Top
Image Alt

باب تملك زرع الغاصب بنفقته وقلع غرسه، وباب ما جاء فيمن غصب شاة فذبحها وشواها أو طبخها، وباب ما جاء في ضمان المتلف بجنسه

  /  باب تملك زرع الغاصب بنفقته وقلع غرسه، وباب ما جاء فيمن غصب شاة فذبحها وشواها أو طبخها، وباب ما جاء في ضمان المتلف بجنسه

باب تملك زرع الغاصب بنفقته وقلع غرسه، وباب ما جاء فيمن غصب شاة فذبحها وشواها أو طبخها، وباب ما جاء في ضمان المتلف بجنسه

. تملك زرع الغاصب بنفقته وقلع غرسه:

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ)) رواه الخمسة إلا النسائي، أي: رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود، وقال البخاري: هو حديث حسن.

الثاني: وعن عروة بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِيَ لَهُ، ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ))، قال: ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث: ((أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس أحدهما نخلًا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفئوس، وإنها لنخل عُمٍّ)) جمع عميمة، وهي الطويلة، رواه أبو داود والدارقطني.

ثانيًا الشرح:

تعليق الإمام الشوكاني على ذلك:

قال: حديث رافع ضعفه الخطابي، ونُقل عن البخاري تضعيفه، وهو خلاف ما نقله الترمذي عن البخاري من تحسينه، وضعفه أيضًا البيهقي، وهو من طريق عطاءِ بن أبي رباح، عن رافع. قال أبو زرعة: لم يسمع عطاء من رافع، وكان موسى بن هارون يضعف هذا الحديث، ويقول: لم يروه غير شريك، ولا رواه عن عطاء غيرُ أبي إسحاق، ولكن قد تابعه قيس بن الربيع، وهو سيء الحفظ.

وقد أخرج هذا الحديث أيضًا البيهقي والطبراني، وابن أبي شيبة والطيالسي، وابن ماجه، وأبو يعلى، وحكى ابن المنذر عن أحمد بن حنبل أنه قال: إن أبا إسحاق زَادَ في هذا الحديث: ((زرع بغير إذنهم)) وليس غيره يذكر هذا الحرف -يعني: هذه الزيادة- وحديث عروة سكَتَ عنه أبو داود والمنذري، وحسن الحافظ في (بلوغ المرام) إسنادَه. وفي رواية لأبي داود: “فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم …” وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخُدْرِي، انظر إلى دقة أبي داود، وأمانته في رواية الحديث، لم يتأكد أنه أبو سعيد، فقال: أكثر ظني أنه أبو سعيد الخُدْرِي. “فَأَنَا رَأَيْتُ الرَّجُلَ يَضْرِبُ فِي أُصُولِ النَّخْلِ” هذا كلام أبي سعيد الخُدْرِي على ما رجحه أبو داود، وأول حديث عروة هذا قد تقدم في أول كتاب (الإحياء) من حديث سعيد بن زيد.

وأخرج أبو داود من حديثِ جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه الباقر، عن سمرة بن جندب: ((أنه كانت له عضدٌ من نخل في حائط رجلٍ من الأنصار، قال: ومع الرجل أهله، قال: وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذَّى به الرجل، ويشق عليه، فطلب إليه أن يناقله، فَأَبَى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له؛ فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعه؛ فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبَى، قال: فهبه لي، ولك كذا وكذا، أمرًا رغبه فيه فأبى، فقال: أنت مُضار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري: اذهب فاقلع نخلَه))، وفي سَماع الباقر من سمرة بن جندب نظرٌ، فقد نقل من مولده ووفاة سمرة ما يتعذر معه سماعه.

قوله: ((فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ )) فيه دليل على أن مَن غصب أرضًا وزرعها كان الزرع للمالك للأرض، وللغاصب ما غرمه في الزرع يسلمه له مالك الأرض. قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق.

قال ابن رسلان: قد استدل به كما قال الترمذي وأحمد: على أن من زرع بذرًا في أرض غيره، واسترجعها صاحبها، فلا يخلو إما أن يسترجعها مالكها ويأخذها بعد حصاد الزرع أو يسترجعها والزرع قائم قبل أن يحصد؛ فإن أخذها مستحقها بعد حصاد الزرع؛ فإن الزرع لغاصب الأرض لا يُعلم فيها خلاف؛ وذلك لأنه نماء ماله وعليه أجرة الأرض إلى وقت التسليم، وضمان نقص الأرض وتسوية حفرها.

وإن أخذ الأرض صاحبها من الغاصب والزرع قائم فيها، لم يملك إجبار الغاصب على قلعه، وخير المالك بين أن يدفع إليه نفقته، ويكون الزرع له، أو يترك الزرع للغاصب، وبهذا قال أبو عبيد.

وقال الشافعي وأكثر الفقهاء: إن صاحب الأرض يملك إجبار الغاصب على قلع ذلك الزرع، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ)) ويكون الزرع لمالك البذر عندهم على كل حال، وعليه كراء الأرض.

ومن جملة ما استدل به الأولون: ما أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأى زرعًا في أرض ظهيرٍ فأعجبه، فقال: ما أحسنَ زرعَ ظهير، فقالوا: إنه ليس لظهير، ولكنه لفلان، قال: فخذوا زرعكم، وردُّوا عليه نفقته)) فَدَلَّ على أن الزرع تابع للأرض. ولا يخفى أن حديث رافع بن خديج أخص من قوله صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ)) مطلقًا، فيبنى العام على الخاص، وهذا على فرض أن قوله: ((لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ)) يدل على أن الزرع لرب البذر، فيكون الراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول: من أن الزرع لصاحب الأرض إذا استرجع أرضه والزرع فيها، وأما إذا استرجعها بعد حصاد الزرع فظاهر الحديث أنه أيضًا لرب الأرض، ولكنه إذا صح الإجماع على أنه للغاصب، كان مخصصًا لهذه الصورة. وقد روي عن مالك وأكثر علماء المدينة مثلما قاله الأولون. وفي (البحر): أن مالكًا والقاسمَ يقولان: الزرع لرب الأرض، واحتج لِمَا ذَهَبَ إليه الجمهور: من أن الزرع للغاصب، بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الزَّرْعُ لِلزَّارِعِ وَإِنْ كَانَ غَاصِبًا)) ولم أقف على هذا الحديث، فينظر فيه، قال ذلك الإمام الشوكاني.

وقال ابن رسلان: إن حديث: ((لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ)) وَرَد في الغرس الذي له عرق مستطيل في الأرض. وحديث رافع ورد في الزرع؛ فيجمع بين الحديثين، ويعمل بكل واحد منهما في موضعه، ولكن ما ذكرناه من الجمع أرجح؛ لأن بناء العام على الخاص أولى من المصير إلى قصر العام على السبب من غير ضرورة.

والمراد بقوله: ((وله نفقته)) ما أنفقه الغاصب على الزرع من المؤنة في الحَرْثِ والسقي وقيمة البذر وغير ذلك، وقيل: المراد بالنفقة قيمة الزرع، فتقدر قيمته ويسلمها إلى المالك، والظاهر الأول.

قوله: ((ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ)) قد تقدم ضبطه وتفسيره في أول كتاب (الإحياء) أي: أن الظلم لا يثبت الحقوق ولو بعد مئات السنين مهما تقادم الزمن، إذا ظهر صاحب الحق أخذه، وإذا ظهر صاحب الأرض أخذها.

قوله: ((وأمر صاحب النخل…)) إلخ. فيه دليلٌ على أنه يجوز الحكم على من غرس في أرض غيره غروسًا بغير إذنه يؤمر بقطعها.

قال ابن رشد في (النهاية): أجمع العلماء: على أن من غرس نخلًا أو ثمرًا وبالجملة نباتًا في غير أرضه؛ أنه يؤمر بالقلع، ثم قال: إلا ما روي عن مالك في المشهور: أن من زرع فله زرعه، وكان على الزارع كراء الأرض، وقد روي عنه ما يشبه قول الجمهور، ثم قال: وفرَّق قومٌ بين الزرع والثمار إلى آخر كلامه.

وقوله: ((نخل عُمٍّ)) بضم المهملة وتشديد الميم، عُمٍّ جمع عميمة، وهي الطويلة، وفي (القاموس): ما يدل على أنه يجوز فتح أوله، فيقال: نخل عَمٍّ؛ لأنه قال بعد تفسيره بالنخل الطويل، ويُضَمُّ ما دام قال: ويُضم إذًا ويفتح.

2. ما جاء فيمن غصب شاة فذبحها وشواها أو طبخها:

أولًا: الحديث: عن عاصم بن كليب أن رجلًا من الأنصار أخبره، قال: ((خرجنا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلما رجعنا استقبله داعي امرأة، فجاء وجيء بالطعام فوضع يده، ثم وضع القوم، فأكلوا؛ فنظر آباؤنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يلوكُ لقمةً في فمِهِ، ثم قال: أجد لحمَ شاةٍ أُخِذَت بغير إذن أهلها، فقالت المرأة: يا رسول الله، إني أرسلتُ إلى البقيع مَن يشتري لي شاةً فلم أجد، فأرسلت إلى جارٍ لي قد اشترى شاةً أن أرسل بها إليَّ بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطعميه الأسارَى)) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني.

وفي لفظٍ له، ثم قال: ((إني لأجد لحم شاة ذبحت بغير إذن أهلها، فقالت: يا رسول الله، أخي وأنا من أعز الناس عليه، لو كان خيرًا منها لم يغير عليَّ، وعليَّ أن أرضيَهُ بأفضلَ منها، فأبَى أن يأكل منها صلى الله عليه وسلم وأمر بالطعام للأسارى)).

ثانيًا: تخريج الحديث: الحديث في إسناده عاصم بن كليب، قال علي بن المديني: لا يحتج به إذا انفرد. وقال الإمام أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: صالح. وقد أخرج له مسلم.

وأما جهالة الرجل الصحابي فغير قادحة؛ لما كررناه غير مرة: من أن مجهول الصحابة مقبول فالجهالة للصحابي لا تضر في الحديث؛ لأنَّ عمومَ الأدلة القاضية بأنهم خيرُ الخليقة، فالصحابة كلهم عدول، جاء ذلك من جميع الوجوه، وأقل أحوال هذه الوجوه أن تثبت لهم بها هذه المزية -أعني: قبول مجاهيلهم- لاندراجهم تحت عمومها. ومَن تولى اللهُ ورسولُه تعديلَه؛ فالواجب حمله على العدالة؛ حتى ينكشف خلافها، ولا انكشافَ في المجهول.

ثالثًا: الشرح:

قوله: ((يلوك))، قال في (القاموس) من اللَّوْكِ، وهو المَضْغُ أو مضغ الشيء الصلب.

قوله: ((لُقْمَة)) بضم اللام، وسكون القاف، ويجوز فتحها فيقال: لُقَمَة. قال في (القاموس): اللقمة وتفتح ما يهيئ للفم، يعني: ما يوضع في الفم من الطعام.

وقوله: ((فلم يوجد)) بضمِّ أَوله وسكون الواو، فلم يوجِد: وكسر الجيم، أي: لم يعطِنِي ما طلبته، وفي (القاموس): أوجده وأغناه، وفلانًا مطلوبه أظفره به.

والحديث فيه دليلٌ على مشروعية إجابة الداعي وإن كان امرأة، والمدعو رجلًا أجنبيًّا إذا لم يعارض ذلك مفسدة مساوية أو راجحة، وفيه معجزةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرة لعدم إساغته لذلك اللحم، وإخباره بما هو الواقع من أخذها من غير إذن أهلها. وفيه تجنب ما كان من المأكولات حرامًا أو مشتبهًا، وعدم الاتِّكَال على تجويز إذن مالكه بعد أكله.

وفيه أيضًا: أنه يجوز صرفُ ما كان كذلك إلى ما يأكله كالأسارى، ومن كان على صفتهم، وقد أورد المصنف -أي: ابن تيمية- هذا الحديثَ؛ للاستدلال به على حكم من غصب شاةً فذبحها وشواها أو طبخها.

وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فحكي في (البحر) عن القاسمية وأبي حنيفة: أن المالك مخير بين طلب القيمة، وبين أخذ العين كما هي، وعدم لزوم الأرش -يعني: الفرق- لأن الغاصب لم يستهلك ما ينفرد بالتقويم. وحكي عن المؤيد بالله والناصر والشافعي ومالك: أنه يأخذ العين مع الأرش -الفرق في القيمة- كما لو قطع الأُذن ونحوها، ومحمد: أنه يخير بين القيمة أو العين مع الأرش.

3. ما جاء في ضمان المتلف بجنسه:

عن أنس قال: ((أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: طعام بطعام وإناء بإناء)) رواه الترمذي وصححه وهو بمعناه لسائر الجماعة، إلا الإمام مسلم فلم يروه.

وعن عائشة أنها قالت: ((ما رأيت صانعة طعامًا مثل صفية -أي: زوج النبي صلى الله عليه وسلم أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إناءً من طعام، فَمَا ملكت نفسي أن كسرته فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كفارته؟ قال: إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ)). رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

الحديث كما جاء في (سبل السلام) في حديث رقم (842) عن أنس رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام)) الروايات الأخرى بينت أن هذه الواحدة من أمهات المؤمنين التي أرسلت بالقصعة هي السيدة صفية رضي الله عنها ((فضربت بيدها)) أي: السيدة عائشة، ((فكسرت القصعة؛ فضمها النبي صلى الله عليه وسلم)) أي: جمع القصعة بعضها إلى بعض بعد كسرها، ((وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، ودفع القصعةَ الصحيحةَ الرسول صلى الله عليه وسلم وحبس المكسورة)). رواه البخاري والترمذي، وسمى الضاربة عائشة، وزاد: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((طَعَامٌ بِطَعَامٍ ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ)).

عن أنس رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين)) سماها ابن حزم زينبَ بنت جحش، هذا ما قاله صاحب (سبل السلام) ولكن هناك رواية تقول: إنها صفية، ((مع خادم لها)) قال المصنف: لم أقف على اسم الخادم- بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها، فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، ودفع القصعة الصحيحة الرسول صلى الله عليه وسلم وحبس المكسورة)).

إذًا هذه رواية غير رواية السيدة عائشة عندما كسرت القصعةَ. رواه البخاري والترمذي، وسمَّى الضاربةَ عائشة، فكأن الرواية واحدة، وزاد فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((طعامٌ بطعامٍ، وإناءٌ بإناءٍ، وصححه))، أي: صحح الإناء المكسور.

واتفقت مثل هذه القصة من عائشة في صحفة أم سلمة، فيما أخرجه النسائي عن أم سلمة: ((أنها أتت بطعام في صحفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر -والفهر: هو الحجر الصغير الذي يملأ الكف- ففلقت به الصحفة)). هذا يثبت غيرةَ السيدة عائشة، وهذا طبع من طباع النساء. الحديث. وقد وقع مثلها لحفصة، وأن عائشة كسرت الإناء، ووقع مثلها لصفية مع عائشة أيضًا، والحديث دليل على أن مَن استهلك على غيره شيئًا كان مضمونًا بمثله، وهو متفق عليه في المثلي من الحبوب وغيرها.

وأما في القيمي -الشيء الذي يُقَوَّم- ففيه ثلاثة أقوال:

الأول: للشافعي والكوفيين: أنه يجب فيه المثل حيوانًا كان أو غيره، ولا تجزئ القيمة إلا عند عدمه.

الثاني: للهادوية: أن القيمي يضمن بقيمته.

الثالث: قال مالك: إن القيمي يضمن بقيمته مطلقًا، وفي رواية عنه كالمذهب الأول. وفي رواية عنه أخرى: ما صنعه الآدمي فالمثل، وأما الحيوان فالقيمة، وعنه أيضًا ما كان مكيلًا أو موزونًا فالقيمة وإلا فالمثل. قال في (الفتح) وهو المشهور عنده.

وقد ذهب إلى ما قاله مالك من ضمان القيمي بقيمته مطلقًا جماعةٌ من أهلِ العلمِ منهم: الهادوية، ولا خلافَ في أن المثل يضمن بمثله، وأجاب القائلون بالقول الثاني عن حديث الباب وما في معناه بما حكاه البيهقي: من أن القصعتين كانتا للنبي صلى الله عليه وسلم في بيتي زوجتيه، فَعَاقَبَ الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها، وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن هناك تضمين، وتعقب بما وقع في روايةٍ لابن أبي حاتم بلفظ: ((من كسر شيئًا فهو له وعليه مثله)) وبهذا يرد على مَن زَعَم: أنه واقعةُ عينٍ لَا عُمومَ فيها.

ومن جملة ما أجابوا به عن حديث الباب وما في معناه: بأنه يحتمل أن يكون في ذلك الزمان كانت العقوبة فيه بالمال، فعاقب الكاسرة بإعطاء قصعتها للأخرى، وتُعقب أيضًا: بأن التصريح بقوله: ((إناء بإناء)) يُبعد ذلك. أما قوله: ((طعامٌ بطعام))، قيل: إن الحكم بذلك من باب المعونة والإصلاح دونَ بَتِّ الحكم بوجوب المثل فيه أنه ليس له مِثْلٌ معلوم.

قال الحافظ ابن حجر: وفي طرق الحديث ما يدل على أن الطعامين كانا مختلفين.

قوله: “فما ملكت نفسي أن كسرته” لفظ أبي داود: “فَأَخَذَنِي أَفْكَل” بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الكاف، ثم لام، وزنه أفعل، والمعنى: أخذتني رعدة الأفكل، وهي الرعدة من برد أو خوف، والمراد هنا: أنها لما رأت حسنَ الطعام غارت، وأخذتها مثل الرعدة.

error: النص محمي !!