أخرجه الحاكم في (المستدرك).

ويجاب: بأن النزاع في الأفضل، لا فيما هو أحب، والمحبة لا تستلزم الأفضلية، والاستنباط لا يقاوم النص.

واعلم، أن الاشتغال ببيان الفاضل من هذين الموضعين الشريفين كالاشتغال ببيان الأفضل من القرآن الكريم، والنبي صلى الله عليه وسلم، والكل من فضول الكلام التي لا تتعلق بها فائدة غير الجدل والخصام، وقد أفضى النزاع في ذلك وأسبابه إلى فتن وتلفيق حجج واهية؛ كاستدلال المهلب على أفضلية المدينة بأنها هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام؛ فصار الجميع في صحائف أهلها، وبأنها ((تنفي الخبث)) كما ثبت في الحديث الصحيح.

وأجيب عن الأول: بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة؛ فالفضل ثابتٌ للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين.

وعن الثاني: بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان؛ بدليل قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ} [التوبة: 101]؛ إذًا ليسوا كلهم على الأفضل، والمنافق خبيثٌ بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه وأبو عبيدة رضي الله عنه وابن مسعود رضي الله عنه وطائفة، ثم عليٌّ خرج إلى الكوفة، وطلحة، والزبير، وعمار… وآخرون، وهم من أطيب الخلق؛ فدلّ على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقتٍ دون وقت، على أنه إنما يدل ذلك على أنها فضيلة لا أنها فاضلة.

error: النص محمي !!